سوريا بخير فاتورة مدفوعة التعب

ابراهيم زورو
2013 / 10 / 4


لم يكن بنيتي يوماً ما أن أكتب عن السجن وعوالمه، كونه لا يمكن أن يوصف أبداً، وما من أحد استطاع أن يوفي عالم السجن حقه؟ وما من أحد ايضاً استطاع ان يصف معاناة السجين بالمعنى النفسي يوماً ما، وكل الذين كتبوا وصفوا أشياء حسية قد تبعث الخوف والرهبة إلى الذين خارج أسواره, مع احترامي الشديد لكل من ساهم في توصيف الحالة الحسية لسجين ما.
ولكي تستمر الحياة على السجين أن يشق طريقه وسط ظلاما دامسا حالكا بنفسية مرة تعلو الى مصاف الالهة واخرى تهبط الى عالم الاشباح، والخوف يزجيه من انهيار داخلي الى اخر، السجن رداء نفسي قاتم يلّون سجين بألف حالة وحالة.
وهذا الذي أسرده ليس إلا مدخلاً لموضوع آخر من سجل النظام الرهيب الذي استطاع أن يسجن سوريين في زنزانة واحدة، ورهبته توقظ فينا معارضة غير مستوية وغير آهلة للدخول في المعترك السياسي. وإذا ما أردنا أن نقيم شخصاً ما علينا أن نبحث عن اعماله التي تدل على وجوده، أو أن يتم البحث وتمحيص في نفوس شعبه، ويمكن التنظير لحياته السياسية على أكثر من الصعيد، والكلام هنا عن الاسد الاب، فالذي يهمني هو دراسته من موقع المعارضة الذي ابتلينا بها جملة وتفصيلا، والتي لا تقل اصالة منه في أي شيء، ولن أتناول شخصاً بعينه كونهم متشابهين في جل تصرفاتهم. ووضع الأب نصب عينيه ليورث الوطن بكامله مزرعة اليفة لأبنائه واحفادهم فيما بعد؟ بهذه الطريقة عمل طيلة حياته بخفاء شديد كأنه معارض، ظاهره غير باطنه، وبباطنه ألف فكرة تجوب فيه، يعرف جيداً انه رئيس لهذا البلد في البداية، عليه أن يتصرف حسب مقتضيات المصلحة العامة، وفيما بعد انزاح عن سكتة رويداً رويداً إلى أن ظهر بمظهر دكتاتور وفي الوقت نفسه أب شرعي لكل الشعب. وكأنه تم ذلك ليس على مرأى جميع الاحزاب والتنظيمات السورية، وهنا أتذكر مقوله بما معناه لخالد بكداش عند تطرقه للوضع الداخلي السوري فيقول بكل عنجيهة وكبرياء: لو نظرنا إلى السياسة الداخلية السورية لكنا في صف المعارضة، ولكننا ننطلق من السياسة الخارجية السورية التي تقف بجانب الاسرة الاشتراكية. وسهى مقصوداً وخائفاً: على أن السياسة الخارجية ليست إلا امتداداً للسياسة الداخلية، بل انعكاسا له أيضاً، وهو بهذا القول ترك الشعب لقمة سائغه لقائده حافظ الاسد الذي لم يتعب على السياسة الخارجية وأنما وضع كل جهده في المجتمع السوري بكل اطيافه وحوّلهم إلى قطيع يخاف من ظلاله. أي شعب سيتحمل هذا الكم الهائل من الجراثيم في جسده؟؟ كما زرع فرعاً مزيفاً لكل اصيل كي يتطفل على إصالته وفي شتى المناحي، ذاك الفرع يتبارز مع الاصلاء ويخرجهم من سوق التداول نهائياً بمال الشعب حاربه والفائدة تعود عليه ماليا وسياسياً، ودس الفتنة بين الطوائف وعدم الثقة تسري في شريان كل السوري وهكذا دواليك، فالاحزاب والتنظيمات لم تبخل في دعم هذا. هنا أتذكر قصة النبي ابراهيم عندما قال أن ساره هي أخته كي يتزوجها ويبقيه على قيد الحياة لو قال زوجته لقتلوه. وقدمت الاحزاب ولاء مطلقاً له وطلّقت الفكر المعارض!؟ كم تشبه الاساطير مع الواقع في سوريا، انتهاك شرف مقابل الحياة!؟. وهذا يدل على أن الشعب السوري يعيش بدون الكرامة.
أما المعارضة التي خرجت من معطف حافظ الاسد وتطالب وراثته لذاتها ودون غيرهم، إذا الشعب السوري يهان من كلا طرفين ويشبهان بعضهما في كل شيء، وإذا أردنا تخفيف من حدة هذا الموقف نقول، أن الحالة الثقافية هي التي تحدد مسار أي ثورة في العالم، فالفرق واضح بين الثورة والثور من حيث الجذر اللغوي، لو انتفت فعل الثقافة عن الثورة تهيمن عليها الانفعال والغضب والهيجان، وهي نفس مواصفات الثور وخاصة إذا كان في مقتبل عمره، هذا الفعل الناقص من عمل حافظ الاسد الذي ربى أجيالاً في خوف وهلع شديدين وجعل السجن علما وطنيا يرفرف على الرؤوس التي عليها أن تنصاع له، دون الرجوع إلى أي سلطة من شأنها ان تعاقب وتجر الويلات عليه. وهو كان يعرف جيدا أن ابناؤه ليسوا على مستواه كي يحافظوا على تعبه!!! واحاط بهم اشباه الرجال من الرعية لتكون سنداً له عند غيابه وهذا ما تم بالفعل؟. ورغم ذلك تغنى بإصالة شعبه ويفتخر به في كل محفل او ملتقى سياسي أو أدبي، والأنكى من ذلك جعل حتى الشيوخ الاكبر من عمره ان ينصاعوا هلعا عند ذكر اسمه، فبات الناس يتوسلون الى رحمته وشفقته، والكل كان يفتخر بذلك في وقت ما وهم الآن في سدة المعارضة، فالحزب الشيوعي السوري بكافة اطيافه والوانه بات منجلا بيد فلاح استولى على الكرسي بفعل انقلاب ليحصد وجودهم عند أول مخالفة مرورية، لولا الاسرة الاشتراكية وبضغط من الحزب الشيوعي السوري ما كان له أن يستمر إلى يومنا هذا، وكذلك دزينة الاحزاب الكوردية لم يتوانوا عن اصدار أي صوت لفلاح نائم هناك، رغم أن المعارضة الكوردية استطاعت تحويل مسار العمل السياسي من السرية إلى نضال السلمي الديمقراطي وتجلى ذلك بتاريخ 10/12/2003 عبر مظاهرة بدمشق وامام البرلمان، وبعدها سدت المعارضة السورية والكوردية آذانها عن الانتفاضة الكوردية التي قامت بعام 2004 وعمت جميع المناطق الكوردية والكل حاول اخمادها، ايضاً حاول الكل ان يخدمها بطريقة فجة لا تمت الى القوانين بشيء يذكر أو أن يستفيدوا منها؟؟، ولكن النظام الابن قد تعامل مع الحدث ليست بتلك القوة المعهودة رغم ان عدد الشهداء ناهز اكثر من ثلاثين مواطناً، وزار السجون الالاف من المواطنين الابرياء، ولم نسمع صوتاً جهورياً تبدي حتى اسفها عن الذي جرى بل ولم نر صوتاً حزبياً واحداً يهدر على اسماع المتضررين. بقول واحد، أن الحركة السياسية السورية كانت في غرفة انعاش تنتظر موتها الحتمي، وكان عليهم أن تستمروا في الحياة بأمر من قائدهم الاوحد وبنفس السوية المرسومة لهم، فالشعب السوري ككل الشعوب المتقدمة لا يستمر بدون احزاب وتنظيمات ونقابات مجتمع المدني، ولكنه سيكون تحت سيطرته تماماً، بكلام آخر، إن التناقص الرئيسي والثانوي لم يكن موجودين وهذا ما يعطي للحركة صبغتها الفعلية ووجودها، فالحزب الشيوعي كان منهكماً بانقساماته تدور جلها على الكرسي، وكل انقسام لا يبرر ذاته بفعل ثقافي لا يمكن الاخذ به، والاكثر من ذلك اصبحت الشيوعية تحوذ حذوه لجهة الوراثة دون أن يفعل الاسد الاب قبلهم. إذا المعارضة السياسية لم تكن موجودة اصلا، ومن ثم فالحزب العمل الشيوعي الذي دفع فاتورة باهظة نتيجة موقفه السياسي، وكان السجناء يعانون من الشعب أكثر من الحكومة المناوئة لهم. وهذا دليل واضح لسيطرته التامة على مفاصل الحياة. والشعب بات يحسب ألف حساباً من فانوس علاء الدين السحري، عليه أن يعرف بأن ظهور القمقم من فانوسه مشكلة بكل المعاني.
هنا كان يعرف الاسد الاب نقاط ضعف وقوة شعبه كونه قد فحصهم جيداً. عندما رحل الأب كان مطمئنا على أن سوريا بخير، بشار كان يردد ذلك في أكثر من مناسبة، ولكن لم يكن احداً يفكر بمعنى كلامه؟؟ وها نحن بعد أكثر من سنتين نعرف ما المقصودة من كلامه. فهو كان يعرف أن البنية النفسية والمعرفية والاقتصادية والسياسية غير مؤهلة للقيام بثورة كهذه. هو الذي دفع بالثورة إلى التسليح وكان ذلك من ابداعاته لوحده دون الرجوع إلى أبيه الميت. وكان يعرف ما معنى التسليح ولكن المعارضة السياسة السورية لم تكن على علم بذلك. فسورية لها اهميتها على الخارطة الجيوسياسية هي مكانة مهمة كونها قريبة من اسرائيل التي تقود العالم، وكل العالم تعلم بذلك إلا المعارضة!!، وهي جارة تركيا مؤهلة للدخول السوق الاوربية المشتركة، وهو يعلم أن لديها مشاكل قومية ليست أقل من سوريا، ولم يدفع بالكورد إلى المعركة كان يعرف كيف يوظف المال ليجهض الثورة ويحمي كرسيه وكأنه توأم المعارضة التي أكلت المال لاجهاض الثورة، ويظهروا على شاكلة الايام الاولى لاستلامه الحكم. وأيضا كانت المعارضة السياسية ليست لديها ما تخسرها، كونها هي من اشخاص مغتربين عن أرضها وشعبها، عليهم أن يكدسوا الأموال من كل حدب وصوب. فكان النظام يثأر ويدافع عن نفسه، أما هي فجاءت من مكان فسيح ولا تهمها الشعب السوري بشيء يذكر، من هنا فأن الاسد الابن لديه مصلحة شخصية في البقاء ويحارب من أجل ذلك، بينما المعارضة فهم ظلال ملك ميت، والمعارضة رأت ان لبقاء الابن مسألة شهور قليلة وعليهم ان يمثلوا على العالم باختراعهم اشياء لا تمت الى الواقع بصلة كي يسرع العالم في التخلص منه، كما هو حال القذافي، نست او ناست ان الابن هو ابن شرعي لنظام دولي وتلميذ نشيط لهم لا يتركونه وحيدا في معركة اغلبهم من السلفيين وما إلى ذلك. فكان الصمت دولي عنوان الاكثر بروزاً وحماية للأبن في سماء العالم.
إذا المعارضة والنظام يتشابهان على أكثر من صعيد. هل هي معارضة أم موالاة؟ فالنظام فتت البنية النفسية والثقافية والسياسية لمجتمع السوري وحوّل هويته إلى مناطقية. والمعارضة حذت حذوها، ما السر في ذلك ياترى؟.
علما أن الثقافة كانت موجودة لدى المعارضة السياسية، فهم من الذي تضرروا من احداث حماه لجهة اخوان المسلمين الذين سيطروا على الجسم المعارضة، ومنهم من هرب من بطش النظام؟ ولكن السؤال الذي يطرح ذاته: لماذا والحالة هذه نفذوا اجندات الاخرين وهم بهذه الثقافة والتجربة السياسية المحزنة حقاً؟.
من السهولة أن نفكر بأن بديهيات العمل السياسي المعارض تمكن في أنها يجب أن تقف على النقيض من نظام حكم، عليها أن تمنح الحريات بكل المعاني السياسية والثقافية والاقتصادية؟ وتفسح المجال لعقول نيرة، وتعطي لكل ذي حق حقه في الوجود، تحارب المحسوبيات والرشاوي، وتضع الرجل المناسب في مكانه الصحيح. هذا هو الموقف الزوبكيi وهو صحيح في هذا المنحى، أما المعارضة السورية عليها أجندات أجنبية ويجب أن تنفذ كي تقف بجانب السلطة ولا تكون أحسن منها بكل الأحوال.
i -نسبة الى رواية زوبك للقاص التركي عزيز نيسن.