أكتوبر موعد مع الثورة... فالسكر مر يا خرطوم

عصام شعبان حسن
2013 / 10 / 1

ما اروع الضى فى عيون الناس وهى تهتف ، شباب وشابات وعجائز ، يرفعون الصوت يلهبون المشاعر بهتاف واضح ومعبر "احنا مرجنا مرجنا مرجنا ضد الخونة السرقو عرقنا " يرد عليه هتاف اخر " يا سودان ثورى ثورى لن يحكمنا لص كافورى" ثم ياتى الهتاف العام المشترك للثورات العربية ضد المافيات التى تحكم هذه المنطقة
" الشعب يريد اسقاط النظام "
اندلعت المظاهرت فى عدة مدن واحياء سودانية كانت ابرزها ( دني ، كسلا ، الابيض ، الفاشر ، بورسودان ، الدمازين ، كوستي وعطبرة وعدد من الجامعات ، وقدم فيها الشعب فى ستة ايام أكثر من 1500 معتقل ومئات المصابين وعشرات القتلى، لتشكل تلك الهبة الشعبية حلقة جديدة من نضال السودانين .
وها نحن فى بداية اكتوبر وكان للثورة فى السودان موعد ، لتتصل انتفاضة اكتوبر 1964 ضد الديكتاتورية العسكرية مع انتفاضة اكتوبر 2013 ضد تحالف الفاشية العسكرية والدينية ذات المصالح المشتركة نتاج الارضية الطبقية والفكرية المتقاربة ، والتى تنفى وتصادر الديمقراطية وحق الناس فى العيش الكريم سواء بنص دينى أو قرارات عسكرية استثنائية لكى تحافظ على تشكيلة طبقية وأجتماعية اساسها الاستغلال والنهب والقمع ليزيد الفقراء فقرا على ارض السودان فى السنوات الاخيرة .
وما بين الانتفاضتين تبرز انتفاضة أبريل 1985 التى قضت على حكم الديكتاتور العسكري النميري والذى امتد حكمة 17عاما ، حاول فيها ايهام الشعب بشعارات العدالة والاشتراكية والانحياز الى البسطاء تلك الشعارات التى استخدمت بشكل كبير كمبرر ووسيلة لتوسيع ملكية ونفوذ قطاعات كبيرة من بيروقراطية الدولة السودانية والجنرالات ، وحين فشلت الطبقة المسيطرة فى استمرارها بالسلطة عبر قوة الجيش دخلت فى شراكة مع حليفها التقليدى ( الاسلامين ) لحكم السودان وفرض الهيمنة الكاملة على مقدراته وموارده ، وحينما تمكن اخوان السودان من الحكم مارسوا كافة انواع القمع والاستبداد والنهب والفساد لتقطع اوصال الشعب وتعذب النساء فى الشوارع وتجلد بدعوى تطبيق شرع الله ،ومارست السلطة تميز طبقى وجهوى وأثنى ودينى فيهرب أو ينزح او يدفع للجؤ اكثر من 5 مليون سودانى خارج وطنهم .
يمكننا عبر مراجعة تاريخ السودان ونضال شعبه الجسور ضد الانظمة الديكتاتورية (وخاصة فى نصف القرن الماضى ) ان نعرف ان هذا الشعب العظيم يستحق الانحناء وانه وبصدق مدرسة نضالية عظيمة بل لا ابالغ حينما اقول انه أكثر شعوب المنطقة تقديما للتضحيات والشهداء من أجل "الحرية والسلام والعدالة "، لذا لم يكن مستغربا ان تكون "الثورة خيار الشعب "
وعندما نتتبع تطور الوضع الاقتصادى والاجتماعى وما وصل اليه الان نعرف مدى أهمية تلك الاوضاع كونها محركا أساسيا للحراك القائم وما سبقة من تظاهرات شملت عده مدن منذ سته اشهر مضت رفعت فيها شعارات "عائد عائد يا أكتوبر، و"نحن طلعنا وما فى رجوع نعلم نافع لحس الكوع ".
وقد جاءت المتغيرات الاقتصادية الاخيرة ومنها خطوة رفع الدعم عن الوقود وزيادة الاسعار كمن نزع فتيل الغضب الشعبى لينفجر فى وجه النظام ، حيث ازدادت معدلات الاسعار والتضخم بشكل موجع وهنا (تشير ارقام الجهاز المركزى للاحصاء فى السودان الى ان مؤشر التضخم العام (مجمل حسابات التضخم فى الولايات) وصل إلي 47.9% مرتفعا عن معدل التضخم لشهر نوفمبر 2012 والذى بلغ 46.5 ، لذا لم يكن مستغرب ان تقف أحدى المتظاهرات فى الميدان لتهتف "السكر مر يا خرطوم السكر مر " .
ومع استمرار الازمة الاقتصادية السودانية لم يجد نظام البشير سوى تطبيق سياسات التقشف وتخفيض الانفاق العام على الخدمات ورفع الدعم ، لتضيف تلك الاجرئيات عبئا جديدا ومعول هدم لنظام مهترى لم يبقى منه سوى جهاز الامن القمعى .
وحين نسترجع تاريخ هذا النظام المجرم لابد ان تقف بجانب شعار"سقطت سقطت يا كيزان " (كيزان هوالاسم الذى يطلق على الاخوان) حيث اعلنت الجموع الهادرة عمال وفلاحين فقراء وطلاب وثوريين شعارها "نحن عصينا وشيلنا عصينا وع الحرية ما توصينا" على مجمل ممارسات النظام السياسى من حروب ونزعات وقتل جماعى وتهجير وافقار ، هذا الغضب موجه الى حصاد ما زرعه البشير والمافيا السودانية التى تحكم الان ، حيث وجه موارد البلاد البلاد لانفاق موسع فى حروب وهمية بلا منطق ، مرة فى الجنوب ومرة فى دار فور وكردفان تلك الحروب كانت تغطية لازمة النظام وفسادة بل وبوابة لمزيد من الكسب وتكريس السلطة والثروة ومن تجارة السلاح والانفاق العسكري والامنى بدعوى محاربة الارهاب والمتمردين .
تصنف السودان ضمن الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل فى دول جنوب الصحراء حيث بلغ إجمالي الناتج المحلي 58.77 مليار دولار فى عام 2012 ، وأحتل السودان وفقا لتقرير منظمة الشفافية العالمية في 2012 المركز الرابع رقم (173) من أصل 179 دولة وكان مؤشر الفساد فيها بلغ 1.6 درجة من عشر درجات بينما حصلت مصر على 3.4 .
وعلى خطى مبارك واشباهة فى المنطقة اتجه النظام السودانى الى بيع وخصخصة الشركات الصناعية الكبرى لمعالجة ازمات الموازنة ولتحقبيق الثراء لطبقة محدودة العدد تعيش فى فيلات ومساكن شاهقة تتصور وانت ترها فى منطقة الخرطوم الجديدة انك تعيش فى نيورك بينما مناطق الفقراء والمهجرين تعيش مأساة ، فلا خدمات ولا رعاية بل ان نصف سكان السودان (أحدى دول نهر النيل ) لا يستطيع نصف سكانها الحصول على مصدر لمياة نظيفة ، فى مناطق الفقراء فقط بضع عروق من الخشب والصفيح للسكن وفى الخرطوم الجديد ترى نيورك تطل بملامح سودانية .

هذا ملخص المشهد الاقتصادى والسياسى القائم فى السودان ، والثورة خيار الشعب