الحروب بين الخلل الجينيّ والخبل الدينيّ

ليندا كبرييل
2013 / 10 / 17

ما من قارئ لا يستهجن العنف المفزِع في حروب التاريخ وهي تُعمِل أطماعها وحقدها دماراً وحرقاً وتشريداً .
منْ انصهرتْ روحه بالمقدس شغفاً ، سيذهل إذ يرى إلهه يخلع قناع الرحمة والرأفة ، وينحدر إلى هاوية القتل لمنْ لم ينتخبهم أحباباً له ، تجتاحه الرغبات العدمية لارتكاب الأهوال في حق أبنائه وعبيده وخلصائه .. خليقته وصنع يديه !
سيرتعد المؤمن حتماً لمشهد إلهه هذا ، وسيصدر عنه موقفان ، ثالثهما هو الأصدق .
فإما أن يلهبه انصهاره بإلهه ، فيمضي دافعاً الاتهام عن مخلّصه وشفيعه بصدق شديد وإخلاص نقي ، أو سيتظاهر بحرارة الشغف تجاه إلهه وهو يلحق شكوكه بأسراره الدفينة في أعماقه .
أما الموقف الثالث ، فلن يصدر إلا عن شخصية نذرتْ نفسها أن تقف بشجاعة وثبات في وجه الحقيقة .
في لحظة حاسمة يعلو فيها المرء فوق الاستلاب والمراوغة ، تدفعه موجة الشك والقلق إلى السطح ، فتمرق إضاءة وعيٍ في عقله المغمور بالمخاوف . إنها لحظة انتصار التمرّد على الشلل الذهني ، ستجعله يجلس وإلهه على طاولة مستديرة لا غالب فيها ولا مغلوب ، يجريان كشفاً للصادر والوارد .
إنه يوم الحساب الأرضي لا السماوي .
إحدى صفحات كشف الحساب هذا ، كانت وقفة حق من أستاذ فاضل نشر مقالاً أبان فيه رأيه حول التاريخ الأسود للأديان السماوية الثلاثة ، الحافل بصراعات وحروب وإبادة شعوب تحت يافطة الربّ أو المسيح أو الله .
إلى حضراتكم رابط مقال الأستاذ حسن محسن رمضان المحترم .
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=379187
استوقفتني مراراً الاتهامات الموجّهة للأستاذ من قِبل المخالفين فكرياً . إلا أن موقفه في هذا المقال يؤكد رفضه للمفاضلة بين دين ودين ، أو اعتبار هذا الإله أكثر شفقة ورحمة من الآخر . ولم يعدْ يفاجئنا أن يخرج كاتبٌ ينقض نظرية دينية فتُشحذ الأقلام هجوماً وطعناً .
ذلك أن التوظيف الإيديولوجي أوهمَ الأتباع أنهم مستهدفون من أعداء الدين ومن ضعاف النفوس أو شارحي النصوص على غير حقيقتها . هذه السياسة عالية النبرة ، تجرّم وتخوّن منْ يعترض عليها ، مُطلِقةً من بنيانها القهري الديني اتهامات التكفير أو التشويه لمنْ يقترب مما أصبح في اعتبار بديهيات لا يجوز المساس بها .
الاختلاف الفكري بكل الأحوال رافق الإنسان منذ أن وعى الحياة . وأعتقد أن منشأ الحضارات كان من هذا الصراع بين عقلٍ مرِن يستشرف المستقبل ، وعقلٍ محكوم بالمسبقات الأيديولوجية ، مقاومٍ لاستحضار رؤية جديدة خلّاقة .
إن منْ يجد مبرراً مهما كان واهياً للمذابح التي حصلتْ - ولا تزال مستمرة بشكل أقوى في سوريا والعراق خاصة - ، وإنّ منْ يدافع عن اعتداء على النفس تحت أية ذريعة كانت ، هو أهطل مراوغ متدنّ أخلاقياً لا يَعي أن حياة الإنسان مقدسة تعلو كل شريعة دينية ولو تمسّحتْ باسم الله !
وأراه تقاعساً من أي قلم أو صوت قادر لا يساهم في كشف القناع عن الوجه الحقيقي للدين – أي دين - ، وعن كل نصّ عنيف المنزع يشكّل عامل اضطهاد للإنسان أو وصاية على الآخر . وما دام مثل هذا التأسيس الديني يؤدي إلى انتهاكات بحق المختلف ، فإنه لا بدّ من رفع الحصانة عن كل المزاعم المقدسة ، وعرْضها على مائدة النقد والتحليل ، لمعرفة الأسباب التي أدّت إلى هذه الفواجع الإنسانية .
تتوالى ليالينا العربية حزينة باكية .. نار ودم ودمار . تتداخل فيها غلبة الفكر القبلي مع ظلال الماضي الديني وتختلط بولادات سياسية حديثة :
في بغداد المجروحة ، الخرطوم المخنوقة ، الشام المحروقة ، القاهرة المقهورة ، تونس المحصورة ، طرابلس المعصورة ، والبثور المتورّمة على وجه الخليج من قيح التطرف ، ودرّة الشرق لبنان الذبيح من الوريد إلى الوريد . ادّعى الكاذبون أنهم رئة لبنان ، وما لبنان إلا رئة نفسه ، بل رئة العالم العربي كله ، تعارك عليه ( أولاد ابن آوى ) في ليل بهيم ، ولما اختلفوا على جسد الضحية ضربوا المسيحي بالمسلم وتفجّرت الصراعات المذهبية وتشظّت في البلاد العربية ، وهي في حقيقتها صراع التعدديات العشائرية السياسية بين أوغاد يتطاحنون على قسمة المصالح بالمنطق القبلي .
في العصور القديمة قبل تقنين كلمة الله ، كان العنف يقع بصفته الحقيقية ، حيث جذوره كامنة في المجتمعات القبلية القائمة على قانون الدم . أما بعد ميلاد الأديان ، سيّر الإبراهيميّون الصراعات بالمنطق البدوي ، مستندين إلى المقدس رخصةً لهذه المظالم الإنسانية .
بقاء الأديان وانتشارها مرهون بالعداء للآخر ، وأي دين لن يُكتَب له الانتشار إذا اعترف بالشرائع الأخرى . وقد عرفنا كيف بطشتْ يد الظلم تحت دعوى نشر الدين ( الحق ) في العصور المسيحية والإسلامية على السواء بالقلب وباللسان وبيد من حديد ، وما موضوع التسامح ( هذا ! ) إلا طُرفة استُخدِمت من قِبل الأديان .. كلها .
وهناك أديان بحثتْ عن موضع قدم لها في نادي الأديان ، فارْتأتْ أن تلجأ إلى تكتيك جديد مخالف لما عُرف ، بأن تعترف بصلاحية ما على الأرض من شرائع ومناهج ، سماوية كانت أم أرضية .
الدعوة بريئة ، توحي بالسلام والتآخي وتآلف البشر ، وهي هكذا حقاً ( حتى إشعار آخر ) . كلِّفْ نفسك بعض الجهد ، وغُصْ قليلاً في شعاراتها ، ستجد أنها تريد أن تهضم في بوتقة واحدة عابدَ الله بعابد البشر بعابد الشجر والحجر والحيوان ، بكل تعقيداتهم النفسية والتاريخية واشتباكاتهم الإيمانية وتضارباتهم العقائدية وتصادماتهم المرعبة !!
إننا في هذه الحالة لسنا في مضمار سباق الأديان الأشبه بمضمار سباق السيارات حيث تفوز سيارة واحدة فقط ، وإنما نحن هنا في مضمار ألعاب السيارات الكهربائية ، حيث تصطدم السيارات بعضها ببعض ، لا فائز فيها ولا مهزوم . الكل مضروب مضروب كيفما اتجه ، وسيخرج من المضمار مهتز التوازن ، محوول العينين !
ولا نستطيع بالاستقراء الافتراضي لتاريخها القصير أن نتوقع ماذا يمكن أن يكون لو طالت الأظافر ؟ حتى لو ادّعى مثل هذا الدين التسامح الشديد مع المختلف وأوسع صدره لكل التناقضات المريعة .
فقد بدأت المسيحية مسالمة ، ثم انتهت على أيدي الملوك والبابوات مسلّحة . كذلك الإسلام ، بدأ مكّياً مسالماً كالمسيحية ثم انقلب على نفسه وأصبح توأم اليهودية في الدعوة إلى قتال المعارضين . وكما ألغى الخليفة عثمان نسخ القرآن المخالفة لما بين يديه فعل الأمر نفسه من قبله الامبراطور قسطنطين في بداية القرن الرابع عندما أمر بإتلاف الكتب المعارضة للعقيدة التي تبناها . وكما حطّم النبي محمد وصحابته المعابد وأصنام الآلهة التي كانت تتعبد بها الأقوامُ قبلهم ، كذلك فعلت المسيحية عندما حطّمت المعابد الرومانية أو حوّلتها إلى كنائس ، فاندثر بعض من تاريخ فن الأمم السابقة . وتحت دعوى الاختلاف قُتِلتْ وحُرقت هيباتيا عالمة الرياضيات الوثنية بتحريض من بطرك الاسكندرية وأُبيد بنو قريظة وعُذّب الفقهاء المسلمون وجرت أنهار الدم بين الأمويين والعباسيين ، وما زالت تجري وتشقّ مجرى واسعاً في أرضنا العربية .
على طول التاريخ ودون أي استثناء ، كان القمع والتهميش ينبع من رغبة همجية ، تتملّك النفوس المريضة التواقة للتسلّط على مصائر الناس ، وجدتْ في الادعاءات الدينية سنداً وتبريراً لتمارس اضطهادها واستلابها للأضعف لتحقيق أحلامها التوسعية .
ولو أن أكاديمياً أراد أن يبحث في مظالم التاريخ العالمي لدخل المكتبة صاغ العينين سليماً وخرج منها زائغ البصر سقيماً !
ورغم أن الفصل بين الدين والسياسة حاسم في الغرب ، إلا أننا نلحظ حتى اليوم دوراً لبعض رجال الدين لا يستهان به في تأجيج عوامل الصدام .
إذ ليس خافياً دور البابا يوحنا في إسقاط الشيوعية وإن كان دوراً غير منظور . وليس مجهولاً دور بعض الفرق المتشددة في الدين البوذي المستمرة في العمل السرّي على تهديد الأمن وإن ضعفت شوكتها كمنظمة ( أوم شينري كيو ) اليابانية الإرهابية . ولا يفوتنا أن نسمع صيحات بعض القساوسة المطالبين بحرق القرآن ، أو الممانعين بشدة للإجهاض دفاعاً عن شرع الله كما يقولون .. تماماً كما يفعل ( العلماء ) المسلمون عندما يُقنعون الشعب بمخاطر تنظيم الأسرة .
وانظرْ أيها العاقل ، الأخطار التي يتعرض لها الأمن القومي في استيراد غذائنا عندما تضعف موارد الدولة عن الإحاطة بمشاكل الزيادة البشرية ، وتصبح ذقننا بيد الدولة الأجنبية مانحة الغذاء وفارضة الشروط المجحفة ، وتأمّلْ ما يستتبعه ذلك من مشكلات خطيرة كانخفاض مستوى التربية والتعليم عندما تعجز مدارسنا عن استيعاب أعداد الطلاب الهائلة ، واضربْ كفّاً بكف حسرة على انهيار أخلاق الناس ، ولا تنسَ أخيراً أن تضرب كفاً بجبهتك وأنت ترى تدهور الكفاءة الإنتاجية في معاملنا .
نحن ندين بالكثير للثورة الفرنسية التي أنهتْ تماماً عهوداً من البطش والاستبداد الكنسيّ وأسّستْ للعلمانية .
ولن نختلف بل لا يجرؤ أحد على الاعتراض أنه خلال أربعة قرون قدّم ( عقل ) العالم المتمدن من الإنجازات الإنسانية المبهرة ما لا يقارَن مع ما قدّمه ( إله ) قرون الطغيان الديني السابقة مجتمعةً .
انطلق الغرب يؤسس شريعة إنسانية لا يدّعي الكمال فيها ، لكنها بالتأكيد أسمى ما وصل إليه العقل البشري وهي شريعة حقوق الإنسان . لا تنقاد إلى أية مرجعية دينية ، وفي رحابها تلتقي كل القيم الأخلاقية التي حوتْها أديان الأرض ، وما زال يعمل جاهداً للوصول إلى تحقيق الأمل في كونٍ يسوده السلام والوئام . إنها قوانين غير ثابتة مرتبطة بحركة المجتمعات ، لا تجافي منطق العصر ، قابلة للتطور مع كل مستجدات الحياة .
كل البشر في ظلّها على قدم المساواة ، تنبذ العنصرية والاضطهاد ، وتكفل حرية التفكير والعقيدة للجميع .
لكَ أن تتمرّغ عشقاً بإلهك ، وتبجيلاً لعلماء دينك وإعجاباً بإبداعهم أو بخرافاتهم ، ولك أن ترفعهم إلى مصاف الأنبياء والقديسين .. هذا حقك الشخصي ، ولكن للآخر أيضاً أن ينكر إلهك ويزدري شعوذة قدّيسيكَ فهذا حقه وتكفله القوانين
كما تكفل حريتك بالمقابل .

كانت السياسة في العصور الماضية تتلبّس الدين لتحقيق مصالحها . أما وقد تغيّر منطق العصر مع الثورة الصناعية فقد استبدلوا بالأخلاق الدينية القيم الإنسانية التي تُنتَهك اليوم على أيدي الطامعين في استلاب الأضعف ، فيستطيلون على الخارجين عن طاعتهم ترهيباً يحتضن شكلاً استعمارياً جديداً تحت اسم القيم .
تغيّرَ مفهوم الصدام في العالم الواقعي القائم على صراعات سياسية اقتصادية اجتماعية . فكر براجماتي لا يعرف المثالية الدينية ، يداري مصالحه أينما كان ولو على حساب خراب القيم والأمم .
لكن .. لا جدال أن مبادئ حقوق الإنسان تظل صائبة وقِبلة التوّاق إلى العدالة والسلام ، بل إن مناهضة هذا الاستعمار الحديث بكل الوسائل الممكنة ( أمر لا يكون إلا في ظل العلمانية ) التي تقصقص أجنحة وأظافر كل طامح لامتلاك الحقيقة لحسابه .
فأخلاق شريعة حقوق الإنسان هي التي دفعتْ بذوي الضمير الحي للتنديد بأعمال أميركا منفردة ، في مظاهراتهم ، برلماناتهم ، كتاباتهم ، وألجمتْ رغبتها في الانقياد لغيّها وتعنّتها غير المشروع .
إن ارتهان قيم العدل والمساواة لبلاد الغرب والقيام تحت اسمها بتدخلات سافرة ، يمثّل إخراجاً لهذه القيم العظيمة من حريتها وجعلها تحت وصاية استعمار جديد يسبب المآسي والويلات .
الصراع الفجّ للمصالح العالمية في بلادنا باسم نشر الديموقراطية مفضوح .
فبحكم الطموح الغربي الرأسمالي ( الطموح السياسي بالماضي ) لتحقيق الأهداف الاقتصادية العظمى في المناطق الاستراتيجية ( في بلاد الحضارات القديمة بالماضي ) ، ارتهنت القوى الكبرى القيم الإنسانية لنُظُمها ( القيم الدينية بالماضي ) ، وأعطتْ نفسها حق الدفاع والتبشير بها ، رغم علمها أن بلادنا غير مؤهّلة أصلاً لنشر هذه القيم نظراً لتركيبتها القبلية ( نظراً للفارق الحضاري الهائل في الماضي ) ، فشردتْ بعيداً وهي تُشهر الحروب وتخلق ظروف انتشار الفوضى والبلبلة في مجتمع العصبيات العشائرية والدينية ، بعملها على إعادة هيكلة الشرق الأوسط بالقوة ليتناسب مع مصالحها ( في الماضي لم تُخلق الفوضى ، ولم يضطروا لإعادة الهيكلة ، استلموا البلاد جاهزة مجهّزة ، فالكلمة كانت لقوة السيف والجند والرمح ، أو دفع الجزية الإجبارية حسب المذهب الشافعي والحنبلي كبديل عن القتل ) . والعجيب أن البلاد الغربية وهي تسعى لمصالحها تدوس على القيم الإنسانية ( الدينية بالماضي ) التي قدّمتْ الكثير من الضحايا في سبيلها حتى ظهرت للوجود ثم لترسّخها في الوجدان الغربي .
الغرب في سعيه المرفوض هذا ، يتعاون من جهة مع حراّس بوابة مصالحه من حكامنا ، ويوظّف من جهة أخرى التيارات الدينية الأشدّ رجعية كالوهابية لتهديد عدو آخر . وبهذه الطريقة موّلتْ أميركا من خير الخليج حمْلتها لإسقاط الحكم الشيوعي في أفغانستان ، وبعد انسحاب السوفييت ، استدار المجاهدون إخوة الأمس يُعمِلون يد القتل ببعضهم البعض .
هكذا هي الرأسمالية ، لا بدّ أن تتخلّص من أعدائها بكل الطرق المتاحة لها ، وعندما تصيبها الأزمات بين فترة وأخرى ، تجد المخرج بالحروب لتظلّ عجلة اقتصادها دائرة : ( الاقتصاد الجهنميّ ) – إنتاج السلاح - و ( الاقتصاد السلميّ ) – حاجات المعيشة الأساسية ، ولتدور معها حياة البشر على إيقاعها ، ففي يدهم مفاتيح الحياة .
والأطراف الثلاثة - المستغِلّ والحاكم ورجل الدين - ، حتى تأمن ثورات الشعوب ، كان لا بدّ لعملية التجهيل وغسل العقول أن تظل جارية على قدم وساق . ومن السذاجة التامة أن نتصوّر الغرب حامل القيم ، غافلاً عن شراسة التيار الديني المتطرف أو انعدام حقوق الإنسان في بلادنا .
ترافقتْ دوماً السياسة والقهر مع الدين والشعوذة على تغييب الشعب عن واقعه الجهنمي ، وإيهامه بحلم الفردوس المفقود حيث الخلود في حياة أخرى حافلة بالمسرات . الحاكم يستند إلى التفويض الإلهي لتبرير قمعه وفرض سلطانه ، مطلقاً بالمقابل يد رجل الدين في تشجيع الاتجاهات النسكية المتعالية على مباهج الدنيا . وتحت وطأة الاستغلال والاضطهاد وغياب مشروع وطني تلتمّ كل القوى حوله ، ينصرف الشعب إلى حظيرة الدين حيث يجد هناك لعذابه الدنيوي حلولاً جاهزة تحقّق له الاستقرار النفسي .
وهكذا يخلو الجو لكل الأطراف ليتبادلوا عشق التسلط والتحكّم برقاب البشر . ولولا عصر النهضة لظلّ الناس حتى اليوم يشترون صكوك الغفران !
رجل السياسة يحتاج إلى الكتاب المقدس لرفعه على السيف ، ورجل الدين يحتاج إلى السيف لوضعه بيد الإله ، وينطلق الاثنان في غزوات وحروب مباركة من الربّ ومن الغرب ! وما أسهل تهييج النعرات الدينية بين المذاهب وصداماتها ، للتخلص من الشرائح غير المرغوبة بها على أيدي بعضها البعض ، وستأخذ في طريقها المغيّبين ، الجهال ، العالة على البشر ، الذين لا يعرفون إلا التناسل !!
تأهيل البشر يحتاج إلى نفوس كبيرة ، وعمل عظيم ، وجهاد مخلص ، وضمير حي أمين .
منْ المتفرّغ لهذه الترهات ؟ تشجيع العابيثين وضربهم ببعضهم أرخص طريقة للتخلص منهم ومن مسؤوليتهم ، ليتفرّغ اللئام لمائدة الحياة التي وضعتْ عقولهم في كروشهم ، ونفخت أوداجهم الحمراء صحة وعافية .
للأديان أجنحة ملائكية تطير بها بعيداً عندما يتحكّم بالواقع المنطق العملي .

مع ثورة التنوير ، انصرف الغرب المسيحي عن تاريخ مليء بالبشاعات .
ورغم ذلك فإن النزعة العدوانية والكره التاريخي الذي نضمره له ، ما زال متمكناً من نفوسنا نحن العرب ، وهو ناتج عن ترسّبات الصدامات الماضية .
تُرى .. أما آن الأوان لنلتفت إلى أنفسنا ونسأل عن موضع الخلل في عقليتنا أيضاً وليس في الخلل الغربي فحسب ؟
أما حان الوقت لنعترف أن الصدامات المريرة هي جزء ( من أخطاء متبادلة ) حصلتْ في التاريخ القديم ؟
لماذا نرى القذى في عين أخينا ولا نفطن للخشبة التي في عيننا ؟
ألم يبدأ القائمون على الخلافة الإسلامية صراعاً ضد اليهود والمسيحيين ، وفرضوا قيمهم وشروطهم المجحفة منذ وقت مبكّر من نشوء الدولة الإسلامية في المدينة ؟
وبحيادية وأمانة ، ألم تقع الخلافة الإسلامية في أخطاء كانت من أسباب الحروب الصليبية ؟ ومع التردّي الذي أصاب الخلافة في الأندلس نشط الإسبان أصحاب الأرض للدفاع عنها وطردوا المسلمين الذين غزوا بلاداً دون وجه حق .
وماذا عن حروب السلطنة العثمانية الغاشمة مع الامبراطوريات المحيطة فردّتْ عليها أوروبا باحتلال بلادنا عندما أفل عهد العثمانيين ؟
لماذا نذهب إلى إلقاء مسؤولية تخلفنا على الاستعمار ولا نقرّ بحقيقة أن العالم الإسلامي كان يعيش واقعاً مزرياً خلق الظروف لاستعداء الغريب ؟
لا بدّ من الاعتراف أن المشكلة الأساسية اليوم ومنذ القدم كامنة ( في عدم احترام الاختلافات بين الأديان ) ، وهذا يسيء إلى المسلمين عندما يقدّمون صورة غير صادقة عن إلهٍ يرسل كل بضع مئات من السنين نبياً مع رسالة تعديل لما قبلها .
ألا يولّد تشكك المسلمين بالشرائع السابقة النفور والحساسيات ؟
المشكلة الأخلاقية أننا نوجّه الاتهام إلى الله مباشرة ، أنه جعل أقواماً يؤمنون بشريعة خادعة مئات السنين ثم يرمي بهم في النار إذا لم يلتزموا بما أنزله فيما بعد ، فما ذنب السابقين الذين لم يمنحهم عمرُهم الفرصةَ للحاق بالشريعة الأحْدث ؟
مواقف المسيحيين اليوم هي ( ردّ فعل ) على فعل واعٍ من قبل المسلمين الذين عن سابق إصرار وترصّد ينزعون إلى الشقاق وإقصاء الآخر ، والعمل بهمة على نفي المسيحيين من الوطن .

الدين الإسلامي إسلامان : إسلام السيد محمد ، وإسلام السيد قطب .
ونحن نرزح اليوم تحت استعمار الفكر القطبي المودودي ، وتأويلات شيوخ التطرف التي تختزل الجهاد في العنف ضد الشيطان الغربي والكفار الخارجين على حاكمية الله .
لماذا تستوجب المجتمعات الغربية المحاسبة بالعنف ؟
لقد شدّ المسلمون الرحال إليها هرباً من القمع والطغيان العربي ، مع أن عاصمة الدين والسراط المستقيم على بُعد رمية حجر من بلادهم حيث بإمكانهم تحقيق أحلامهم المهدورة في الغرب ، فأي وجه أخلاقي في دفع الإسلام السياسي للمهاجرين لتجاوز قوانين دولة شيّدتْ بنيانها على النظام العلماني لفرض شريعة دينية تتناقض مع القوانين المدنية لبلد الهجرة ؟ مما تسبّب في تهييج اليمينيين ضد المهاجرين وخلق الكراهية والتعصب .
المجتمع العالمي يعاني من قيم العنف والتطرف ، والمسلمون تقلقهم قيم السلام والاعتدال ( إلا برؤيتهم ) ، لا شريعة حقوق الإنسان تقنعهم ، ولا شريعة الله تكفّهم ، ولا عين الضمير تردعهم .
العلمانية هي قلعة الحماية لنا كلنا .
هي منهج في الحياة وسلوك وثقافة ، قوّمتْ شخصية الإنسان وزرعتْ بداخله ( الأخلاق الكونية ) .
نعم الأخلاق الكونية !!
غير النابعة من نص مقدس أو شريعة مختارة . وما هجوم الإسلام المسيّس على العلمانية إلا لخشيتهم أن تسحب بساط القداسة التي يدّعونها حين يزعمون أنهم مالكو الحقيقة التي وكّلهم بها الله على البشر .
شيء مخيف هذا العقل المستلِب اللانزيه الذي يمتصّ القدرات الذهنية فيحيل الإنسان إلى ريشة في مهبّ الريح .
والعقل المستلَب . . مسترخٍ كسول ، يقبل كل ما يُملى عليه .. تعمّق اغترابه عن منطق العصر فأصبح عاجزاً خائفاً من مواجهة حقائق الوجود للأسف .
العرب كالعرجون في شجرة الحياة لا يصلحون إلا وقوداً للحروب .
ولكن ..
لا مكان لليأس والإحباط .. فالتاريخ في ارتقاء مستمر .
ولم يعد السيف مصدر القوة ، وكذلك الأعداد الهائلة من البشر ، ذهب ذلك الزمن .
الكلمة اليوم للعقل ، وسننساق للسير في طريق السلام ، وسننحني إجلالاً لمهرجان العلم والمعرفة الذي تقوده الإنسانية المتنوّرة .
أليس مَثَلنا العربي جديراً بالذكر في هذا الظرف :
" لا يفلّ الحديد إلا الحديد " ؟
دعِ السيف يضرب ، فإن الثَلْم لن يصيبه إلا إذا ضرب في الأقوى منه ، ليصبح قطعة تباع في سوق الخردة . فما فائدة سيفٍ غير قاطع ؟؟
العالم يتهاوى اليوم تحت الضربات المتخلّفة ، لكنّ العقل حاميه .
كانت رؤوس سيوفهم تصل إلى أعماق أوروبا والصين وجبالها .. إلا أنّ العقل المهنّد تصل رؤوس أفكاره اليوم إلى أعماق الفضاء وجباله .

حروب اليوم :
من برا هلّا هلّا ومن جوا يعلم الله !!