أي في مشروع سيفيتاس

معتصم حمادة
2005 / 5 / 29

إخضاع المشروع للاختبار العملي هو الوسيلة الأنجح لمحاكمته موضوعياً

بقلم معتصم حمادة

عدم إشارة المشروع إلى حق العودة كجوهر لحل قضية اللاجئين أثار حوله الشكوك وكان يفترض به أن يستكمل ما بدأه تقرير الفريق البـرلماني البـريطاني الذي اعترف بأن اللاجئين الفلسطينيين يجمعون على التمسك بحق العودة ويرفضون كل ما هو مغاير لهذا الحق.
ينبغي أن يشير المشروع بوضوح إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتالي، فإن أية هياكل مدنية قد تتشكل تكون معنية بتوصيل صوت اللاجئ إلى هذا الممثل الوطني دون غيره.
أية محاولة لتجزئة ملف اللاجئين، واستثناء فئة منهم من أي مشروع سيقابل بالضرورة بـردود فعل سلبية من اللاجئين أنفسهم، فاللاجئون في الضفة والقطاع جزء لا يتجزأ من اللاجئين الفلسطينيين ورأس الحربة في التصدي للمشاريع البديلة عن حق العودة .
على أصحاب المشروع أن يتعاونوا مع الهيئات واللجان الوطنية القائمة في أوساط اللاجئين والتفاعل مع ملاحظاتهم على المشروع بما يستجيب بوضوح لمصالح اللاجئين.
يوفر المشروع فرصة للاجئين الفلسطينيين وأطرهم المدافعة عن حقهم بالعودة فرصة مخاطبة الاتحاد الأوروبي عبـر قناة مباشرة ووضع أوروبا أمام مسؤوليتها التاريخية (من خلال بـريطانيا) عن ولادة قضية اللاجئين.
إخضاع المشروع للاختبار العملي هو الوسيلة الأنجع لمحاكمته بشكل موضوعي، فهو فرصة ينبغي الإفادة منها عبـر معالجة نواقصه من خلال العمل بداخله. فإما أن يستجيب لمواقف اللاجئين ومصالحهم، وإما أن يصطدم بالجدار.
يثير مشروع «كيفيتاس» جدلاً صاخباً في الحالة الفلسطينية، وقد اتخذت منه الأطراف الفلسطينية، من فصائل وقوى وشخصيات ولجان وفعاليات شعبية مواقف متباينة.
بعضهم رفضه بشكل مسبق، ورأى فيه مؤامرة على الشعب الفلسطيني، لا لشيء سوى لأنه قادم إلينا من جامعة أوكسفورد البـريطانية، وبتمويل أوروبي. وقد ربط هؤلاء بين منشأ المشروع ومصدر تمويله، وبين انحياز أوروبا لمشاريع إسقاط حق العودة، وعلى الأخص وثيقة «جنيف - البحر الميت»، التي دعت إلى حل لقضية اللاجئين يقوم على التوطين تحت سمى جديد هو «البحث عن مكان سكن دائم للاجئ». وقد لقيت هذه الوثيقة ترحيباً خمن أوروبا. وهي، كما تبين، رعت المباحثات التي أفضت إلى هذه الوثيقة ووفرت لها تمويلاً سخياً للترويج لها لدى الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء.
* وبعضهم الآخر سارع إلى تبني المشروع، والعمل على الترويج له دون أية تحفظات. وقد وُصف مثل هذا التسرع لتبني المشروع، على أنه تعبير عن رغبة جماعات وأفراد يقدمون أنفسهم ناشطين في مجال الدفاع عن حق العودة، لكسب «مشروعية> مميزة لدورهم في هذا الميدان. وليس خافياً أن بعض الجماعات الناشطة في مجال الدفاع عن حق العودة، تعتقد جازمة أن التفاعل مع النشاط الأوروبي الخاص بقضية حق العودة، هو الشرط اللازم لترسيخ الموقع المحلي لهذه اللجنة أو تلك، أو لهذا الناشط أو ذاك. كما ليس خافياً أن عدداً غير قليل من المهتمين بحق العودة ما زالت عينه على المؤتمرات التي تعقد في العواصم الأوروبية لبحث قضية اللاجئين الفلسطينيين، وما زال يرى أن مشاركته في هذه المؤتمرات أو في أي منها، هو الجسر نحو التمايز عن باقي اللجان والهيئات النظيرة في الحالة الفلسطينية.
مثل هذا الجدل الصاخب حول مشروع «كيفيتاس» لم يحل دون أن يخطو المشروع خطوات عملية إلى الأمام، فقد عقد له العديد من اللقاءات الخاصة (مع أصحاب المشروع وفي مقدمتهم الدكتورة كرمة النابلسي) والعامة مع فعاليات فلسطينية في الأردن ولبنان. كما عقدت له ورشة عمل في قبـرص ناقشت وثيقته السياسية، وآليات العمل للتقدم به نحو مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في أماكن انتشارهم كافة.
ما هو مشروع «كيفيتاس»؟
يستدل من الوثائق الخاصة بالمشروع، ومن التوضيحات التي قدمتها الدكتورة النابلسي في معرض ردها على الاستفسارات بشأنه أن «كيفيتاس» يتمحور حول عدد من الأفكار منها:
* ينطلق المشروع من نتائج جولة لتقصي الحقائق في الأقاليم الخمسة المضيفة للاجئين (قطاع غزة ـ الضفة الفلسطينية ـ الأردن ـ لبنان وسوريا) قامت بها نخبة من البـرلمانيين البـريطانيين في العام 1999. وقد ولدت فكرة جولة اللجنة بعد نقاش مطول بين فريق البـرلمانيين المذكور، وشخصيات فلسطينية من بينها الدكتورة النابلسي. حيث اقترح الجانب الفلسطيني على الجانب البـريطاني أن يتعرف مباشرة وميدانياً على حالة الشعب الفلسطيني ليصل إلى جواب على سؤاله: «ماذا يريد اللاجئون الفلسطينيون؟ العودة وإلى أين؟ التوطين وأين؟ التعويض وما هي قواعده وأسسه وآلياته الخ»... وبناء عليه تشكل فريق البـرلمانيين البـريطانيين وزار اللاجئين الفلسطينيين في أماكن انتشارهم الرئيسية، وخرج لتقرير ضخم عن هذه الجولة موثقاً بشهادات اللاجئين أنفسهم. وقد خلص التقرير (الذي صدر في كتاب) إلى أن اللاجئين الفلسطينيين يجمعون (دون استثناء) على التمسك بحقهم في العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948، كما أنهم يجمعون على رفض كل مشاريع التوطين أو إعادة التهجير إلى بلد ثالث. ويجب أن يسجل للتقرير الذي أصدره فريق البـرلمانيين البـريطانيين أنه كان صادقاً في محتواه، حريصاً على نقل صورة حقيقية عما رآه الوفد و«اكتشفه» وسمعه من أفواه اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم.
* يلاحظ المشروع، انطلاقاً من أهمية ما توصل إليه تقرير الفريق البـريطاني أن صوت اللاجئ الفلسطيني في مخيماته، لا يصل بالقوة الضرورية لا إلى «الممثل الوطني» للاجئ نفسه، ولا إلى الدوائر المعنية على الصعيد العربي. فاللاجئون الفلسطينيون، كما يرى المشروع، لا تتوفر لهم مرجعية سياسية وحدة بعدما أصيبت الحالة الفلسطينية بالشرخ الكبير والانقسام الخطير بفعل اتفاق أوسلو. كما أن مؤسساتهم الوطنية، من اتحادات وسواها، أصيبت هي الأخرى بالشلل، وبات هناك انقسام واضح بين الداخل والخارج، بفعل انتقال مركز الثقل القيادي الفلسطيني إلى الضفة الفلسطينية وقطاع غزة وقيام السلطة الفلسطينية. ويلاحظ المشروع أن ثمة إهمالاً للخارج من قبل الطرف الفلسطيني المفاوض، أسهم في تهميش قضية اللاجئين وإضعافها. وبالتالي لم يعد بإمكان اللاجئين أن يوصلوا رأيهم إلى الجهات المعنية. لذلك يقترح المشروع بناء ما يسمى «بالهياكل المدنية» لتجمعات اللاجئين في الخارج، تشكل الوسيلة والأداة والقناة الضرورية ليصل عبـرها صوت اللاجئ إلى «ممثله الوطني»، و«ليعبـر اللاجئ من خلالها عن احتياجاته». وبذلك يحاول المشروع أن يقدم نفسه بصفته طرفاً محايداً، يفتح الباب أمام شكل من أشكال التعبير الديمقراطي لصالح اللاجئين، كي يقولوا، بأسلوب آخر، ما قالوه للوفد البـرلماني البـريطاني، وليعيدوا تقديم أنفسهم للحالة السياسية، ويستعيدو موقعهم في المعادلة الفلسطينية بعد اختلت لغير صالحهم بعد اتفاق أوسلو.
 في مجال التوضيع، تضيف المشرفة على المشروع الدكتور كرمة النابلسي أن احتياجات اللاجئين كثيرة وكبيرة. وأنه، إلى أن يتوفر الظرف المناسب لحل قضية اللاجئين، يجب الكشف عن هذه الاحتياجات، والعمل على تلبيتها، صوناً لمجتمع اللاجئين، وصوناً لهويته. في هذا السياق تتحدث عن الاحتياجات المعيشية والأزمة المتفاقمة لوكالة الغوث، وعن الاحتياجات السياسية منها على سبيل المثال تنكر دول الاتحاد الأوروبي للأصول الفلسطينية لمن يحصل على جنسية أوروبية أو حق الإقامة في أوروبا من اللاجئين الفلسطينيين انطلاقاً من مقولة تسود أوروبا من أن اللاجئ الفلسطيني شخص، بنظر القانون، عديم الجنسية.
* أما كيف يمكن بناء الهياكل المدنية التي يدعو لها مشروع «كيفيتاس» فإن المشروع يدعو لعقد ورشات عمل ولقاءات عامة، يعبـر من خلالها اللاجئون عن حاجاتهم ورغباتهم، وبعدها تضوع آلية من خلالها يختارون ممثليهم المحليين على المستوى القطري وصولاً إلى صيغة جامعة.
اين الإيجابيات وأين النواقص في المشروع؟
إيجابيات المشروع
المشروع يحمل في طياته عدداً من الإيجابيات لا يمكن إنكارها أو التنكر لها من بينها:
* أنه يحاول أن يشكل تواصلاً مع عمل مميز قام به فريق البـرلمانيين البـريطانيين لتقصي الحقائق. وهو بذلك يريد أن يحول جولة الفريق البـريطاني إلى مشروع يقدم نفسه في خدمة اللاجئين الفلسطينيين تعبيراً عن اهتمام دولي بالقضية. فالمشروع، خلافاً لوثيقة «جنيف - البحر الميت» - على سبيل المثال - لم يخاطب نخبة سياسية منتقاة في الحالة الفلسطينية ذات اتجاه سياسي تقبل بالمساومة التنازلية، بل خاطب مجتمع اللاجئين نفسه، وفي المقدمة منها اللجان والهيئات والشخصيات العاملة في الدفاع عن حق العودة. الأمر الذي يعني أن المشروع لا يسير في الظلام بل يسير تحت الشمس، وتحت أعين الجميع، ويقدم نفسه بوثائق خطية، هي ملك للجميع، ويطرح هذه الوثائق للنقاش، ولا يغلق باب التعديلات والتطورات، وهذا ما حصل في ختام أعمال ورشة قبـرص حين أخذ المشروع بملاحظات الورشة، التي صبت لصالح قضية حق العودة، والحقوق الفلسطينية كافة.
* المشروع، في جانب منه، تعبير عن دور نشط تحاول بعض الكفاءات الفلسطينية المقيمة في أوروبا أن تقوم به، في الوسط الأوروبي نفسه لنقل صوت اللاجئين، بصيغته الجماعية، وبأساليب ديمقراطية إلى المجتمع الأوروبي بفعالياته الثقافية والسياسية والبـرلمانية والحقوقية وسواها.
في هذا السياق يحضرنا موقف الجامعات البـريطانية التي قررت مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، احتجاجاً على تواطؤ الأكاديميين الإسرائيليين مع حكومتهم ضد حقوق الإنسان الفلسطيني الوطنية والإنسانية وغيرها. وأن يتوفر للاجئين الفلسطينيين وسيلة لنقل صوتهم إلى أوروبا (وكذلك إلى العواصم الأخرى) أمر يخدم القضية الوطنية الفلسطينية. وأن يبادر أصحاب الكفاءات من الفلسطينيين المقيمين في أوروبا للتحرك في خدمة القضية الوطنية، مؤشر غاية في الأهمية على ولادة حالة فلسطينية جديدة في أوروبا، على طريق التحول إلى قوة ضغط سياسية (لوبي) يلعب دوراً في مكافحة الدعاية الصهيونية، وشرح حقائق الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ونقل صوت القضية الفلسطينية بالأسلوب المناسب، للحد من تأثير الدعاية الإسرائيلية، وللحد من نفوذ «النشطاء» الفلسطينيين المتساوقين مع الحلول التنازلية، ولأجل كسب أصدقاء جدد لصالح الحقوق الوطنية الفلسطينية [بـرلمانيون - أكاديميون - حقوقيون - صحفيون - فنانون. الخ...]
 ومن إيجابيات المشروع أيضاً أنه يدفع باتجاه تعزيز الروح الديمقراطية في صفوف الشعب الفلسطيني (نقول تعزيز الروح الديمقراطية ولا نقول زرعها فالروح الديمقراطية موجودة ويجري التعبير عنها بأساليب مختلفة).
فالدعوة إلى بناء هياكل مدنية، أياً كانت خلفية فكرتها، تحمل في مضامينها معنى ديمقراطياً يعزز الاتجاه لدى المجتمع الفلسطيني لبناء مؤسساته المدنية، السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، كتعبير عن الرغبة في التنظيم والانتظام، والعمل الجماعي، وإغناء الحوار.
 وأخيراً، ولقيس آخراً، يشكل المشروع تعبيراً عن اهتمام خاص بقضية اللاجئين الفلسطينيين. وهو ما يعيد التأكيد أن أية محاولة لتهميش اللاجئين الفلسطينيين أو قضيتهم سوف تصطدم بالطريق المسدود، وأنه لا مناص من الاعتراف أن هذه القضية تحتل موقعا جوهرياً ومميزاً في الملف الفلسطيني، وأن إبقاءها دون حل، وفق ما يرتضيه اللاجئون (العودة إلى الديار والممتلكات) سيبقي مسيرة التسوية معرضة للاهتزاز ولخطر السقوط.
نواقص المشروع
* من أهم نواقص المشروع أنه يحاول أن يتخذ صفة الطرف المحايد في تناول قضية اللاجئين، فلا يشير في السياق إلى حق العودة، باعتباره جوهر المشكلة وجوهر الحل. ونعتقد أن محاولة تقديم نفسه طرفاً محايداً، والقول أنه يترك للاجئين الفلسطينيين الفرصة للتعبير عن احتياجاتهم، أثار ريبة وشكوك صف واسع من اللاجئين والمدافعين عن حق العودة. بـرأينا كان يفترض بالمشروع أن يستكمل ما بدأه تقرير الفريق البـرلماني البـريطاني الذي اعترف بأن اللاجئين الفلسطينيين يجمعون على التمسك بحق العودة (غلى الديار والممتلكات) ويرفضون كل ما هو مغاير لهذا الحق أو بديل له. خاصة وأن حق العودة بات، في عرف القانون قراراً دولياً.
أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة التأكيد عليه أكثر من 140 مرة حين جددت في كل دوراتها المصادقة على القرار 194. كما أن اللجنة القانونية للأمم المتحدة هي الأخرى فسرته على أنه حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجر منها اللاجئون، وأكدت أنه حق ثابت، غير قابل للتصرف، فردين يخص كل فرد من اللاجئين، وجماعي يخص الشعب الفلسطيني المشرد. وبالتالي كان يفترض بالمشروع أن ينحاز علناً إلى ما انحاز إليه المجتمع الدولي (في القانون الدولي وفي الأمم المتحدة) باعتبار ذلك نقطة الانطلاق الضرورية لأي مشروع يرغب حقاً في التفاعل الحي والإيجابي مع اللاجئين الفلسطينيين. وهنا لا يبـرر للمشروع عدم إتيانه على ذكر حق العودة قول أصحابه أنهم تركوا للاجئين أنفسهم إعلان تمسكهم بهذا الحق. فالمشروع لا ينطلق من فراغ، بل يعالج قضية مضى على ولادتها أكثر من 56 سنة، وباتت معروفة تفاصيلها للقاصي والداني. لذلك، أياً كانت النوايا الحقيقية لعدم الإتيان على ذكر حق العودة، فإننا نرى ضرورة أن تعاد صياغة المشروع بحيث يصبح حق العودة النقطة المركزية التي يدور حولها المشروع كله، إلا فإن حظوظه في الحياة سوف تكون قليلة جداً، وسوف يتعرض لهجمات (هي على كل حال بدأت من أكثر من جهة) وسوف يفوت على نفسه، وعلى اللاجئين الفلسطينيين فرصة للتواصل فيما بينهم، ومع قياداتهم، ومع المجتمع الأوروبي وعواصم القرار.
 أيضاً نواقص المشروع أنه يكتفي بالإشارة إلى «الممثل الوطني» للاجئين الفلسطينيين دون تسمية هذا الممثل الوطني، علماً أن م. ت. ف، باعتراف الشعب الفلسطيني، والمؤسسات الدولية كافة، تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. ولا ندري أية حكمة دفعت أصحاب المشروع إلى تجاهل منظمة التحرير والاكتفاء بالعبارة المذكورة عن «الممثل الوطني»، خاصة وأن البعض، ممن تساورهم على الدوام هواجس المؤامرة، رأوا في هذا التعبير تمهيداً لفتح الباب أمام اللاجئين للبحث عن ممثل بديل، في سياق ما تتعرض له القضية الفلسطينية بشكل عام من هجمات وضغوطات وما يتهاطل عليها من مشاريع وسيناريوهات لنفس الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لذلك نرى ضرورة تجاوز هذا النقص، واعتماد عبارة تشير بوضوح إلى أن م. ت. ف، هي الممثل الوطني، الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وأن أية هياكل مدنية قد تتشكل، تصبح معنية بتوصيل صوت اللاجئ إلى هذا الممثل الوطني «أي إلى م. ت. ف، وليس لأي طرف آخر»، وأن مسألة البحث عن «ممثل وطني» للاجئين، بديل لمنظمة التحرير، ليست مطروحة على الإطلاق على جدول أعمال «كيفيتاس»، في مشروعه المذكور.
* كذلك من نواقص المشروع أنه يتحدث عن «هياكل مدنية» في الشتات ولا يتوجه إلى اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وكأنه ينطلق من رأي يقول أن المقيمين في الضفة والقطاع، من اللاجئين هم على صلة يومية بالقيادة الفلسطينية، خلافاً لما هو عليه وضع من هم في الشتات. ولو انحزنا إلى رأي «كيفيتاس» إلا أن هذا لا يشكل عذرا مقنعا لاستثناء اللاجئين في المناطق الفلسطينية المحتلة من المشاركة في المشروع. لأنه بالأساس مشروع يهم اللاجئين كلهم، وان أية محاولة لاستثناء تجمع ما من تجمعات اللاجئين سوف تكون عرضة لتفسيرات وتأويلات، قد يذهب بعضها بعيداً في إبداء مخاوفه، كأن يقال أن المشروع يعترف ضمناً بإسقاط اللاجئين في الضفة والقطاع من الملف، على فرضية أنهم يعيشون على أرض فلسطينية، وتحت سلطة فلسطينية، إذن العودة تحققت إلى «الدولة». إن أية محاولة لتجزئة ملف اللاجئين، واستثناء فئة منهم من أي مشروع سيقابل بالضرورة بـردود فعل سلبية من اللاجئين أنفسهم. فاللاجئون في الضفة والقطاع جزء لا يتجزأ من اللاجئين الفلسطينيين بل هم راس الحربة في تصدي اللاجئين للمشاريع البديلة لحق العودة خاصة أن معظم من يتبنى هذه المشاريع ويرعاها هم من المحسوبون على السلطة وعلى قيادة م. ت. ف، التي نقلت مؤسساتها إلى الضفة والقطاع، فهناك ميدان الضغط عليهم، والصدام معهم. إلى ذلك نضيف أن وظيفة «الهياكل» المقترحة لا تقتصر على نقل حدوث اللاجئ إلى «ممثله الوطني» بل إلى المجتمع الدولي (وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي) ليعبـر من خلاله اللاجئ عن احتياجاته. في هذا السياق يحتل اللاجئون في الضفة والقطاع مكاناً جوهرياً، لما يتعرضون له من عدوان إسرائيلي يطال البشر كما يطال المساكن والمدارس ومؤسسات الأونروا، ويهدد بكارثة وطنية جديدة. الأمر الذي يتطلب تسليط الضوء أكثر فأكثر على ما تتعرض له مخيمات الضفة والقطاع من مخاطر، في ظل حالة من اللامبالاة التي تسجل على سياسة أوروبا، والعواصم الكبـرى في العالم. إذن، إشراك اللاجئين في الضفة والقطع في المشروع شرط لازم للحفاظ على وحدة القضية، ووحدة الحقوق، ووحدة الشعب. ونعتقد جازمين أن على مشروع «كيفيتاس» أن يأخذ هذه المسالة المهمة بعين الاعتبار، وأن يعيد صياغة نفسه بالاتجاه الذي حدثنا عنه.
* ومن القضايا التي نعتقد أن على أصحاب المشروع أخذها بالاعتبار أنهم لا يحرثون أرضاً بوراً. فتجمع اللاجئين، في مناطق انتشارهم كافة تجمع حيوي يعج باللجان والهيئات الشعبية، فضلاً عن بعض فصائل العمل الفلسطيني التي امتد نفوذها مع امتداد التجمعات الفلسطينية. وبالتالي عندما يتحدث المشروع عن <هياكل مدنية»، من المفترض أن يكون المشرفون عليه قد أخذوا بالاعتبار أن ثمة هياكل مختلفة تعمل في صفوف اللاجئين، تشكل نخبة مجتمعاتهم ـ إن جاز التعبير ـ تهتم بشؤونهم السياسية والاجتماعية والثقافية والحياتية وغيرها، وباتوا محط ثقة مجتمعاتهم بفعل مبادراتهم ومثابـرتهم على الفعل التطوعي في خدمة المصالح العامة. ولا نعتقد أن بالإمكان البدء ببناء هياكل مدنية، خارج التفاعل مع هذه اللجان والهيئات والفعاليات الموجودة أصلاً. فهي التي تزرع روح الاطمئنان والثقة في نفوس اللاجئين، إزاء المشروع نظراً لمصداقية العاملين فيه من أبنائهم. كما توفر للمشروع فرص النجاح لأنها الأقدر على السير به في مجتمعات اللاجئين وبين صفوفهم.
ونعتقد أن أية محاولة من أصحاب المشروع لتجاوز هذه الهيئات أو تجاهلها، أو العمل بمعزل عنها لن يكون في خدمة المشروع وخدمة اللاجئين أنفسهم.
لذلك نرى أن على أصحاب المشروع أن يتعاونوا مع هذه الهيئات واللجان، بشرح مشروعهم، والاستماع إلى الملاحظات والانتقادات عليه، والتفاعل معها والارتقاء بمستوى بما يستجيب بوضوح لمصالح اللاجئين فهذه اللجان والهيئات الفاعلة في صفوف اللاجئين، من الأطراف الأكثر إدراكاً لاحتياجات اللاجئين وظروفهم ومطالبهم، واتجاهاتهم السياسية.
بعد هذا، وعلى قاعدة استجابة أصحاب المشروع لملاحظاتنا، واستعدادهم العملي لسد نواقصه. يبقى أن نسأل: «كيف يمكن لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين أن يتفاعل مع المشروع». هل يرفضه لأنه قادم إلينا من الاتحاد الأوروبي المعروف بانحيازه بشكل عام لصالح تسوية تسقط حق العودة؟ أم أن على مجتمع اللاجئين أن يخضعه للاختبار، فيأخذ منه ما فيه فائدة، ويطرح الباقي للنقاش إلى أن يستقيم بما ينسجم مع المصلحة الوطنية العامة؟
بداية علينا أن نلاحظ أن البعض تسرع في حكمه على المشروع، باعتباره مشروعاً سياسياً، مثله مثل وثيقة «جنيف ـ البحر الميت». متجاهلاً أن وثيقة «جنيف - البحر الميت» قدمت نفسها باعتبارها مشروعاً للحل السياسي يقوم على مبدأ إسقاط حق العودة. بينما يقدم مشروع «كيفيتاس» نفسه مشروعاً لمنح اللاجئين فرصة للتعبير عن أنفسهم في مخاطبة الاتحاد الأوروبي (بشكل خاص) وقياداتهم السياسية، في مرحلة تتهاطل فيها مشاريع التسوية من «خارطة الطريق» إلى «فك الارتباط» إلى غيرهما. كما يخلو «كيفيتاس» من أية سيناريوهات لحل قضية اللاجئين، بل يترك للاجئين أن يعبـروا عما يريدونه لأنفسهم ولقضيتهم. كما يخطئ من يظن أن المشروع مازال عند مربعه الأول. قد يكون قد وصل إلى بعض الأقطار في الأيام الأخيرة، لكنه خطا خطوات عملية في أقطار أخرى، أي أنه أصبح مشروعاً عملياً، وجد من بين اللاجئين من هو على أتم الاستعداد للعمل معه، وفق اتجاه يخدم مصالح اللاجئين وحقوقهم. من هنا تبدو سياسة رفض المشروع خطوة مبالغاً بها، لأن الرفض من قبل بعض اللجان والهيئات والفعاليات الناشطة دفاعاً عن حق العودة، لن يضع نهاية للمشروع، ذلك أن لجاناً وفعاليات أخرى سوف تتعاون معه. ويصبح بالتالي الحديث عن «التصدي للمشروع» و«التحريض ضده» مجرد شعارات بلا مضمون حقيقي. من هنا، وعلى قاعدة الملاحظات التي أبديناها على نواقص المشروع، وانطلاقاً مما نرى فيه من فوائد، نقترح أن تبادر اللجان والهيئات المعنية بحق العودة هي المبادرة إلى التعامل مع المشروع وانجاحه بما يخدم مصلحة اللاجئين؛ في هذا السياق نقترح عدداً من الخطوات والمواقف التي نرى أنها ضرورية كي يصب المشروع، كاملاً، في خدمة قضايا اللاجئين وحق العودة:
* دون التقليل من أهمية ما جاء في المشروع، فإننا نرى أن الفائدة الكبـرى التي يمكن أن يجنيها اللاجئون الفلسطينيون منه، هي أنه يوفر لهم فرصة لمخاطبة الاتحاد الأوروبي عبـر قناة مباشرة، كما يتيح لهم في الوقت نفسه التواصل مع مجموعات اللاجئين الفلسطينيين الناشطة في دول الاتحاد الأوروبي، وعبـرها مع المجتمعات الأوروبية، الأمر الذي يمكن، عبـر شيء من المثابـرة والجهد، ومراكمة الخبـرة إحداث اختراق في الجدار الأوروبي، الذي يكاد يكون موصداً في وجه «حق العودة» لصالح المشاريع البديلة، ولصالح الانصياع لابتزاز ما يسمى بتهمة معاداة السامية.
* يشكل المشروع، في السياق نفسه، فرصة لوضع أوروبا أمام مسؤوليتها التاريخية (من خلال بـريطانيا) عن ولادة مشكلة اللاجئين. فإذا كانت أوروبا لا تزال حتى الآن تعيش تحت وطأة عقدة الذنب إزاء وقائع سجن أوشفيتز، فهي مطالبة في الوقت نفسه بالاعتراف بذنبها عن ولادة قضية اللاجئين، والاعتذار عن هذا الذنب، بكل ما يترتب عن هذا الاعتذار من مسؤوليات وواجبات لاحقة.
* عبـر المشروع يمكن مخاطبة أوروبا بأن حلمها باستقرار المنطقة وأمنها، كجزء من استقرار بحيرة المتوسط وأمنها، سيبقى بعيد المنال ومستحيل التحقق، ما دام هناك أكثر من 4 مليون لاجئ فلسطيني يعيشون مشردين بلا وطن ولا جنسية ولا مستقبل سياسي مضمون، وما دامت حقوقهم عرضة للتجاهل أو المساومة أو المقايضة.
 كذلك يمكن محاكمة مصداقية ديمقراطية أوروبا ومساءلتها وكشف بعض جوانب زيفها. فأية ديمقراطية هذه التي ترحب بموقف حفنة من الأفراد وقعوا وثيقة «جنيف ـ البحر الميت» باعتبارهم يمثلون الموقف الفلسطيني، والتي تتجاهل، في الوقت نفسه، مواقف ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين رفضوا وثيقة «جنيف – البحر الميت»، وكل الحلول المشابهة، ومازالوا يؤكدون تمسكهم بحقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، باعتباره حقاً ثابتاً وغير قابل للتصرف.
* وعبـر المشروع يمكن القول لأوروبا أن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تعد قضية فلسطينية أو عربية أو شرق أوسطية بحتة، بل باتت ـ أيضاً ـ قضية أوروبية، وهي مرشحة خلال سنوات قليلة لتصبح قضية أوروبية من الطراز الأول. فآلاف اللاجئين الفلسطينيين باتوا يحملون الجنسيات الأوروبية دون أن يسقط ذلك حقوقهم كلاجئين بما في ذلك حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. ولابد أن تجد أوروبا، يوماً ما، نفسها، تقف أمام قضية مواطنيها اللاجئين، مطالبة بالدفاع عن حقوقهم ومصالحهم في مواجهة سياسة الاغتصاب الإسرائيلية للأرض والممتلكات. ولابد أن تجد أوروبا يوماً ما، نفسها في منازعات قضائية، وسياسية، دفاعاً عن مصالح مواطنيها ذوي الأصول الفلسطينية. لاشك أن أوروبا ستجد لنفسها الفرصة لتنتقم لنفسها وتستعيد كرامتها حين وقفت في موقع المدعي عليه أمام اللجنة الخاصة بتعويضات وودائع وأملاك اليهود في أوروبا الذين أصبحوا في وقت لاحق إسرائيليين واستجابت أوروبا ومنحت هؤلاء اليهود كل ما كان يدعون أنه حق لهم.
* كما نعتقد أن على اللاجئين أن يطالبوا أوروبا بدور لصالح قضية اللاجئين يتناسب مع قدرة أوروبا على الفعل سياسياً واقتصادياً، إن في الضغط على إسرائيل (خطوة أوروبا في مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة نموذج ناجح للدور الأوروبي) أو في دور نشط في المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، لجنة حقوق الإنسان، اليونيسيف، الخ..). أو في معالجة الأزمة العالمية المتفاقمة لوكالة الغوث. الأمر الذي يخلق «شراكة أوروبية ـ فلسطينية» في معالجة قضية اللاجئين وصون حق العودة، باعتباره حقاً سياسياً فضلاً عن كونه حقاً إنسانياً.
* ومن ضمن الوسائل التي يمكن اللجوء إليها في مخاطبة أوروبا، الاتصالات المباشرة (تبادل الزيارات والجولات الأوروبية الميدانية في المخيمات) وعقد ورشات العمل، واعتماد نظام التوأمة بين البلديات الأوروبية والمخيمات، بين المؤسسات الأوروبية والعديد من المؤسسات الفلسطينية، إلى جانب الإفادة من الخبـرة الأوروبية في تأسيس وهيكلة المنظمات غير الحكومية وتفعيل دورها.
خلاصة القول أن مشروع «كيفيتاس» يشكل ـ إن أردنا ـ فرصة يفترض الإفادة منها، على أكثر من صعيد، وأن أية نواقص في المشروع، يمكن توفيرها عبـر العمل من داخل المشروع، فإما أن يستجيب لمواقف اللاجئين وينسجم مع تطلعاتهم، ويشكل تعبيراً صادقاً عن احتياجاتهم وحقوقهم السياسية، وإما أن يصطدم بالجدار، فيتراجع أصحابه عنه، فيما إذا كانوا يضمرون خطوات لا تخدم مصلحة اللاجئين أو حق العودة. إن إخضاع المشروع للاختبار العملي هو الوسيلة الأنجح لمحاكمته محاكمة موضوعية.
د. كرمة النابلسي: منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وحق العودة غير قابل للتصرف كفله القرار 194
بعد أن فرع الزميل معتصم حمادة من كتابة رأيه حول مشروع «كيفيتاس»، وردت إلى لجان ومؤسسات حق العودة، ومنها «المجموعة 194» رسالة من الدكتورة كرمة النابلسي، تجيب فيها على سلسلة من التساؤلات حول المشروع وفيما يلي أهم ما في رسالة الدكتور النابلسي:
1) «يؤكد مشروع «كيفيتاس» على أنه يستند كلياً على المبدأ الأساسي أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وأن ذلك مشار إليه بوضوح وباللغة المكتوبة ومنذ البداية ولدى المشروع موافقة ودعم خطيان من رئيس م.ت.ف. الأخ أبو مازن، على أن هذا المشروع يخدم المؤسسات الوطنية وم.ت.ف. والشعب الفلسطيني».
2) «يؤكد مشروع «كيفيتاس» أن الحقوق القانونية المعترف بها دولياً للشعب الفلسطيني كافة مصانة في المراحل كافة للمشروع. وهو يهدف إلى تضمين حقوق الشعب الفلسطيني كافة. والهدف الوحيد لهذا المشروع هو العمل على تأكيد حقوق أبناء الشعب الفلسطيني بأنفسهم وليعبـروا عنها علناً وفي حوارات مفتوحة، في مقدمة هذه الحقوق غير القابلة للتصرف حق اللاجئين في العودة، كما ورد ذكره في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 194 للعام 1948 والذي ينص في فقرته 11 بوضوح على أنه «يؤكد أن الراغبين بالعودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم يجب السماح لهم بذلك بأقرب فترة ممكنة».
«ويذهب المشروع إلى أبعد من هذا، حيث أنه يؤكد على الحقوق كافة للشعب الفلسطيني كالحق في تقرير المصير والحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، عملاً بما هو وارد في إعلان حقوق الإنسان للأمم المتحدة وعدد كبير من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة. وكذلك المعبـر عنها بالإرادة الوطنية للشعب الفلسطيني من خلال ممثله الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية وسيقوم المشروع بدعم النضال من أجل هذه الحقوق».
3) «كما يقدم هذا المشروع خدمة للاجئ ولتجمعات اللاجئين في جميع أنحاء العالم: العالم العربي وأوروبا وأميركا. ومن خلال ما يقدمه المشروع من تسهيلات يمكن للاجئين أن يعبـروا عن احتياجاتهم وحقوقهم كلاجئين في مخاطبة المجتمع الدولي من خلال توثيق مواقفهم التي سيعبـرون عنها في اللقاءات العامة. إن هدف المشروع هو نقل هذه الحقوق والاحتياجات إلى المجتمع الدولي لحثه على تحمل مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني واللاجئين الفلسطينيين، تطبيقاً لمبادئ القانون الدولي».
4) «يؤكد مشروع «كيفيتاس» أن النقاط ستدرج بوضوح في المشروع في صيغة مشتركة بيننا بالتوافق مع لجان حق العودة العاملة في سوريا».