اعطنا نقدنا كفاف ثقافتنا

ابراهيم زورو
2013 / 10 / 24

اعطنا نقدنا كفاف ثقافتنا
ابراهيم زورو

الثقافة النقدية ليست أقل قيمة من الثقافة ذاتها؟ ولولاها لما كانت العلوم أصلاً، فبفضل النقد والتمحيص المتكرر صارت الثقافة بشكلها الراهن، والأكثر من ذلك أو قل حكما لها وخيط التوازن بين الكاتب وثقافته من جهة، وبينه بين الواقع من عادات تقاليد من جهة، وبينه وبين قراء متعددي الثقافات والمشارب، وهناك نقاد يقفون أمامه ويتربصون بخطواته وينتظرون مفرزات عقله كي يصوبونه أو ليكونوا واسطة بينه وبين قرائه، فالأمر لا يختلف بين أي نوع من الابداع سواء في أي حقل كان، سياسي، أدبي، اقتصادي، فلسفي...، عليه أن يتجاوز بأربعة مراحل، أي كاتب وهو قبل أن يكتب يعرف لمن يوجه نصه، وفي كل هذه الابداعات يستخدم عقله وهو سلاحه الوحيد، والمثقف الذي يخاف من النقد ليس مثقفاً لأنه أختار لنفسه أن يكون خارج الثقافة والمثقفين، ويخرج من السوق التداول وهذا يدل على عدم ثقته بنفسه أولاً، وبضاعته الكاسدة ثانياً، ولا يوجد المستهلكين(القراء) لتلك البضاعة، وخاصة إذا ما عرفنا المقولة الاقتصادية تقول: وراء كل بضاعة كاسدة هناك لغة تروجها. والأنكى من ذلك ان المثقف سلاحه اللغة واذا لم يستجب لغته على ترويج بضاعته التي هي الكلام، فالنتيجة النهائية أختار اللاوجود في هذه الحالة، وبقول اخر، الذي يهاجم النقد فهو أما أن يكون لصاً او لا يحترم قرائه وهنا المصيبة اعظم كون احترام الكاتب من احترام القارئ والانكى من ذلك لولا الاخير لما كان الأول، وكما أن الذين لا فكر لديهم يهاجمون النقد من اساسه. لأن وجوده بالكاد يظهر للعيان. والوجود بهذا الشكل ليس وجوداً كونه لا فكر لديه ولن يجيد العزف على اوتار اللغة وارتباطها مع الواقع، انما قد يوجهون نصهم إلى بشر لا يفقهون بالثقافة ابداً. لهذا فالنقد مثل تلك الروح التي تمول الجسد بحركات رشيقة ويستمتع به كل العناصر الاخرى بود ووئام ليكون الجسد على قيد الحياة. وأي عمل ليس موجهاً وليس فيه قيمة ادبية او سياسية او اقتصادية تذكر فتهمل تماماً. والكلام هنا قاس كونه يضع ذاته فوق الجميع وذلك ليس جائزاً. حيث ان تلك المراحل ستكون امتحاناً له، وعلى هذا الاساس يمكن للناقد ان يقول كلمته إن اصاب او لم يصب؟ فالناقد هو الذي يقرر ما اذا كان الكاتب قد بلغ امتحانه بشكل يليق بموضوعه ومستوى نصه ومتانة لغته وجمله. والناقد عليه أن يكون عادلاً في نقده ولا يسوقه اهواءه ورغباته الشخصية في تناوله لموضوعه، ومن هنا اهمية النقد؟ وكما ان الاخير هو عنصر مهم من عناصر الارتباط مع الواقع، فالنقد يجعل من وجودك العنصر الدال على احقية الفكرة من حيث الموت والحياة، وإلا لن يكون نقداً.
فالنقد للزينة مقص يشذب العمل كي يكون قابلاً للفهم أو جسر التواصل بينه وبين القارئ، واذا لم يكن هذا متحققاً، أما ان يكون نصه بسيطاً أو فكرة اولية لا تمت الى الفكر المركب أي أن فكره تحليلي فقط، ولغته لم يكن بمستوى موضوعه، قل أنه بالكاد خرج لتوه من المملكة الحيوانية وينظر الى يداه ورجليه واستقامته ويشرح للآخرين الذين خرج قبله بعشرات السنين!؟. فذلك ليس من حق هذا المقص ان يعمل في عمله؟.
والناقد والكاتب يلتقيان معا في مستوى العقلي للخطاب، ومن ثم الثاني يلعب دور الناقد لمجتمعه لجهة العادات والتقاليد البالية في القدم، والاول يصحح له إن جاز التعبير، ومتقاربان في الاستخدام المصطلحات ذاتها، وايضاً في اللغة وهي اهم الاداة من ادوات عملهما لانها ليست جسراً فيما روج لها، بل علما واستخدام العلم له اصوله وقواعده الصارمة، وهما على طرفي النقيض شكليا من جهة الرقابة او معاينة النص فيما اذا اصاب او لم يصب. اما في المضمون فكليهما سيحاسبان عبر التاريخ وخلودهما باق على ما قدموه للمجتمع. لذلك فصيانة ادوات التفكير مهماً في هذه العلاقة. ولكن الكاتب يستخدم لاشعوره ويسهو عن العقل وهذا حق طبيعي له. والناقد ايضاً يفسر لاشعوره بعقل حاسم لا يشذ عن طريقه ابدا. حيث أن ادوات التفكير متوازناً ولا يرحم. وبتعبير اخر انهما قطبا السوق وبدونهما لا يمكن ان يكون السوق سوقاً، فالناقد يحرس على جودة البضاعة وشارحا مواصفاتها ومساهماً في بيعها ليكون المستهلك(القارىء) راضياً عنها.
هذا التناغم بين الكتّاب والنقاد يجعل من البنية في حالة الحركة الدائمة، ويؤدي الى التراكم الثقافي، وهو الاهم، وبهذا العمل الجاد يفرز الكتاب عن غيره فليس كل الكتّاب كتاباً ولا كل النقاد نقاداً.
" لقد ظهر مصطلح النظرية النقدية بشكل اكثر نضوجاً عندما نشر هوركهايمر عام 1937 دراسة بعنوان>، فبين أن اتخاذ مسافة نقدية إزاء ما هو موجود هو ما يميزها، أقام هوركهايمر يمر تفرقة حاسمة بين نموذجين أساسيين لاكتساب المعرفة، النموذج الأول هو النظرية التقليدية الشكل الذي ارتبط بالمناهج الوضعية ومحاولة تقليد مناهج العلوم الطبيعية، أما النظرية النقدية فهي على العكس من ذلك تؤكد على الصبغة النقدية للعقل وتجعل الانسان صانعاً لظروفه التاريخية بأسلوب لا يخلو من النقد المستمر فيقول>، ويقصد هوركهايمر بالتراث الفلسفي للفرويدية والماركسية بالخصوص، ذلك<< أن مدرسة فرانكفورت قد أعادت كشف الماركسية على مستوى الطاقة النقدية الكامنة فيها وقدرتها المنهجية على التحليل، بعيدا عن الأغلال الإيديولوجية التي كبلت بها من خلال الممارسات البيروقراطية للأحزاب ورجال السلطة>>، بمعنى آخر إعادة إحياء الماركسية باعتبارها فهما نقدياً، لكن خارج الخطاب <<الدوغماركسي>> والاستعانة بالتحليل النفسي الذي فتح دروبا جديدة للنظرية النقدية، فهو أمدها بأدوات منهجية لا غنى عنها في فهم البعد النفسي للإنسان، فأصبح في خدمة النفسانيات الاجتماعية، لكن ما الغاية من هذا التوظيف النقدي؟." .
فأين نحن من هذا المعرفة وطريقة اكتسابها من المنبع الحقيقي، وحيث أن النظرية التقليدية، لم تشم رائحتها في اغلب مكتباتنا وإن وجدت فلا العقل يضمن سيرته لأنه اصبح عقلا كسولاً. من هنا أكثر الذين اخذوا على عاتقهم ليكونوا مثقفين هم شعراء على مبدأ يجب أن لا يبقى مكاناً شاغراً!!؟. هم بذلك مزجوا بين العقل والخيال. وحتى مسألة الخيال يجب ان يرتوي بالثقافة واللغة جزء منها في نهاية المطاف. لذلك نرى ان اللغة التي نحن بصددها هي لغة الخيال الهلامي. وهذا لا يتعد به ولا يحمل على محمل الجد. لهذا غاب الثقافة النقدي في واقعنا؟. ولهذا نحن نردد" ولرب صعلوك في نظر نيتشه لا يصلح للحياة ويجب ان يقضي عليه دون إمهال تتفجر منه قوة لا تراها الا البصائر النيرة" . وأن مثل تلك " النفوس النبيلة تأنف أن تأخذ شيئاً بلا مقابل فهي ترد الحياة قبل كل شيء إذا لم تكتسب عيشها، أما القطيع فيريد ان يعيش دون أن يبذل شيئاُ" مثل هذه النفوس هي موجودة في واقعنا للأسف!!؟؟.
"أما هربرت ماركيوز يعود بنا إلى هيجل المقعد والمنظر الأساسي لمفهوم النقد، حيث أنه ساير النظرية الكانطية في البداية قبل أن ينتقدها، ويتجاوزها إلى فضاء أرحب من النقد، إلى مسائل السياسة والمجتمع، معتبرا أن الحرية تتجسد في تحقق الروح في التاريخ، أو تحقيق الإنسان لذاته في المجتمع، وكل هذا لا يتحقق إلا بالجدل" .
والذي فتح باب النقد رسميا هو كارل ماركس بشكل مادي وعلى مستوى المعرفة والاحاط بالانسان حسب ظروفه الآنية وخلق بيئة ملائم للعقل لان النقد يبحث عن العقل كي ينجذبه-حسب تعبير مهدي عامل- الى حيث واقعه الموضوعي كي يختلط العقل بالواقع بطرق نقدية، ووضع كل جهده لجهة الاعتناء بالانسان من الخارج.
وحيث ان الماركسيين قد اصبحوا ذوي عقول متحجرة ونأوا بماركس عن التطبيق لنظريه النقدية من حيث الاتصال بالواقع ولكنهم بتروا هذه الرابطة وبقيت الماركسية تبحث عن مكان لوجوده بين البشر، أو قل لولا البشر لما كان ماركس او الماركسية، فاقتطاع التوأم من امه جريمة كبيرة ولهذا يدفعون ثمن هذه الجريمة البشعة من كل بد. يبدو أن ماركس قد تمادى على هيغل وقد اخذوا اصدقاءه بثأر هيغل تصور على سخرية القدر!! لان الماركسية بقيت عاجزة عن الاتصال بالنظريات التي خرجت للتوها من رحم الفكر الانساني كالمدارس النفسية والبنيوية والتفكيكية... وما الى ذلك، عندما تختلط المصالح السياسية مع الفكر فأن الاخير لا يصمد طويلا، وهكذا نرى ان اغلب المنظرين والمفكرين قد تركوا الشيوعية عندما حالت بين السياسة والفكر الماركسي. هكذا كان النقد يحارب عبر تاريخه، كونه لا يرى الاعداء امامه ويهرب من مكان ليس للعقل وجوداً؟ ومن هنا نفهم ان مدرسة فرانكفورت اغلب منظريها من ذوي الميول الماركسية نقلت مدرستها الى امريكا دون الاتحاد السوفياتي؟ أن الماركسية خرجت بشكلها النقدي انتهت مثل الاديان لتكون على الضد الهدف المرسومة لها من قبل؟ فكيف والحالة هذه بين الشعوب المتخلفة؟ اذا كانت الماركسية تهزم في منبتها وفي الدول مثل فرنسا والمانيا؟ فالاحزاب الشيوعية وضعت الماركسية في ثلاجات للعرض واستفادوا منها، ويجلسون تحت يافطته الكبيرة، فهم حاربوه عبر تجميده، ولم يستمعوا الى صوت انجلس وهو يقول بما معناه ان فكر ماركس لا يشيخ لانه جدلي ويرى الجديد ويصبح جزء منه. وماركس نفسه يقول في كتابه رأس المال من لم يفهم جدل هيغل فلم يفهم كتاب رأس المال. وجدل هيغل لا يشيخ!!؟؟. لهذا كانت الشيوعية تكره النقد اينما وجد، فأن اصدقاء ماركس اشد عداوة وضراوة على فكره اكثر من الد اعدائه، فبماذا نستطيع ان نعزو هذا الهجوم سوى الى جهل مقيت.
فالثقافة ليست على ما يرام، والمثقفين لا يعرفون ماذا يريدون، وثقافة النقدية لا توجد ابدا طالما كل شيء على عواهنه، وكأننا نفك رباط سرتنا من المملكة الحيوانية. فهل يوجد الثقافة؟ فالثقافة الغربية رمى بفكر ماركس على الرفوف؟ نفس الثقافة ولجت الى عالمنا ونحن بالكاد نقرأ؟ والذين تثاقفوا منها بقوا في حالة يرثى لهم، كونهم اغتربوا من واقعهم ومن عالهم ايضاً، بدؤوا يتكابرون على شعبهم بأنهم جماعة لا حول ولا قوة لهم؟.
الحالة السورية وهي تدخل في عامها الثالث ما استطاع السوريون ان يفعلون سوى هواية جمع المال والطوابع؟ من الذي ابدى مرونة وفهما للحالة السورية بعربه وكورده كل مكوناته؟ سؤال يؤرقنا جميعاً على الرغم بين ظهران هذا الشعب حاملي شهادات علمية من نوع ثقيل؟ هم متخصصون في الفلسفة والسياسة ؟ أين أصواتهم؟ وهل الجالسون على قمة القرار ليس من مصلحتهم اعطاء أي دور لما نشاهده الآن؟ وماذا اعطى المجلس الوطني السوري للسوريين سوى خيبة أمل؟.
كان من الممكن أن نوفر على هذا الشعب كل هذا الدمار؟ عبر قراءة للواقع الملموس إذا كان الأمر كذلك أن نقف لتداس على كرامتنا مرة أخرى؟ لماذا لا يثورون السورين على مجلسهم قبل نظامهم؟ فهم ليسوا بأقل من دمار النظام لنفوس شعبهم؟ وهل الذين يمثلون المجلس والائتلاف فيما بعد قادرين على قيادة المرحلة؟.
فغياب النقد في أي مجتمع يجعل منه قطيع يزجي وراء غريزتها، والفوضى تكون عنوانهم الرئيس في هذا المنحى، لو أدراك القائمون أن التاريخ يسجل هذه المآسي ولهم ضمير مخلوق ومجبول بالثقافة كان النقد سيكون حكما والخلود سيكون لهم في قادم الايام، ولأن الثقافة والنقد متلازمين فلا وجود الواحد منها دون الاخر؟؟.