بالجهل وحده يحيا الشرق

ابراهيم زورو
2013 / 9 / 24


من بين الامراض المعدية والسارية والتي لا دواء لها هي الجهل، هو مرض انساني بامتياز، ويمكن أن نذهب الى القول لنقول هو الحد الفاصل بين الانسان وسائر المخلوقات الاخرى على سطح كوكبنا، يصيب عقله ونفسه دون جسده، ويجعله مفترساً بين اقرانه من المثقفين وعلى تواصل دائم معهم كي يبدي سلوكاً مثلهم، ولا يتأثر بهم ويمكن أن يؤثر عليهم نتيجة جهله وغباءه، وعدا ذلك أنه ينتمي إلى اسرة ولديها علاقاتها مع محيطها وبالتالي تواصله يصبح جزء من الواجب تجاه هذه الاسرة أو تلك المتعلقة بها، بقول الواحد لا يمكن اقصاءه لتلك الاسباب المذكورة، كان من الممكن إيقافه في أقرب مدرسة للتأهيل النفسي كونه حامل فيروس الجهل ويعدي منه. وقيل في الجهل لغوياً، أما أن يكون بسيطاً أو مركباً، فالبسيط منه يعرف أنه جاهل ويقر بذلك، أما المركب فلا يعترف بذلك وهو أمر في غاية الصعوبة. والاكثر عويصاً عندما تكون والحالة هذه مرافقة مع مرض نفسي اخر، يا له من طبخة تأكل نيئاً!؟. وفوق هذا وذاك إذا كان هذا الجاهل مؤدلجاً!!؟؟. ليصبح قنبلة موقوته ومعدة للانفجار في أية لحظة ولا يمكن الاقتراب منه في أحسن الأحوال؟. وصيانتها مشكلة معرفية، لإن مثل هذه الحالات المرضية يكون الصمت عنوانه الاكثر بروزاً، وفوق هذا وذاك يفتخر بنفسه في جل أوقاته، وينسى أنه لوحة سوداوية بكل ما تعني الكلمة من المعنى، ويمكن توصيفه بأي شيء سوى أن يكون انساناً.
والعلم في هذا الوقت قد دخل في أكثر الاماكن خصوصية والحصول عليه بات سهلاً وفي متناول اليد " لم يراكم اي عصر في الانسان معارف عديدة إلى حد كبير ومتنوعة مثل عصرنا. ولم ينجح اي عصر في تقديم معرفة للانسان في شكل اكثر تعلقاً بنا. ولم ينجح اي عصر في جعل هذه المعرفة سهلة المنال بهذه السرعة وهذه السهولة، كما ان اي عصر ايضا لم يكن اقل معرفة لما هو الانسان" .
الجهل الذي نعانيه في هذا العصر لا يغتفر كون القلة القليلة من يعملون في هذا المجال، والاكثرية الساحقة لم تحرك ساكناً لرفع مستواهم ولم يتعبوا على أنفسهم ابداً، أو قل انهم قد تشيؤ تماماً واصبحوا اصناماً في القصص والروايات الخرافية، متى ستقتل الروح الشريرة كي يرجعوا إلى ذواتهم. وكأن الثقافة والعلم من ترف باذخ لا يحتاج إليها، وينبغي الابتعاد عنها، ولا يستطيعون الربط بين العلم والثقافة وبين الواقع ونمط حياتهم، ولا يعرفون أن الثقافة والعلم ينظمان حياتنا ويشذب من سلوكنا. يقولون عن العلم والثقافة بأنهما تجريديان ولسنا بحاجة إليهما، ولا يصبحان جزء من حياتنا، والتجريد الذي يقصدونه، ليست لها علاقة بالتجريد الذي يعانيه العلم وبعض العلوم الوضعية، ولا ينبغي المزج بينهما، وحيث أن الثقافة لا تميل إلى التجريد بل تساهم في رفع المستوى الحضاري للشعوب وهذا ما نراه بالانسجام بين الشعوب التي تلقت الديانات السماوية كانت أقل حضارة وثقافة من الذين لم يتلقوه، رغم أن الديانة ليس تجريداً بكامله، بل الهدف منه تخويف تلك الشعوب على التمسك بالاخلاقيات المعينة وإلا فالعذاب السعير سوف تلتهمهم، بل التجريد الذي يقصدونه هنا، الجنة والجهنم، علماً هما ليسا من افكار تجريدية بل ممارسة غيبية وعقوبة لمن لم يمتثل بالمستوى الحضاري لذلك الدين الذي يدعو الى الحضارة ورقي بالانسان الفرد إلى مستوى معين بالقياس إلى حضارة الشعوب الاخرى، هذا من الجهة، ومن جهة اخرى تقلص نفوذ الدين بعد أن دخل العلم في اغلب مفاصل الحياة. وصار الدين في زاوية ميتة يلعب دوراً ستاتيكياً جامداً ويعارض العقل. هنا لا يصبح الجهل مركباً فقط بل تعدى لتكون مجموعة من المركبات والجذر والارخبيلات التي تتداخل بعضها ببعض ليكون مركباً واحداً يتناسق مع ذاته ومكتفيا به، ولا يعترف أن به نقص، فيرتمي الى حضن الله وكي يحمي جهالته ويخفيه عيوبه عن عيون الناس، لهذا ولا يمكن ان يتفكك هذه الجذر والارخبيلات كونه لا يعترف بمرضه وجهله، وأصلاً هناك مقولة لدى ممارسي الطب، على المريض أن يلجأ إلى العيادة ويستنجد بالطبيب، وعكسه ليس وارداً. وكل خوفي من يأتي من اصحاب الايديولوجيات ليحلها وفق منطق القوة وهذا الامر في غاية الصعوبة عدا أن استخدام القوة لا يجدي نفعاً، بل من جانب آخر هو تحد للعلم وللثقافة ورغم ذلك يجب أن نبتعد عن إي منطق آخر من شأنه أن يترك جرحاً لا يندمل بمرور سنوات وقرون.
وكل تخوفنا أن انقسام ما يسري كي يفكك العرى بين الجسد والفكر، وهذا يزيد الطين بله، بقول واحد نحن أمام موزاييك غير واضح الحدود والمعالم. ثم أن مشكلة الجهل، هي نفسية أول اعراضها تتمثل في الخوف من نفسه والاخرين، تتمثل في عدم الاعتراف بالمرض وتمزيق النفس وتشتيته، وحيث ان كل تلك المشاكل قد ساهمت في تخريب البنية العام، وهنا يكون بيت القصيد.
إذاً عصرنا هو اكثر العصور معرفية والحصول على المعلومة من اسهلها، واكثر من اي عصر اخر، لما شهد عصرنا من التطورات، كصحافة والتلفاز والنت بكلمة واحدة هي ثورة الاتصالات. إذا كل شيئا متوفراً، فالتعب النفسي يجعل الانسان كسولاً وغير واثق من نفسه ولا يفكر لأن يكون حاضناً لهذه المعلومات لم يجهد نفسه قيد انملة في أن يكون ذا بعدا ومعرفة هذا ما ينقصنا في عصرنا، وبكلمة واحدة أن الاشياء متوفرة ولكن الانسان ليس متوفرا في أن يقود نفسه وعصره. ولهذا كان مقاصد هيدغر صداها لدى مقاصد شيلر الذي غالبا ما جرى الاستشهاد بها وسبب ذلك" لم يكن الانسان ابدا في التاريخ كما نعرفه اكثر من اليوم كمشكلة بالنسبة اليه نفسه" .
كيف إذاً والحالة هذه أن نعالج مشكلة الجهل، ومثل هذه الفئة هي التي تسيطر على مقدرات المجتمع الثقافية، وهي التي تعطي صكوك المعرفة الحقة، وهي التي تقيم المثقفين وهي التي تعطي شهادات حسن السلوك، وليس في الافق ما يلوح بالخلاص من هذه المشكلة.
كتب تشارلز ديكنز عام 1848 "نسمع أحياناً الكلام دعوى عن التعويض عن الاضرار ضد الطبيب غير الكفء الذي شوه احد الاعضاء بدلا من شفائه. ولكن ماذا يقال في مئات آلالف العقول التي شوهتها الى الابد الحماقات الحقيرة التي ادعت تكوينها". وكأن تشارلز يريد ان يقدم مثل هؤلاء الى محكمة عادلة كي ينالوا عقوبتهم. وتعتبر مثل هذه الافعال من اكبر الجرائم الواقعة على اغلبية الساحقة من البشر، كونهم يريدون ان يلغوا العقل عن عامة الناس ليكون مثلهم. اهناك جرم يعادل مثل هذه الجريمة البشعة!!؟؟. وحيث أن اثار هذا الجرم سيبقى دهراً من الزمن دون شفاء. يا له من جرم لم يبحث القانون عنه، ولكنه يكتفي بالقول ان القانون لا يحمي المغفلين؟؟. وفي هذا الكلام اجحافاً بحق العلم نفسه، وينسى القانون بأن وراء المغفل جاهل يزجيه عن سابق الاصرار والتصميم الى فعل ذلك. والاكثر من ذلك يجب على القانون أن يبحث عن اسباب غفلته –اذا جاز التعبير- وعليه يجب أن تؤشر بالبنان، ويحاسب على أنه صاحب المشكلة، ولكي يكون عبرة لمن تسول له في دفع الناس إلى خفايا الأمور، وحينها يتم إحاطة بالجاهل من كل حدب وصوب، كونه إي الجاهل يرى نفسه في كل شيء ويبدي رأيه في شتى العلوم، هذا الذهان الستاتيكي مرتبط بكينونة غارقة في عتمة عقل لا يجيد السباحة في نهر الحياة المتدفق من كل بد، ويقع على كاهل المثقف العضوي جهداً زائداً في أن يعمل ليل نهار كي يقنع الناس بأن يعّرف الجاهل ومستواه الثقافي والحضاري. من حيث أنه يهاجم الناس هجوماً حقيقياً كي يخلق حوله وهماً بأنه سوي. ولكنه ينسى بأنه لا يصلح حتى أن يكون صنماً.

1- الجهل الجديد ومشكلة الثقافة توما دوكونانك ترجمة منصور القاضي طبعة اولى 2004 مجد للمؤسسة الجامعية لبنان بيروت ص 14 كناب الكتروني.
2 – نفس مصدر السابق.