بن كيران، كل شيء مباح في الحب و الحرب

نبيل بكاني
2013 / 10 / 13

ليته، كان قد حصر عدد وزراء حكومته الجديدة في 36 وزيرا، بدل ال 39 التي تمخضت عن المفاوضات الشاقة مع غريمه السابق، لا لشيء، فقط لأن الرقم، بما يحمله من دلالة؛ كان سيضفي مزيدا من جو المزاح و التنكيت على صفحات الجرائد و الحسابات الفيسبوكية؛ عله يساهم في بعض التنفيس الذي تحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى؛ النفسية المغربية التي بلغت درجة متقدمة من الاختناق، جراء الظروف المعيشية التي أصبحت أكثر صعوبة في عهد بن كيران، و زادت إحباطا و تدمرا بعد الإعلان عن العدد الكبير و الغير مقبول لوزراء الحكومة الجديدة؛ لما سينتج عنه من مصاريف إضافية؛ في ظل وضع اقتصادي و اجتماعي متأزم يهدد مستقبل المغاربة، و أمام ارتفاع معدل العطالة في صفوف الشباب، الذين هم في أمس الحاجة لتلك الأموال التي ستنضاف إلى ميزانية التسيير الحكومي. و لست مجبرا هنا، لتوضيح رمزية و دلالة الرقم (36) في المخيال الشعبي المغربي.
الملاحظة التي استأثرت بعقلي في المراسيم التي تلت تشكيل الحكومة، أن بن كيران، اختار هذه المرة، و على غير العادة، تقديم المفاجأة، دون بهارات، و خالية من تلك النكهة الفرجوية المعهودة؛ التي أصبحت أقرب إلى مادة الكوليسترول الدسمة، من كثرة تخمرها. فبكثير من الجدية و الحزم، خرج دولة رئيس الوزراء من غرفة العمليات، ليطل مبشرا بالمولود الجديد – نترجى من الخالق تجنيبه لعنة العقوق التي أصابت سابقه- لولا تلك الابتسامة الثابتة، التي كسرت جمود المراسيم المخزنية، و التي حرس معها على عدم تحريك شفتيه، و هو يشارك رفقة فريقه الوزاري الجديد الملك، تلك الصورة التذكارية التي تعتبر من لوازم البروتوكول الملكي الضرورية، كما لو أنه، كان يخشى أن تغفل أي من عدسات المصورين التقاطها.
ربما، أصبح علينا كمغاربة، منذ لحظة الإعلان عن الموديل الحكومي الجديد، أن نتهيأ لاستقبال بن كيران آخر، بن كيران نيولوك؛ غير الذي اعتاده المغاربة طوال النسخة الملغاة من الحكومة، بن كيران أكثر جدية و أكثر حزما، و أشد يأسا و تشاؤما؛ و هذا بالتأكيد ما يجب أن يتحلى به رجل المرحلة؛ و هو أكيد، إذا ما حدث، سيجعل من بن كيران الرجل المناسب للوضع القادم. فالحاصل، أن شهر العسل قد انتهى، و الآتي مع الأيام؛ لن يكون أقل من البصل و العلقم. و ربما كان من الأفضل لنا أيضا، أن ننسى كل ما مضى و نطوي صفحة انتهت؛ بمساوئها و محاسنها، و نعتبرها كفترة تجريبية لحكومة لم يفقه جل وزراءها الحياة الرسمية، و لم يخبروا عن قرب التقاليد المخزنية المرعية، قبل ذلك الوقت، أو لنسميها فترة تدريبية، استفاد خلالها وزراء العدالة و التنمية من التعرف عن كتب على أروقة الوزارات، و جربوا ارتشاف القهوة الصباحية الرفيعة من أيدي السكيرتيرات الحسناوات داخل مكاتب لا مقارنة لأناقتها، بتلك التي اعتادوها في مقرات حزبهم.
المهم، و كما يقال؛ عند الامتحان يعز المرء أو يهان؛ إلا أن الامتحان، و على ما يظهر، قد مر هذه المرة بسلام، و خرج رئيس الوزراء مبتسما، منتشيا طعم النصر و الفوز على الديمقراطية و على "الشرعية" (صناديق الاقتراع)؛ هازما خصومه في تحد... و هكذا، قدم أكبر دليل على اجتياز الاختبار بنجاح، ليبرهن على أنه حقا، رجل دولة حقيقي؛ مستعد لكل التنازلات؛ حتى إرضاء المخزن الذي ظل طرفا رئيسا في كل أطوار العملية؛ و حتى التوافق مع حزب القصر "التجمع الوطني لأحرار" و لو على حساب الديمقراطية و صناديق الاستحقاق التي تعد المصدر الوحيد لأي مشروعية حكومية. هكذا إذن، و في لحظة عابرة، قبل بن كيران أن يعيدنا سنوات إلى الوراء؛ أي ما قبل الوعود المعسولة التي سبقت الاستفتاء على دستور 2011، و التي بشرت بعهد الالتحاق الرسمي للمغرب بنادي الديمقراطية العالمي. و أصبحنا اليوم أمام واقع جديد مغاير لكل وعود بن كيران و حزبه.
انه واقع عودة المغرب إلى عهد التيقنوقراط، و عهد التوافقات الحزبية المبنية على المصالح السياسوية الضيقة و البراغماتية، إن لم نقل الانتهازية، أي عندما تتحول الانتخابات إلى معركة سياسوية. و بما أن المعركة خدعة، كما يقال، فلا مانع لديه، إذن؛ من اتخاذ صناديق الاقتراع، عندما تقتضي المصلحة الحزبية، وسيلة لخداع المغاربة، قصد تحقيق الغاية؛ عملا بالمثل الانكليزي القائل؛ " كل شيء مباح، في الحب و الحرب"...

كاتب من المغرب