محمد اركون و المشروع البديل

احمد الكناني
2013 / 10 / 2

النصف من سبتمبر 2010 يوم اسدل فيه الستارعن رحلة حول العالم شارفت على الاربعين عاما ’رحلة استكشافية في عالم الفكر ’ ابتدأت من السوربون في باريس ثم برلين و لندن والولايات المتحدة ’ بالاضافة الى بلدان المشرق و المغرب العربي ’ كانت حصيلتها منهجا مستحدثا لاعادة بناء الموروث الديني القديم بأليات عصرية حديثة .
في ذلك اليوم رحل عملاق الفكر العربي البرفسور محمد اركون ’ بعد ان ترك مشروعا ضخما رسم خطوطه العريضة و مارس بعض تطبيقاته ’ لكنه ابقى على ابوابه مشرعة للمفكرين العرب للاثراء في التنظير و الممارسة العملية لما اسماه بالاسلامولوجيا التطبيقية على غرار ما هو المتعارف عليه في العلوم الاجتماعية " الانثروبولوجيا التطبيقية ".
ذلك المشروع الذي انطلق منذ حوالي اربعة عقود ’ ابتداءا من اطروحته للدكتوراه " الالسنية العربية في القرن الرابع الهجري " و مرورا بكل ما كتبه على امتداد عقدي الثمانينات و التسعينيات من القرن الماضي و العقد الاول من هذا القرن الى حين تفرغه لالقاء المحاضرات في جامعات العالم المختلفة .
وفي ذكرى الرحيل الثالثة اجد من المناسب جدا التعرض لمشروع محمد اركون بأعتباره الاكثر نجاحا بين مشاريع تجديد التراث و نقد العقل العربي’ و على الخصوص في مرحلة ما بعد انتكاسة التيارات الاصولية المتمثلة بالتنظيم الدولي للاخوان المسلمين ’ و العودة بقوة الى تأكيد مبدأ العلمانية ومفاهيم الديمقراطية و حاكمية الشعوب.
فبعد ان مرت الشعوب بما اسموه بالربيع العربي ’ و بعدما اينع هذا الربيع عن ثمار متعفنة ذاقت مرارتها كل الشعوب التي مر عليها هذا الفصل البائس ’ بدأت الشعوب تعود ليقضتها من جديد لاصلاح ما يمكن اصلاحه ’ و كانت باكورة الحراك الاصلاحي في مصر وتونس و قد شهدنا النجاح الباهر لشعب مصر و لا زلنا نرقبه في تونس .
هذا على مستوى حركة الشعوب السياسية التصحيحية ’ لكن الامر لم يحسم في الميدان الثقافي العربي ’ اذ لا زال الحراك الثقافي قائما بوجه سطوة التيار الاصولي المتشدد ’حراك نحو العلمانية و ابعاد الدين و رجاله عن الدولة ’ و التعامل مع مفردة الدين على انها تراثا للامة فحسب ’ اذ لم تعد الحاجة اليه قائمة لانه يمثل حقبة في الزمن و قد انتهت .
او التعامل مع الدين بعقلانية و امكانية التآلف مع مفاهيم الدولة المدنية ’ للخصوصيات التي تميز المجتمعات العربية عن غيرها من المجتمعات الغربية .
لكن الموضوعية تقتضي التعامل مع التراث الديني بجدية و معرفة قيمته ووزنه التاريخي’ و محاولة فهم نصوصه بواقعية من خلال اعادة قراءة الموروث الديني بمختلف مستوياته بالاعتماد على منهجيات العلوم الانسانية والاجتماعية الحديثة للوصول الى فهمه من خلال تأريخيته ’ و لا ينظر اليه على اساس انه امرا متعاليا يقف خارج التاريخ الذي اوجده .
و بناء على ذلك فالعلمانية كما يفهمها اركون هي جزء التاريخ العربي ’و ليست امرا وافد عليه .
وهذا بأطاره العام يمثل المشروع الاركوني لفهم واقع الدين في حياة الشعوب العربية’ و هو المشروع الاشمل من بين مناهج دراسة التراث و نقده ’ لانه يقوم على دراسة ظاهرة الوحي من وجهة نظر تاريخية ممتدة عبر ثلاثة تراثيات دينية و ليس تراثا واحدا ’ وبأليات لغوية وتأريخية واجتماعية وفلسفية ’ للوصول الى اللحظة التاريخية الاولى التي نزل فيها النص الديني
هذا المنهج يتبع الوحي ليس على مستوى التوراة والانجيل والقرأن فحسب’ وانما يشمل الذاكرة الاجتماعية لشعوب الشرق الاوسط القديم و ما شابها من خيال اسطوري ترك اثره في نشأة الدين عند الشعوب .
و هذا ما اسماه محمد اركون بالقراءة التاريخية الافقية للخطاب الديني’ في مقابل القراءة العمودية للتنزيل’ وافقيتها ناتجة من امتدادها الطويل عبر الزمن ومنذ بدء النشوء على الارض المقدسة التي احتضنت الديانات .
فالمهم في هذا المنهج هو تاريخية الخطاب الديني و دراسة و قائعه كمادة تاريخية صرفة و بغض النظرعن وجودها بين دفتي الكتاب المقدس’ والذي يستتبع تجريدها عن صفة القداسة ليتسنى حينئذ للدارس الدنو منها و التمعن فيها واستخلاص النتاتج منها ’ لان البعد الزمني عن الحدث ووجوده ضمن دائرة المقدس يجعله يفقد تاريخيته و يرتقي الى صنف المقدسات و بالتالي يقف بعيدا عن التاريخ الذي اوجده ’ اذ لا توجد طريقة اخرى - كما يقرر اركون - لتفسير اي نوع من انواع ما ندعيه بالوحي اواي مستوى من مستوياته خارج تاريخية انبثاقه و تطوره ام نموه عبرالتاريخ .
وهذه النقطة بالذات تشكل قضية جدلية يصعب هضمها في مجتمعاتنا الشرقية’ والسير في هذا الطريق لا زال وعرا و محفوفا بالمخاطر ’ و قد يذهب بصاحبه الى هاوية الكفر ’ رغم انها اصبحت مألوفة في المجتمعات الغربية ’ بل اصبحت مادة للتسلية لعموم الناس و من خلال البث التلفزيوني الفضائي ’و قد شاهد العالم باسره الكوميدي البريطاني " ريكي جيرفاس " و قد اغرق مستمعيه بالضحك و هو يتحدث عن سفينة نوح في الكتاب المقدس .
و لفهم الخطوط العريضة للمنهج الاركوني لابد من التفرقة بين التاريخ والاسطورة و كذلك المخيال الاسطوري لتكوين بعض التصورات عما يرد من التساؤلات حول وجود الحادثة التاريخية اوالقصة في الكتب المقدسة وامكانية دراستها من عدمها ’ومتى تكون الحادثة موضوعا لعلم التاريخ ومتى لا تكون؟
و هل وجودها في الكتاب المقدس يكون شافعا لها من ان تطالها يد المؤرخ اوالناقد ؟
ما هو دور المخيال الاسطوري في صياغة الاحداث التاريخية ؟
فالتاريخ و التاريخية تعني اساسا ان حدثا ما قد حصل بالفعل و ليس مجرد تصور ذهني كما يحصل في القصص الخيالية . و بناء على هذا التصور فأن الاسطورة تعتبر بداية مبكرة للتعبير عن الحقائق برؤى خيالية متوارثة عبر الاجيال لا تمت الى التاريخ بصلة ’ و قد تكون ممتزجة بحقائق التاريخ و متتمة لها عندما تصل تلك الحقائق مبتورة و مشوهة ’فتنشط التصورات الذهنية و المخيال الجماعي لتملا الفراغات في التاريخ ’ و هنا تحصل حالة تزاوج بين حقائق التاريخ و موضوعات الاساطير.
و من هنا عد كثير من الباحثين الاسطورة مصدرا من مصادر التاريخ وان لم تكن هي التاريخ . وعلم التاريخ يتعامل مع الموروثات التاريخية بشواهد محسوسة’ و من دونها لا يمكن ان تحضى الواقعة بقيمة تاريخية تستحق الدراسة من قبل المؤرخ ’ اذ لا موضوع في البين ليكون مادة للبحث التاريخي’ويبقى في عالم التصور و الخيال كنص اسطوري ضمن اطاره اللاهوتي او ادبي او ما اشبه ذلك’اما كنص تاريخي فعلم التاريخ يقف متفرجا عن ثمة شئ لا يعنيه .
هذا بأختصار شديد يشكل الدعامة الرئيسية التي يرتكز عليها منهج اركون في دراسة تأريخية النص الديني.
و به نصل الى الاجابة عن امكانية طرحه مشروعا بديلا للاصوات المنادية بتنحية الدين و اخراجه عن مسرح الاحداث في مجتمعاتنا الشرقية ’و التي جاءت كرد فعل متشنج للفوضى العارمة التي تسببت بها التيارات المتبنية للاسلام السياسي بعد سقوط الديكتاتوريات ’و التي جاءت متناسبة مع توجهات و تطلعات صناع المخططات السياسية الكبرى الهادفة الى اغراق المنطقة بحروب دينية داخلية تعتمد التشرذم الطائفي داخل الامة الواحدة لهدمها بمعاول ابنائها ’ واعادة تنسيقها على شكل اصطفافات و تكتلات متقابلة و متأهبة لابتلاع بعضهم البعض ’ اذ لم يجدوا افضل من مفردة الدين و رجاله لتمرير مخططاتهم ’ لان الدين بكل تعقيداته و تشعباته و تحكمه في جزئيات مجريات حياتنا ظل دائما و ابدا الفتيل الذي يتمسك به الفرد المتدين و الذي قد ينفجر بأي لحظة لشرارة بسيطة تشعلها فتوى غبية لرجل دين منتفخ ’لتحقيق مصالح ضيقة لكنها تعود بالنفع الاوفر للمخطط السياسي لنهب المزيد من ثروات الشعوب ’و لايجاد الحلول للطارئ من مشاكلهم الاقتصادية و توفير الفرص لحياة اكثر رخاءا لشعوبهم على حساب حياة اكثر بؤسا و ماساوية لشعوبنا .
و يبدو لي ان الفهم الواعي لمفردة الدين و ادراك موقعه الحقيقي في حياتنا سيقطع الطريق امام تسيسه و المتاجرة به ’ و من هنا طرحت مناهج عديدة من قبل المثقفين العرب لاعادة صياغة العقل العربي من خلال قراءة جادة للتراث و بضمنه الدين ’ لكنها جاءت محاولات فردية سرعان ما اجهضت من قبل المؤسسات الدينية ’ لكن الظروف الراهنة تضغط باتجاه تبني مشروعا و سطيا بين الافراط في تبني الدين و بين التفريط في تجاوزه’ و يأتي في طليعتها المشروع الاركوني و ما يشتمل عليه من خصوصيات هامة تساعد على فهم موقع الدين في حياة المسلمين ’ لكن مع العمل على اثراءه و تنضيجه و من ثم ازالة المعوقات التي قد تعتري مهمة تبنيه .
و تأتي في مقدمة تلك المعوقات منظومة الاصطلاحات والمفاهيم التي يقوم عليها هذا المنهج و المنتمية الى علوم الانسان و المجتمع كعلم الانثروبولوجيا و علم الالسنيات و علم التحليل النفسي ’ هذه العلوم مجتمعة قد اشبعت بحثا في الغرب الا انها لا زالت فقيرة في الاكاديميات الشرقية ’ و اذا ما اريد تطبيقها على الدراسات الدينية و بالاخص الاسلامية منها فانها تقف امام مشكلة حجم الاطار الفكري الغربي الواسع للاصطلاحات العلمية مع ما يقابله من اطار فكري شرقي ضيق لتلك الاصطلاحات.
بمعنى ان المشكلة في مدى امكانية استيعاب اللغة العربية للمصطلحات الغربية و صعوبة ايجاد مصطلحات وافية تصل الى حاق المصطلح الغربي بمعناه العربي و الاحاطة به من دون الاساءة الى فهمه من قبل المخاطب العربي ’ رغم كثرة الهوامش و التعليقات التوضيحية التي قام بها مشكورا الاستاذ هاشم صالح اثناء نقله لكتب اركون الى العربية ’ لكن المشكلة ليست اصطلاحية بقدر ما هي مرتبطة بعلوم تكاد تكون غريبة عن اللغة العربية .
و لعل هذا ما يفسر عزوف محمد اركون عن الكتابة بالعربية لمنهجه و استبدالها بالفرنسية و الانكليزية مع الاستعانة بالترجمة لنقل الفكرة و توضيحها .
بالاضافة الى شمول المنهج على ابحاث مبتكرة لم تاخذ كفايتها من البحث عند المهتمين بالفكر الاسلامي و على الخصوص بجانبه النقدي و هو ما اسماه اركون "باللامفكر فيه" في مقابل ايديولوجية الكفاح عن الاسلام المتمثلة بالخطاب التبجيلي السائد الذي يطرح الاسلام كبديل منقذ و تحت عناوين الاسلام يقود الحياة’ لكن من دون ان تكلف نفسها عناءا و لو يسيرا لحل الاشكاليات بروح الناقد .
اذن لا زال الشوط طويلا للاحاطة علما بادوات العلوم الحديثة و كيفية الاستفادة منها في الميادين الخاصة بالفكر الديني وعلى الخصوص علم الاجتماع الديني ’لاثراء هذا المشروع الضخم و امكانية تبنيه .