مصير مصر بين العسكر والإخوان والقوى المدنية

أمين المهدي سليم
2013 / 10 / 22



لابد من الإعتراف أنه لم يكُن لثورة يناير المصرية أُفق معرفى علمى ولا رؤية نقدية عقلانية تتناسب والمطالب الجذرية للثورة وتصنع أُفقاً للتغيير وشروطاً لمساره، وعلى سبيل المثال لم يكُن لديها أى تصور اقتصادى لدفع تكلفة التحول الديموقراطى ويُحرر العمل الاجتماعى، كانت ثورة ضد الدولة المركزية العسكرية الإقطاعية تحت سقف الدولة المركزية، وهكذا سمحت لمُثقفى الأجهزة والمُخبرين ورجال أعمال المُخابرات بالتأثير على مسارها بل وقيادتها فى بعض الأحيان، بالرغم من استعدادها لتقديم تضحيات جسدية بُطولية، إنها مفارقة لابد من التسليم بحدوثها وهى شجاعة الجسد فيما العقل فى حدهُ الأدنى، ولذا لم تُميز أعدائها كما لم تميز أصدقائها، وإن استحقت لفظ ثورة فلأنها صنعت تغييرات فى عُمق الثقافة الاجتماعية والسياسية فى مصر أهمها إسقاط حاجز الخوف وهو المُنتج الأساسى لأقدم دولة مركزية إقطاعية مُتماسكة وعاتية طوال التاريخ المعروف، ومن هنا كان سبب الطمع فيها وسهولة إحتلالها أغلب حقب تاريخها، بالاضافة إلى أنها كشفت ترهُل هذه الدولة هائلة الحجم ولكنها مُصابة بالغرغرينا فى كل أطرافها تقريباً وعاجزة عن القيام بأبسط وظائفها وتحولت إلى دولة فاشلة ومتسولة بالرغم من أنها دولة غنية وتملُك كل موارد الوطن فيما سواد المجتمع فقير وضعيف ويتسول منها بدوره، وهنا تكمن المأساة المصرية ؛ فهى أشبه بديناصور وحيد مُنقرض السُلالة وأصابته الثورة بالكُساح، ولذا ولأسباب بنيوية لن تعود هذه الدولة إلى سابق عهدها أبداً مهما بُذل فى هذا السبيل.
كما أن الثورة كشفت وإن على استحياء عُقم التديّين التخديرى الهذيانى وهو الخطاب الأخلاقى والمعنوى والتبريرى الأساسى لهذه الدولة والذي يختلط مراراً بخطاب وطنى غوعائى ويالهُ من خليط ظلامى خطر، كما كشفت ضمن مراحلها إنتهازية وإفلاس فكر مشروع الإسلام السياسى، وربما يكون العاملان السابقان وراء تنامى ظاهرة الميول اللادينية فى مصر خاصة بين أوساط الشباب، ولكن أخطر تفاعلاتها السياسية ذات البعد المُستقبلى أن جمهورية يوليو العسكرية الريفية أُقتيدت إلى نهاية طريقها وأصبحت ظهور العسكر للحائط، والعلاقة وثيقة ومباشرة هنا بأزمة الدولة الأبوية.
ولكن كُل ذلك لم يمنع بالطبع التلاعُب بهذه الثورة.
المُقدمة السابقة ضرورية للتوصل إلى استنتاج أننا نعيش فى ظل إنقلاب عسكرى منذ (10 فبراير 2011) وأن كل التصرفات من يومها وحتى الآن يقوم بها عسكر الإنقلاب والتى بدأت بمحاولة تفكيك وقتل ثورة يناير، وربما ليس غريباً أن محاولة التفكيك الهمجية التى تضمنت المجازر المُتعددة وهتك الأعراض وتجنيد وتلويث الناشطين على مِنوال حركة "تمرُد" وكان كل ذلك يجرى فى ظل وقاحة وكذب رخيص من العسكر ومُثقفى الأجهزة عن أن الجيش حمى الثورة وأن الجيش خط أحمر و وطنى وإلى آخر هذه السلسلة من التابوهات الفارغة التى لا تعنى شيئاً سوى الضحالة العقلية والأغراض الغرائزية، بعدها سلّموا الحُكم للإخوان تحت أسنة الرماح وترصّد المُخابرات بهدف تفتيت العزم والغضب الاجتماعى الخامة الأولية للثورة، ومع نية إفشالهم وحشد الكراهية ضدهم بعد ابتعاد خطر الثورة ومطالبها المُزعجة بالعدالة الاجتماعية والدولة المدنية الديموقراطية، وأقوال العسكر التى تدعم النية الإنقلابية مُتعددة ومنها تصريحات الفريق أول السيسى فى (29 يناير 2013): "الاضطراب السياسى يدفع الدولة إلى حافة الإنهيار وأن الجيش العمود القوى الذى ترتكز عليه الدولة" ثم تصريحات الفريق صدقى صبحى فى الإمارات فى (17 فبراير 2013) عن "إمكانية تدخُل القوات المسلحة إذا تعقدت الأمور"، ثم الإنذارات التصعيدية للسيسى فى الأسبوع الأخير من يونيو وقبل نزول الناس فى 30 منه هذا النزول الذى كان فى نفس الوقت استعراضاً هائلاً غير مسبوق لغسيل الأدمغة ولدعم الفاشية العسكرية موصلاً إلى التفويض الشخصانى للسيسى بالقتل خارج القانون فى 26 يوليو، مُستغلاً الإحباط والغضب الشعبى الحقيقى من فشل الإخوان، وفى (20 سبتمبر) الماضى قال رئيس الأركان السابق الفريق سامى عنان فى مرسى مطروح فاضحاً الرواية كُلها: "وقفنا مع الرئيس المعزول فى الإنتخابات الرئاسية ولكنه لم يكُن على قدر المسئولية"، ومع تسليمى بفشل الإخوان على نحو كاريكاتيرى محتوم وخاصة أنهم كانوا رديفاً شعبياً مُخترقاً ومُبالغاً فى قوته عن قصد تبعاً لنوع الإستخدام من إنقلاب يوليو وجمهوريته العسكرية طوال 61 سنة حتى أنه يمكن القول أن تاريخ علاقتهما هى سلسلة طويلة من استخدام العسكر لهم ثم تحجيمهم، فعل عبد الناصر الإخوانى ذلك عندما استخدمهم فى إنجاح إنقلاب 1952 ثم قام بتحجيمهم فى 1954، ثم استخدمهم فى إجهاض مشروع الدولة الديموقراطية فى جزائر ما بعد الاستقلال ودعم إنقلاب وسلطة العسكر عبر برنامج التعريب الأصولى، وكذلك استخدمهم فى أسلمة غزة والتصعيد ضد إسرائيل وضد مشاريع السلام ثم قام بتحجيمهم فى 1965، وإتبع مبارك نفس الأسلوب فى 2005 عندما قدم لهم 20 % من مقاعد البرلمان لإستخدامهم كفزاعة ضد موجة الليبرالية التى اجتاحت العالم بعد نهاية الحرب الباردة، ثم أقصاهم وسجنهم وصادر أموالهم فى إنتخابات 2010 ومن أجل ذلك وطوال تاريخ الجمهورية العسكرية أخلوا الحياة السياسية من كل القوى لحسابهم، إنها جدلية القلعة والمعبد التى سيطرت على تاريخ مصر كله تقريباً باستثناء فترات أنوار بحر متوسطية قليلة، وسبق لى مُعالجة ذلك فى دراسات مُتعددة، كما أن الإخوان تفننوا فى إثارة غضب وقلق أغلب المصريين وخاصة بسبب قبح ورثاثة شيوخهم وتدنى وبدائية عقل قياداتهم الريفية حتى أن الرئيس السابق مرسى لم يكن يصلح - فى إعتقادى - إلا كإمام لمسجد ريفى، وربما كان كل ذلك سببه الإرتكان لميكانزمات الإستخدام.
ولكن الخطأ التراجيدى الذى وقع فيه العسكر فى الإستخدام هذه المرة كانت فى البُعد الدولى المُهتم بالتغيير السياسى والاقتصادى فى مصر لأسباب عميقة ومزمنة فى مُقدمتها أن مصر المفرخة الأولى للإرهاب الفكرى والبدنى فى العالم ومصدر رئيس للجياع وللهجرة الاقتصادية، وفى هذه الساحة سحب الإخوان البساط من تحت أقدام العسكر فى قضيتين جوهريتين أولهما ضمان معاهدة السلام مع إسرائيل والتى كانت نفوذاً ورصيداً صِرفاً للعسكر والثانية لم تكن تقل إحتكاراً للعسكر ومُخابراتهم عن الأولى وهى التعاون مع كل الأطراف المعنية بمكافحة الإرهاب عالمياً وقدم فيها الإخوان ما لم يتيسر للعسكر تقديمه من قبل وخاصةً فى مجال المعلومات الهام، كما أنهم توصلوا إلى إكتشاف سياسى ثمين وهو أن القوى والمنظمات والمؤسسات والشخصيات الدولية لم تعُد تطيق رؤية الوجوه القبيحة لجنرالات العالم الثالث، بالإضافة طبعاً لأسباب متعددة أخرى.
وباقى الرواية معروف ومنها صناعة فجّة مُقززة لطاغية عسكرى شعبوى وفاشى بإمتياز تحت غطاء "السيد المُخلّص" من تمثيلية حكم الإخوان.
ما سبق مجرد نظرية فكرية تصمُد بمدى قوتها التفسيرية.
غير أن أحد أبرز الأعراض المؤسفة للإنقلاب وتلوناته تتجسد فى من قاموا بدعم تسليم الحكم للإخوان فى ما سُمىَّ "التحالف الديموقراطى" ثم "جماعة فندق فيرمونت"، ثم دعموا بعدها الإنقلاب على مرسى بينما يسمون أنفسهم بعد كل ذلك بالقوى المدنية، ثم صمتهم الآثم عن باقى سلسلة التصرفات الإنقلابية الإجرامية وإمتداد المجازر التى استهدفت الثورة فى مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو وبورسعيد وغيرها ضد كل فصائل الثورة ناهيك عن هتك أعراض فتياتها فيما سُمىَّ كشف العذرية إلى مجازر الحرس ورابعة والنهضة وأبو زعبل وذكرى حرب أكتوبر وغيرها وبنفس المُجرم وضد معتصمين ومتظاهرين ثبت سلميتهم لكل الأطراف الدولية ولكل باحث يُحاول أن يلتزم الموضوعية المدنية والفكرية، ولذا لا يُمكن تصور أن البلتاجى أو بديع وغيرهم من قيادات الإخوان يُمكن أن يضعوا أولادهم فى ظل إحتمال واحد لتبادل إطلاق النار مع جهاز أمن اشتهر بالوحشية والهمجية إلا إذا كان من حق أحد حرمان إنسان من إنسانيته، كما أن التفاوت الهائل ونسبته 1 : 30 تقريباً بين العدد الرسمى لضحايا الأمن وأقل تقدير لعدد ضحايا الإخوان من منظمات حقوق الإنسان وصحف أجنبية متعددة حتى أن جُثث الضحايا فاضت عن المُبردات وصالات وممرات المشارح وغطت الشوارع حولها فى أربعة أماكن وهى أدلة دامغة على أنها مجازر همجية ويُثبت الصفة الغالبة للسلمية ويُثبت أن الإخوان لم يتخذوا قراراً بالعنف لأن عدداً محدوداً جداً على أصابع اليد الواحدة من قاذفات آر. بى. جى كانت كافية لإفشال أى هجوم أو التسبب فى خسائر للمهاجمين يصعب إحتمالها وهذه القاذفات تُصنع أجزاء كثيرة منها وقذائفها فى غزة وهى سلاح شبه وطنى كالكلاشنكوف لدى الفلسطينين يتدرب عليه الأطفال أحياناً، وفى إعتقادى أنهم لم يتخذوا هذا القرار بسبب رصيدهم فى البُعد الدولى الذى سبق الإشارة إليه، وذكرى المُهاجمة الإجرامية للسجون مُتعددة الأطراف بما فيها أطراف أمنية أقرب للذاكرة من النسيان، كما أن الإرتباط بالفلسطينيين يوفر خبرة عُنفية هائلة، كما أنهم فى رابعة كانوا وسط مدينة عسكرية أى خاضعين لكل أنواع المُراقبة والتصوير، وربما بعضٌ من هذا هو ما أغرى البعض بفرصة لـ "النجومية" وصناعة "مُخلَّص" مُزيف.
ويمتد الصمت الإجرامى لمُدعى المدنية الحكوميين إلى ظاهرة عبادة السيسى وهو مسؤول رئيسى فى عُصبة الإنقلاب وجرائمها الفاشية ضد الثورة عندما كان مديراً للمخابرات الحربية ثم المسؤول الأول عن الجرائم الحالية.
وثالث الجرائم التى تؤكد وحدها كل ما فات هى المشاركة فى الهجوم المُخابراتى متعدد الأطراف على صاحب الموقف الموضوعى المدنى الشجاع فى ساحة الحرب والعمى الأخلاقى والسياسى والفكرى هذه وهو د. البرادعى وهو الوحيد الذى قدم مقترحات جديرة بالنظر وتلقى القبول دولياً ويمكن أن تخضع للحوار، وهو النموذج الفريد لإمكانية ولادة الطريق والخيار الثالث والذى يُشكّل الخلاص الوحيد من الاستقطاب المشوه الذى تسببت فيه ميول العسكر الإنقلابية وألاعيبهم الثعبانية، وإن كنت لا أفهم سبب شلل حزب الدستور وتقاعسه عن دعمه، ومن أجل الإنصاف لابد من ذكر أن بعض الأصوات القليلة جداً حاولت تقديم وجهات نظر موضوعية خلال المجازر ولكنها كانت من منابر السلطة فابتلعتها الغوغائية.
إن السقوط الأخلاقى والقانونى والمعرفى يُشكك جداً بل وينفى الإيمان بالدولة الديموقراطية المدنية لدى القوى التى زعمت طويلاً ليبراليتها وتبنيها للعقل العلمى، بينما هى فى الحساب الأخير تعمل لصالح الجمهورية العسكرية، وهذا فرز وكشف آخر ما كان يمكن التوصل إليه دون هذه الثورة.
هُنا نصل للسؤال الحرج وهو إلى أين تمضى مصر بعد كل هذه الأحداث وبعد ما يقرُب من ثلاثة سنوات على ثورتها ؟ ، وأقصر الطرق للإجابة هى استعراض الإحتمالات فى ضوء ما أعتقد أنه الحل الصحيح وربما يراه البعض مثالياً وربما مستحيلاً فليكن، وربما يكون هذا بحد ذاته دليلاً على مدى الإستعصاء والكارثية فى الحالة المصرية، ولكن أمام مشكلة تاريخية بمعنى الكلمة وبهذا التعقيد وداخلها إحتمالات تفجر هائلة وإحتمالات تفكك وطنى مُحدق، وأهم من كل ذلك كم من التعاسة واليأس والحرمان والجهل والألم والقُبح وفُقدان العدالة والمساواة والنظام يتخلل حياة المصريين ويُدين كل من كان واجبه أن يُفكر، أمام كل ذلك لابد للحلول أن تكون نضالية وبحجم الأزمة ومن خلال الخبرات الإنسانية المُشابهة وفى مُقدمتها تجربة دول أوروبا الشرقية بعد تفكك الإتحاد السوفيتى وقبلها دول أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، ويُذكرنى هذا بأحد شعارات ثورة الطلبة فى فرنسا فى العام 1968: "كونوا واقعيّين .. وأطلبوا المستحيل"، والحل بالضرورة لابد أن يتضمن تحرير الملكية "الخاصة" وضخ الموارد الاقتصادية الوطنية داخل الأوعية الاجتماعية كشرط جوهرى لتحرير العمل الاجتماعى وتهيئة مجال حقيقى للإستثمار والسياحة فى ظل المبادرة والإبداع الفرديّين وهى الشروط الأصلية لهذه الأنشطة ودعم اللامركزية بالتالى، لأن الديموقراطية لم تعُد حكم الشعب لنفسه وإنما أن يُدير الشعب نفسه، وقد استعرضت هذا البرنامج فى بيان بعنوان "رؤية للخلاص الوطنى فى مصر" موجود على مواقع متعددة على الشبكة الإلكترونية فى مقدمتها "الحوار المُتمدن"، وأُلخصها بإبتسار فى أولاً: خروج العسكر نهائياً من الأنشطة السياسية والاقتصادية وأن يعودوا إلى عملهم الأصلى كموظفين عسكريين فى جيش صغير محترف وحديث مثلما كل الدول المحترمة.
ثانياً: ينحصر دور الدولة فى الدبلوماسية وتطبيق القانون والدفاع وإدارة فائض الموارد.
ثالثا: أن تُدار باقى الأنشطة بواسطة الوكلاء السياسيين والاجتماعيين المُنتخبين.
رابعاً: ضخ كل أنواع الملكية والاقتصاد فى الأوعية الاجتماعية باستثناء الكيانات الصناعية الكبرى تُباع للشركات العالمية للحصول على الخبرة وضمان الإرتباط بالسوق الرأسمالى العالمى وإضافة تراكم رأسمالى آخر.
خامساً: أن تبتعد الدولة ودستورها تماماً عن أى صفات أو مُعتقدات سوى صفة المصرية وأن يكون الدستور تعاقداً مباشراً مع المواطن الفرد المدنى الحُر ودون أى صفات سابقة على ولادته سواء كانت جنسية أو عرقية أو دينية أو طبقية أو مذهبية.
ولكن من الواضح أن العسكر يسيرون على الطريق المعاكس تماماً لهذه الرؤية وتشديد قبضتهم على ما يقرُب من 40 % من اقتصاد الدولة وسيطرتهم على كل أراضى مصر خارج كردون المدن مع استثناء الملكيات الزراعية القديمة، وكل المناجم والمحاجر وأغلب ممتلكات وعقارات الملكية والعائلة المالكة والرأسمالية المصرية والجاليات المُتمصرة التى أُجبرت على الهجرة لنهب ممتلكاتهم، والأخطر من كل ذلك أنهم هيكلوا القوانين والاقتصاد والسياسة والدعاية والعلاقات الخارجية ووظائف الأمن من أجل حماية إقطاعهم وإمتيازاتهم والتمسُك بالسُخرة المجانية تحت عنوان الخدمة الوطنية، ومن بين دفاعاتهم هذه تقنين وضعهم دستورياً كسلطة فوق الدولة ومجتمعاً فوق المجتمع وهو ما يُغذى مناخ الحرب والفوضى الذى يعيش فيه المصريون منذ ستة عقود تقريباً، وقانونهم الجديد للتظاهر واضح الهدف وهو تكميم الأفواه ومحاولتهم السيطرة على المدنيين بواسطة قضائهم الفئوى الشاذ ودعمهم غير المحدود لأجهزة القمع.
وإذا أضفنا عنادهم وضيق أُفقهم وغطرستهم سيصبح فشلهم محتوماً وقصير الأمد وبالتالى فالأزمات مُرشحة للتفاقم وتزايد فائض الغضب الاجتماعى وتأجيج مناخ الحرب، في حين أن من يتقدم شارع المعارضة السياسية الآن هم الإخوان وهم الأكثر نظاماً وتضحية ومبادرة إلى التصدى وهم التنظيم الوحيد الذى يتحرك أُفقياً وله قيادة سياسية رأسية وحصلت على خبرة ذات قيمة فى الحرب الدائرة بتنويعات كثيرة على أرض مصر منذ 6 عقود، وإذا حدثت إنفجارات إجتماعية متوقعة بقوة معناه أن الثورة القادمة فى هذا السياق ذات قيادة إسلامية ومدعومة دولياً على نحو غير مسبوق والباقى معروف.
كما أن ثمة إعتبار مهم وهو اختزال الدولة فى الجيش والأمن وجهاز الدعاية، ويحلو للعسكر ترديد أن الجيش عامود الدولة وفضلاً عن خطورة هذا الوضع فى حال صحته إلا أنه فوق ذلك غير صحيح لأن هذا الجيش تحطم نهائياً ثلاثة مرات فى 1948 و 1956 و 1967 وهُزم وشُل تماماً فى 1973 وفى كل المرات كانت التضحيات المدنية هى التى تبنيه وكانت السياسة هى التى تُصلّح أخطاء وهزائم العسكريين.
من طرائف الإنقلاب أنهم سمحوا للمنظمات الاسلامية بحصار المحكمة الدستورية وشلّها وتعطيل أعمال مجلس الدولة والمحكمة الإدارية ولم يسمحوا لهم بالمساس بجهاز الدعاية المُخابراتى أو مدينته الإعلامية، وطرفة أخرى دستورية وهى أن ينتخب المصريون رئيس الجمهورية ولا ينتخبوا المحافظين لأنهم بالطبع مندوبى العسكر على الموارد والأراضى والأمن وتزوير الانتخابات.
كل الدول التى وصلت إلى هذه الوضعية قُسّمت فور توجيه ضربة أو ضغط قوى على هذا الجيش والقائمة طويلة من الباكستان وأندونيسيا (قبل الديموقراطية) والإتحاد السوفيتى ويوجوسلافيا والسودان والعراق ومن المؤسف أنه يمكن ضم مصر بحالتها الراهنة إلى هذا الإحتمال خاصة بعد تصريح رئيس أركان حلف الأطلنطى بجواز التدخل فى مصر، ولا يُمكن أخذ هذا التصريح بطريقة الطبطبة الشعبية، وفي نفس الوقت هناك درس توحد الدول التى اعتمدت على فوائض "الإيروس" أو المتعة والرفاهية والعمل مثل الإتحاد الاوروبى وألمانيا.
هناك إحتمال ما زال ضعيفاً لتغيّير هذه الإحتمالات وهو أن تنشط القوى المدنية الحقيقية المُعتمدة على الشباب غير الملوث بعلاقات السلطة تحت قيادة د. البرادعى وبزخم ثورة يناير ومع استيعاب دروس المراحل الإنقلابية كلها، ساعتها لن يجرؤ أحد على الوقوف فى طريقها لأنها ستكون أقرب إلى المعجزة، ولكن هذا فى ضوء خبرة الماضي صعب المنال، وهنا أتمنى لعقلى الخطأ.