[عنوانات البذاءة ]

شاكر حمد
2013 / 9 / 28


يقدم موقع – الحوار المتمدن – يومياً- العديد من المقالات والبحوث المعنية بالشأن العراقي, ألأزمة السياسية وتطوراتها اليومية,مثلما يقدم البحوث والدراسات ووجهات النظر المتباينة حول الأوضاع العربية وتداعياتها اليومية, فضلاً عن البحث المتواصل في الأزمات العالمية والرأسمالية والصراعات الطبقية ونقد الدين السلفي- الطائفي.

في هذا التيار الجارف يومياً يطل القاريء على المستويات المتباينة للموضوعات والأسماء والعنوانات المتباينة في ما يوصف بالنقد الموضوعي والعلمانية التي تتصدر شعار هذا الموقع اليساري الرصين. ولما كانت الحالة العراقية ماثلةً في هذا الجريان اليومي , فمن المؤكد أن تنعكس خطاباتها التصادمية وإيقاعاتها النفسية وعصبياتها القبلية وأصواتها الفئوية على تداعيات التناقضات القائمة , ولأن طابع الأزمة يتلاحق مع مسلسل يومي من العنف والتدمير, وسيناريو التقاطعات في الهوية وإلغاء الآخر وتصفيته معنوياً و....
فمن المؤكد سريان ثقافة الإلغاء والتصفية على نمط الخلافات السياسية مع التراكمات النفسية الموروثة في شحنها وتدويرها وتسويقها, بما يحرفها عن رصانتها اللغوية, ويهبط في خطابها نحو الإنفعال والعاطفة ومن ثم يصطدم القاريء- المواطن- بالحالة السلوكية البعيدة عن تطلعاته الثقافية والروحية, مثلما يتطلع الى الحلول الجذرية لأزمات بلده السياسية والأمنية والإجتماعية والخدمية.....

يتطلع المواطن الى تلقى الرؤية التوضيحية للمعضلات التي تتعقد على أرض الواقع, لا أن يرى الخصومات السياسية وقد إنحدرت الى مستويات لفظية هابطة, وقد تحولت الى كتابات بالعاميّة العراقيّة وشتائمها السوقية القبيحة.

لن يفرح القاريء وهو يطل على عنوان بذيء يهاجم فيه أحدهم شخصاً, مهما كان مخطئاً في موقعه – الرسمي- بلغة التسويق والأميّة والإفلاس الثقافي ( لغة الشارع المتخلفة ) فكان ذلك عنواناً للبذاءة في تسويق نمط المخاطبات الموازية للفوضى وإستهداف المتلقي – المواطن – وحرفه عن قراءة أزماته الحقيقية, ورؤيته لمكانته الإنسانية وآفاق تطوره, لينشغل بالظاهرة الشخصانية من الخلافات لا التناقضات الجوهرية وكيفية قراءتها والإنشغال بها والبحث في حلولها... لم ينتهِ الأمر عند هذا العنوان الرديء, الذي توخى فيه كاتبه أن يكون ( خفيف الدم) ليتبعه آخر على – الحوار المتمدن - بمقال مشابه باللهجه العاميّة العراقية, أحطّ لغةً ولفظاً وعنواناً . والمستهدف الأول والأخير , كما أسلفت, هو المتلقي – المواطن – في ثقافته ووعية قبل أي طرفٍ آخر, بتدجينهِ عقلياً على نمطية الهبوط الأخلاقي في اللغة,بديلاً عن الحوار العلمي البنّاء.

إن اللغة,بوصفها المنظومة الأخلاقية لعلاقات الإنتاج , تعبر عن البيئة المحيطية المنتجة لها. وقد فسرت الأدبيات الماركسية الكلاسيكية هذا المفهوم بقوة, فسكان الصحراء يمتلكون منظومتهم اللغوية الصحراوية ومثلهم سكان القطب الشمالي أو المدن على درجات تمدنها كما يصنفها إبن خلدون ويسايره الدكتور علي الوردي. وقبل خمسة عقود أصدر الفنان شاكر حسن آل سعيد كراساً بعنوان(دراسات تأملية) تضمن إنطباعات نصيَّة عن الظواهر اللفظية السائدة في محلات بغداد الشعبية ومنها الشتائم واللفظ البذيء. ولما كان نطاق عمل الفنان لايتعدى الإنطباعات التسجيلية فقد أغفل البحث في أصل الظاهرة اللغوية, الأمر الذي نجدة مدروساً في كتب علي الوردي, الذي يتوصل الى تفسيرات الماركسية في أن البيئة والعلاقات الإنتاجية تكونان المنظومة اللفظية وقيمها. وإن التحضر والتخلف, للمجموعة السكانية, ينعكسان على أنماط المخاطبات اللغوية كالأمثال الشعبية والنبرات الصوتية, المتعالية طوراً والمتواضعة طوراً آخر, وينسحب هذا التأثير على الأنماط الأدبية للشعوب, وعلى فلسفاتها ودياناتها وتقاليدها , بحكم سيطرة الطبيعة وثرواتها وعواملها المناخية والجغرافية.ولا مجال هنا للإفاضة في هذا الموضوع .

أقرأ الكتابات الساخرة لكتّا ب – الحوار المتمدن – كلما ظهرت وأستمتع بهذا الأسلوب الناقد للسياسات المتسلطة على الشعوب العربية وما جاورها, ولم أجد مايحطُّ من مكانة قارئها المفترض أو معاكسة مزاجه, أو إستهداف وعيه إلاّ القليل النادر. لقد شاع هذا الأسلوب في كتابة الأعمدة الصحفية وعلى الصفحات الشخصية للكتاب والسياسيين والفنانين, وذلك من فضائل الفيسبوك وتحرير العقول من الرقابة الى حدٍ ما. لكني أعتقد أن سكان الفيسبوك لايمكن أن ينتسبوا لعشائر في المريخ ويرصدون خلافاتنا من هناك.

لسنا معنيين بالدفاع عن الظاهرة السلبية في السلوك الوظيفي لهذا المسؤول أو ذاك. إنما المطلوب في الكتابة – الخصومات – أن تتخاطب مع وعي القاريء بوصفهِ وعياً علمياً, حضارياً, تتخاطر فيه الكلمات مع تطلعاته الفكرية. فأن تهاجم شخصاً أو تشتمه في الهاتف يختلف عن كتابة مقال ضده. وحتى في الحالة الثانية ثمة مستويات للخصومة على الورق أو في الموقع فإلى جانب هذه الإعتبارات ينضمّ القاريء – المواطن - بوصفه طرفاً معنياً بالتلقي والمخاطبة وهدفاً مرصوداً في معادلة التصادمات الثقافية. فالكتابة تعنيه وتستدعي إستجاباته, وفيها سعي الكاتب لإستعطاف موالاة القاريء لنوع الخطاب الشخصاني القائم على الخصومة . إنها بلا شك إمتدادات الأُصول البدوية لماقبل التمدن الحضاري. ومن إشكالياتها ذلك الميل الهابط في توظيف النكتة عند مهاجمة الخصوم, وهي سلاح فتّاك يمتلكه الضعفاء متى ما إستطاعوا. ولأن الضحك هو الحاصل بفعل إنفجار التناقض في المشهد الواقعي , كما يراه ماركس ويؤكده هنري برجسون في (فلسفة الضحك) فإن هذا السلاح مزدوج الفعّالية وذو حدين في نفس الوقت, أي (ضحك على الذقون) بمعنى تدمير الخصم من خلال تدمير محيطه, غلافه الجوي – ألإجتماعي , السياسي, الثقافي, الشخصي......الخ,تدميراً معنوياً.

لايهم القاريء أن ينصرف عن قراءة المستويات الهابطة, ولاتعنيه غاياتها ودوافعها. فالوقت لايكفي لقراءة المتابعات الرصينة يومياً فضلاً عن المطولات الهامّة والدراسات في مختلف الأبواب. لكن الأمر يختلف حين تتسرب ظاهرة الهبوط لتشمل أسماء , تقف في ميدان الثقافة العلمية اليسارية, تستهويها( خفة الدم) فتنساق وراء الهبوط اللُّغوي و إلإنحطاط الثقافي.. أسماء مثل د- صادق إطيمش , في عنوان هابط يوم 27- 9- 2013 كما لو أن - ثقافة الإنحطاط – هيمنت على الجميع.. ولم يأتِ بإضافة, إنما أعاد مانُشر خلال اليومين الماضيين للمقالين المذكورين في – الحوار المتمدن- بصياغة موحدة لفظياً, في التجريح والتسفيه, والمحافظة على الترديدة المنافقة في الحرص على أموال الشعب العراقي المنهوب مع سيل النكات الفجة الرخيصة . إنه باب جديد للضحك على البسطاء والعاطلين ومتصفحي المواقع قبل غيرهم.

أستذكر هنا مقالات ا لراحل شمران الياسري(أبوكاطع) ولغته الشعبية الناقدة للظواهرالسياسية و الإقطاع في الريف ب(صراحتهِ) في (إتحاد الشعب) وبعدها في (طريق الشعب) وفي رباعيته الواقعية التي أنتج فيها نوعاً أدبياً مميزاً في السرد الروائي الجديد. وذلك الموروث الشعبي النبيل والقيم النضالية الأصيلة التي جسّد فيها واقعية اللغة السردية الشعبية. كم هي رائعة تلك اللغة التنويرية الجميلة التي تستهوي القاريء فلاّحاً كان أم أستاذاً جامعياً أم أديباً...