هل يهدد شمال شرق سوريا أمن العالم ؟

ملهم الملائكة
2013 / 10 / 6

فرضت الجماعات الجهادية سلطتها على شمال شرق سوريا ، أبرزهذه الجماعات جبهة النصرة والدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام " داعش". هذا الحضور سيشكل تهديدا للأنظمة العربية ولإسرائيل ولأمن الغرب ، وقد ينشر مظلة لتعاون أمني جيوسياسي متظافر لمواجهة الخطر.

بإنهيار المعبر السوري الحدودي الهام الى تركيا في تموز/ يوليو 2012 صار طريق تسلل المقاتلين الجهاديين لدعم القاعدة والتنظيمات الإسلامية مفتوحا ، وهكذا تدفق ألوف التونسيين والليبيين والسعوديين والشيشان وعشرات من الأوروبيين المتحولين الى الإسلام على المنطقة ليؤسسوا قاعدة لنحو 15 ألف مقاتل يستقرون في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا والتي أضحت خارجة عن كل سلطة سوى سلطة الشريعة التي يتبناها مقاتلون يجهلون في الغالب ما ينصّ عليه القرآن ، لكنهم يهتدون بفتاوى شيوخ محليين نجحوا في تعبئتهم جهاديا لإقامة خلافة إسلامية جديدة في منطقة لا تصلها وسائل الإعلام إلا من خلال كاميرات الهواة وتقاريرهم التي تفتقر في الغالب الى الحياد والموضوعية.
ورغم أنّ عديد الجيش السوري الحر يتجاوز اليوم حاجز 100 ألف مقاتل، إلا أنّ الجماعات الإسلامية التي تتلقى دعما ماليا ولوجستيا غير محدود من أوساط خليجية فاحشة الثراء، ورغم قلة عديدها، تسجل حضورا ميدانيا أشد فاعلية من عشرات الالاف من مقاتلي الجيش الحر الذين تفتقر بندقياتهم الكلاشينكوف الوسخة الى زيت الإدامة والى إطلاقات عيار 7.62 ملم الأكثر مبيعا عبر العالم والمتوفرة في كل أسواق السلاح الرسمية والسوداء.

" القاعدة غيّرت اتجاه بوصلتها الى الشرق الاوسط"
تشمل المنطقة التي يسيطر عليها مقاتلو جبهة النصرة والتنظيمات المتشددة على محافظات الرقة ، حلب، ادلب ، حماة ، الثورة، فيما يتنازع السيطرة على منطقة الحسكة المتاخمة للحدود العراقية قوات حماية الشعب الكردي ومقاتلو داعش والتنظيمات الإسلامية القادمة من غرب العراق.
ولا يبدو الإعلام الغربي قلقا لبروز "وزيرستان" أخرى على سواحل المتوسط الجنوبية، بل أنّ مجلة دير شبيغل الألمانية واسعة الانتشار قللت الى حد كبير من أثر جبهة النصرة ناسبة الدور الأكبر الى فصائل أخرى بينها " الدولة الاسلامية في العراق والشام" والجيش السوري الحر. وقد اشارت في مقال نُشر في نهاية شهر سبتمبر/ ايلول 2013 الى " أن فصائل صغيرة من هؤلاء الجهاديين ( النصرة) تشارك في القتال الفعلي، وهي فصائل تتمركز في الوقت الحاضر في مناطق حلب وحماة،( أما الجهد الاكبر فإنه ) يسعى الى بناء قواعد في المنطقتين اللتين خرجتا منذ زمن طويل عن سلطة الاسد".
الباحث في شؤون مكافحة الإرهاب جاسم محمد وفي حوار خاص مع الكاتب كشف أنّ " القاعدة غيّرت اتجاه بوصلتها الى الشرق الاوسط وهي قد بدأت تعيد رسم خارطتها في سوريا والمنطقة عموما، وتمثل منطقة شمال شرق سوريا هدفا هاما للتنظيمات الجهادية لأنها غنية بالنفط، وتمثل إمتدادا جغرافيا لمناطق العراق وخاصة كركوك الغنية بالنفط ".

"حضورالنصرة شمال شرق سوريا يمثل تهديدا ارهابيا عالميا"
ويتبادر الى ذهن أي مهتم بشؤون الشرق الأوسط، أنّ وجودا مستقرا لتنظيمات ترتبط بالقاعدة لابد أن يثير قلق إسرائيل، بل أنّ كثيرا من الساسة العرب يرون أنّ إسرائيل لن تسمح قط بظهور واستقواء تنظيمات من هذا النوع على حدودها مع سوريا .
ولم يصدرعن الدولة العبرية ما يشفّ عن موقف رسمي بهذا الخصوص لكن ( مركز مايير آميت للاستخبارات ومعلومات الإرهاب) ومقره تل أبيب نشر تقريرا لعدد من الباحثين أشار فيه بوضوح الى سعي جبهة النصرة باعتبارها ذراع تنظيم القاعدة الرسمي في سوريا، الى إقامة خلافة إسلامية في منطقة شرق سوريا . ويشير د. روفين ايرليش مدير "مركز الاستخبارات ومعلومات الإرهاب " في التقرير الى " أنّ جبهة النصرة نجحت في أن تمسك بالأرض في سوريا لتستقر وتوطن نفسها في شمال شرق البلد وبسرعة هي أضعاف سرعة سيطرة تنظيم القاعدة على افغانستان، وبهذا يمسي حضورها تهديدا ارهابيا عالميا ".
و شبّه د. ايرليش نشاطات جبهة النصرة في سوريا اليوم بفترة الحضانة التي يعيشها الفايروس قبل أن ينتشر ليصيب المنطقة المضيّفة برمتها، ومضى محذرا من أنّ " طاعون الجهاد ( القاعدي) سينتشر الى المنطقة بعد أن يغرق سوريا ليصبح فيما بعد تهديدا للأمن الدولي".
ويرى كثيرون أنّ التنظيمات الإسلامية في سوريا لا تسعى الى إسقاط نظام بشار الأسد، بل تسعى الى إحياء مشروع سوريا الكبرى القديم، لتقيم من خلاله خلافة إسلامية تضم سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية وإسرائيل ، وهو ما اقترب منه الباحث جاسم محمد، مشيرا الى أنّ " إعلان محمد زهران في 29 سبتمبر/ ايلول 2013 تأسيس جبهة إسلامية تضم أكثر من 50 فصيلا وكتيبة ما هو إلا خطوة استباقية لكي تتخندق هذه الفصائل أمام أي مواجهة مع الجيش الحر أو مشروع الجيش الجديد المدعوم من الكرد والأمريكيين".

هل تواجه إسرائيل تحالفا شيعيا قاعديا فلسطينيا متشددا في القريب؟
التقييم الذي ظهر في تقرير (مركز ماييرآميت للاستخبارات ومعلومات الإرهاب) ذهب الى أنّ جبهة النصرة تخطط لمهاجمة إسرائيل من مرتفعات الجولان، ويُتوقع أن تؤسس بنية تحتية عملياتية إرهابية في المرتفعات تمثل امتدادا للبنية التحتية العسكرية التي تؤسسها حاليا في منطقة درعا ، المدينة التي شهدت بداية الإنتفاضة ضد الأسد سنة 2011. ويمضي التقرير الى القول" في تقديرنا فإن حزب الله وبعض المنظمات الفلسطينية قد تندمج مع جبهة النصرة في هجمات إرهابية مشتركة تنطلق من مرتفعات الجولان رغم الخلافات العقائدية العميقة بين هذه القوى".
من جهة أخرى وفي إتجاه معاكس ، يرى عدد كبير من الخبراء السياسيين العرب، أنّ التنظيمات الإرهابية المتشددة في المنطقة والتي تكاثرت بعد ما سمي بالربيع العربي إنما هي صناعة غربية بحتة، لاسيما أنّ من يدعم هذه التنظيمات أنظمة عربية واقليمية تعد أكبر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مذكّرين دائما أن الجهاديين الذين ظهروا أول مرة في افغانستان لمحاربة الوجود السوفيتي في سبعينات القرن الماضي ( وبضمنهم إبن لادن نفسه) كانوا صناعة أمريكية خالصة. واقترب الباحث جاسم محمد من هذا الرأي مضيفا " إن الهدف لم يكن إسقاط النظام السوري ، بل إضعافه، أما إسرائيل فهذه التنظيمات غير معنية أصلا بالتعرض لها ".
ورغم أن موقفا رسميا من التنظيمات الجهادية القريبة من خط تنظيم القاعدة لم يصدر عن إسرائيل فقد مضى الخبير العراقي الأصل الى القول إن " عددا من الخبراء الإسرائيليين وفي مناسبات عدة قد أعلنوا أن إسرائيل قادرة على التعايش مع هذه التنظيمات الجهادية أكثر مما هي قادرة على التعايش مع النظام السوري ".