الأقباط: قربان أضحوى على مذبح الدكتاتوريات العسكرية الدينية

أمين المهدي سليم
2013 / 10 / 25

المصريون الأقباط أكبر جماعة مسيحية فى كل دول الشرق الأوسط ، وكانوا مُساهماً ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً هاماً فى المشروع الليبرالى الوطنى ونسيج رئيسى فى الطبقة الوسطى المصرية ، لأن 70 % منهم يسكنون المدن بسبب الطبيعة المُتعصبة والمُحافظة الراكدة فى الريف.
لم يكن ذلك شأنهم وحدهم بل كان شأن كل الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية مثل: اليهود والشيعة (كان إحياء ذكرى عاشوراء يتم فى استعراض ضخم فى منطقة الأزهر) واليونانيين والأرمن والإيطاليين وغيرهم ، وينطبق الأمر نفسه على الأقليات السياسية والفكرية والفنية مثل: الشيوعيين وجماعات الفكر الحر و"النهضة" و "الخبز والحرية" والسرياليين وأنصار الحرية ومنظمات السلام بل والمنظمات العالمية شبه السرية كالمحفل الماسونى وشهود يهوا والمورالتى جروب ، فيما كان التدين الإحتفالى التصوفى يغلب على الأغلبية المسلمة ، ذلك لأن المشروع الليبرالى هو بالضرورة أُفق مفتوح ومتسامح يشارك فيه كل من يتمتع بأى قدر من المهارات الاجتماعية المدنية الفردية والجماعية دون قيمة كبيرة للصفات المسبقة أو الماضوية ، ولذا كان اقتصاد مصر مُزدهراً وكان لديها مستوى رفيع للحرف والفنون والأدب والسينما ومدن وضواحى جميلة مُخططة جيداً وصناعات وعقارات تُشكل بحد ذاتها ثرواث فريدة قيد التلاشى الآن.
ولكن ثمة شرخ كبير كان فى المرآة أو تناقض جذرى ، وهو عُقدة نقص تاريخية نجمت عن خلو تاريخ مصر الإسلامى من خلافة سُنية مقارنة بالمدينة ودمشق وبغداد والأندلس واستنبول بعد أن شهدت خلافة شيعية فاطمية قبل الحكم الأيوبى العنيف ‏،‎ وخضعت هذه "الأشواق" دائماً للإستغلال والإنتهازية السياسية ممّن أطلق عليهم مدرسة الشرق ، وفى إعتقادى أنها كانت مدرسة الفكر الفاشى الماضوى المُنشغل بإحياء عصر ذهبى مُتوهم ومُزيف وتنتظر المُخلّص أو المُستبد العادل مثلما كل الفاشيات ، وتأجج الحلم بالطبع بعد سقوط الخلافة العثمانية فى 1923 وتغذى على رفض وجود الإحتلال الإنجليزى وتوثيق العلاقات مع النازية والفاشية الإيطالية.
وقد انحصر هذا التحالف فى القصر والأزهر والجماعات الفاشية مثل: الحزب الوطنى والإخوان المسلمين ومصر الفتاة وجماعة على ماهر ، ولكن العنصر الأخطر كان الجيش والذى كان منطقة نفوذ للملك فاروق بعد معاهدة 1936 للصداقة والاستقلال ، لأن كل تلك الجماعات لم تكن تُمثل تحدياً قوياً لحزب الوفد صاحب الأغلبية الكاسحة فى الشارع السياسى بالإضافة لتحالفه السياسى الغالب مع الأحرار الدستوريين ومع اليسار ، وهكذا أصبح الجيش مرتعاً للجماعات الفاشية الدينية على وجه الخصوص ، وكانت مع الملك سبباً رئيسياً فى دخول حرب غير مشروعة وهُزمت شر هزيمة فى 1948 ، وعندما وقع الإنقلاب العسكرى فى 1952 كان فى حقيقته إنقلاباً فاشياً دينياً وأسس جمهورية عسكرية إسلامية ، ويكفي ذكر أن قيادة الإنقلاب أو ما سُمىَّ مجلس الثورة من 12 وقاعدته 299 من الضباط لم يكن بينهم مسيحى واحد (لدى دراسة بعنوان: "كيف مارس عبد الناصر ’الإنقلاب الدينى‘ بعد الإنقلاب العسكرى" نُشرت فى الحياة الدولية وموجودة على مواقع متعددة).
وهكذا وفى ظل ثُنائية إقطاعية لها جذور تاريخية عبرت عنها بتعبير "القلعة والمعبد" أعيد إنتاجها عن طريق جدل سياسى اقتصادى بوليسى بين الفاشيتين العسكرية الريفية والدينية يشغل فضاء مصر السياسى منذ ستة عقود ، نرعت فيها كل الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية من المجتمع المصرى لحساب هذا الجدل المحكوم بالفشل والعُزلة عن العصر ، وهكذا تم القضاء على كل الوكلاء الاجتماعيين والسياسيين وكل قيمة للمهارات وللعمل الاجتماعى لإضعاف المجتمع لحساب قاعدة الولاء من المُخبرين والضباط المتقاعدين ورجال الدين وزعماء العشائر والجهويات وتجار السوق السوداء والبلطجية ، وهنا لا أستبعد إحتمال وجود مُخطط سرى لجمهورية يوليو العسكرية الدينية بالتضييق على الأقباط لتقليل أعدادهم أو حتى ترحيلهم وبتمويل إقليمى بترودولارى من رابطة العالم الإسلامى التى تُنفق على فوضى المساجد وحرب الميكروفونات والتلوث العقلى والأخلاقى والصوتى فى مصر.
وهكذا تحول الأقباط وممتلكاتهم إلى قربان أضحوى على مذبح الدكتاتورية العسكرية الإسلامية.
فى مجزرة الكشح الثانية وهى قرية مسيحية فى محافظة سوهاج، بعد أيام من رأس الألفية الثالثة وكنت ممّن ذهبوا بصعوبة وعاينوا ميدان المجزرة بعد يوم ونصف من ارتكابها ، كانت عناصر الجريمة كاملة، شيخ إرهابى مُحرض فى مسجد ومعهد أزهرى عشوائى يُشيع الجهل والتخلف والكراهية إضافة إلى حقد طائفى اجتماعى من قرى تعسة جائعة ، فى نفس الوقت كانت الكشح قرية مزدهرة بالتجارة والنقل ولذا كان من مظاهر الصدام سرقة الأسواق من التجار الأقباط ومُضاربة على ممتلكاتهم يقف ورائها المجلس المحلى وعشيرة ذات نفوذ والمحافظة وجهاز أمن الدولة ، وبعد ذلك جرى القتل وأوراق تحقيق فارغة وأحكام قضاء لا تستحق إسمها ، ولكن ذلك يوفر ملامح مُحددة لأحد حالات الاضطهاد والجريمة ، وهى أن الدوافع الرسمية عندما تختلط بدوافع عنصرية وتناقضات اجتماعية يكون لها مظاهر تصعيدية تستهلك وقتاً يطول أو يقصر ولكن فى كل الأحوال يُمكن رصده والتنبؤ بنتائجه أو تحليل المقدمات والنتائج ، ولكن معاملاً مشتركاً أكثر جوهرية فى كل عمليات الإعتداء ضد الأقباط وهو أنه مهما كانت جسامة الإعتداء وكثرة تفاصيله بالتالى لا يصل إلى شئ فى كل مستويات التحقيق والقضاء ، إلى الدرجة التى أُقرر فيها على مسؤوليتى أنه لا توجد فى مصر جهة موثوقة واحدة لإجراء تحقيق أو محاكمة أو حتى تقصى حقائق وأعتقد أنه يجب المطالبة بتحقيقات دولية فى هذا الشأن والسوابق كافية تماماً ، كما أن الدول المُجرمة ليس لها سيادة.
فى أثناء الإحتفال بليلة رأس سنة 2011، وفى الإسكندرية أمام كنيسة القديسين، إنفجرت سيارة مُفخخة، ولحظى التعس شاهدت الحادث بعد وقوعه بساعة ، كان المشهد يصعب إحتماله نتيجة حجم الوحشية والهمجية فى الإعتداء على الحياة وعلى حق البشر فى الفرح والتعبُد ، كانت قطعاً بشرية ودماء على الأشجار والجدران وفى كل مكان ومسرح المجزرة مفتوح على مصراعيه وعلى نحو ظاهر لا توجد النية للتعامل مع المكان كميدان للتحقيق وللأدلة الجنائية ، علاوة على وجود مسجد فى الشارع نفسه ضمن قاعدة المُلاحقة السفيهة بالمساجد للكنائس ، وخرج منه مجموعة من العُنصريّين ليصرخوا الله أكبر ثم اختفوا.
خرج مبارك بعد يوم واحد ليقول أن المتهم طرف خارجى.
وخرج تقرير المخابرات البريطانية MI6 ، ليفضح الحقيقة وهى أن حبيب العادلى أسس القيادة 77 من 22 ضابطاً مع كل منهم مجموعة من الشباب المتطرف اللذين جُندوا فى السجون للقيام بعمليات إرهاب لصالح النظام مع إدعاء أسماء تنظيمات ، وكان الرائد فتحى عبد الواحد قد فجّر السيارة المُفخخة عن بُعد وكان داخلها الشاب عبد الرحمن أحمد بعد أن أقنعه الضابط بترك السيارة أمام الكنيسة حيث ستنفجر بعد ذلك ، فيما اقتاد زميليه أحمد خالد ومحمد عبد الهادى زعيم التنظيم ويُدعى جند الله واعتقلهما فى مبنى أمن الدولة بالدقى ربما استعداداً للتنظيف بعد العملية ، ولكنهما هربا خلال أحداث الثورة ولجئا إلى السفارة البريطانية وخضعا لتحقيقات المخابرات.
تجاهل المجلس العسكرى الإنتقالى القضية بالطبع وكذلك الإخوان وبالطبع حكومة السيسى الآن والسبب معروف.
غير أن دلالة هامة تتوفر هنا وهى أن عمليات الإرهاب التى يرتكبها الأمن مباشرةً تتم على نحو مفاجئ.
وذلك يتوفر تماماً فى مجزرة كنيسة السيدة العذراء فى الورّاق فى 22 أكتوبر الماضى حيث المنطقة ليست من مناطق الصدام الطائفى وحيث الهدف السياسى للجريمة واضح لإستعمالها فى الصراع السياسى الدائر الآن فى مصر وزيادة الرصيد السياسى لنظام مُفلس أخلاقياً وعقلياً ولص وسفاح وذلك بزيادة جرعة شيطنة الإخوان بعد أن بدأ فى التراجع.
وتطبيق المُلاحظات السابقة على أحداث إمبابة وكنيسة أطفيح وماسبيرو بل ومجازر المُجندين فى سيناء ضحية الإجرام والصمت واللاتحقيق يُقدم لنا الكثير من الدروس المستفادة حول ما يُمكن أن يفعله هذا النظام فى إضعاف المجتمع وتفكيك قواه الاجتماعية بالتفرقة وتعميق ثقافة الكراهية والعنف عن طريق تنظيمات التطرف الأمنية وشيوخه ومساجده وغوغاءه وبلطجيته وأن هذا لن يتوقف ما دُمنا لا نعيش فى دولة محترمة ، والدولة المحترمة هى دولة الحرية والكرامة والمساواة والقانون والديموقراطية المدنية والتى لا نُطالع فيها وجوه عسكر اللصوصية والمجازر أو شيوخ الإرهاب وحُرّاس الجهل المقدس ومهنتهم فى نشر الكراهية.