تحديات الحركة الشعبية الديمقراطية

سمير أمين
2013 / 9 / 15

أولاً : يُكتب الكثير الآن عن مصر، وهو أمر مفهوم بالطبع، حتى لو جاء من أناسمعرفتهم بالعالم العربي محدودة. ويحصل الكثير جدًا من هؤلاء على معلوماتهم منوسائل الإعلام الغربي الكبرى، وهي معلومات تشبه مثلاً ما يتم تداوله عن فنزويلاعلى سبيل المثال، حيث التشويه المنهجي بل وحتى الزيف الكامل في أغلب الأحوال. كمايقع كثيرون في تسطيح المسألة بوضعها في حيز ثنائية "احترام نتائج الانتخابات(ونحن في مصر نقول عن حق: ما تسمى انتخابات) أو تأييد قيام سلطة عسكرية".

إنالتحدي الحقيقي القائم لا يسمح بهذا التبسيط الزائد للمسألة. "فالحركة"-وهي حركة جماهيرية هائلة- تعبر عن عدد من المطالب: (1) العدالة الاجتماعية، (2)احترام كرامة وحقوق الإنسان (أي فهم أوسع للديمقراطية من اختزالها في الانتخابات)،(3) احترام السيادة والاستقلال الوطنيين. وهي مطالب تقدمية ومتكاملة موضوعيًا،وتعني التخلي عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية التي تعتبر أساسالكارثة التي تعيشها مصر، وبالتوازي مع ذلك: الابتعاد عن الانحياز للولاياتالمتحدة وحلفائها (أوربا، إسرائيل، بلدان الخليج العربي) في السياسة الدوليةوالإقليمية. غير أن قطاعات واسعة في الحركة تفهم ذلك بشكل جزئي، وأحيانًا يتم فصلالمسائل عن بعضها البعض في أحسن الأحوال. وتستفيد قيادة القوات المسلحة من هذاالضعف فمن ناحية دعمت مطلب الجماهير الشعبية (بإزاحة مرسي)، ومن ناحية أخرى لمتمنح الحركة أي سلطة (حيث احتفظت بها لنفسها). وهذا هو الأساس الذي يجري عليه الصراع،وليس الأساس الذي تقدمه جماعة الإخوان والدول الغربية. إنه صراع يهدف إلى إجبارالحكم على تنفيذ المطالب الثلاثة سابقة الذكر، ولا يهدف بالتأكيد إلى المطالبةبعودة حكومة جماعة الإخوان المنتخبة كما يقال عنها!


ثانيًا:

بالنسبةلمن يرغبون في معرفة ما قلته، وليس ما يقول من لا أعرفهم إنني قلته (!) أرجو أنيرجعوا إلى القائمة التالية:

1)الرأسمالية الليبرالية، رأسمالية المحاسيب، والتنمية الرثة، على موقع"بامبازوكا" Pambazuka بتاريخ 21/11/2012.

وقدأضفت إلى هذه الورقة بعد سقوط مرسي أن الصراع يتواصل بين الحركة الشعبية (من أجلتنفيذ الأهداف الثلاثة المذكورة) وبين حكومة حازم الببلاوي (أغسطس 2013) المستمرةبوضوح في تنفيذ ذات الوصفات النيوليبرالية للحكومات السابقة في عهدي مبارك ومرسي.

2)النصر الانتخابي للإسلام السياسي في مصر، على موقع بامبازوكا بتاريخ 28/6/2012.

3)ربيع الشعوب ومستقبل الثورة العربية، كتاب نشر عام 2012 في سلسلة كتب فهامو Fahamu، ويراجع الفصل الأول بشكل خاص.

4)أضيف هنا المقابلة الصحفية التي أجرتها معي بيفيانج Beifang الصينية بتاريخ 15 يوليو، والتي نشرت تحت عنوان "التحدياتالتي يواجهها الشعب المصري اليوم". وقد نشرتها على صفحتي في الفيس بوك، وعلىمدونتي. وقد أسعدني أن أجدها منشورة في موقعي بامبازوكا والمنتدى العالمي للبدائل.

5)ويمكن للقراء العرب الاطلاع على مواد أكثر، ومنها الجزء الثاني من كتاب "ثورةمصر" تحت الطبع.



ثالثًا :

لقدكتبت (بالفرنسية): "يجب النظر إلى سقوط مرسي كانتصار للشعب المصري" (وهوما تحقق نتيجة احتجاجات جماهيرية ضخمة ضد حكم الإخوان المسلمين). وأضفت أن قيادةالقوات المسلحة استغلت الضعف التنظيمي للحركة الشعبية كي تقتنص هذا الانتصارلنفسها فقط (انظر أعلاه). وقد طورت هذه النقطة بنقد السياسة النيوليبرالية لحكومةالببلاوي.

فكيفيمكن إذن لشخص حسن النية أن يكتب "سمير أمين يؤيد الانقلاباتالعسكرية"!! إنه ببساطة عدم أمانة.

كتبتأيضًا أن تقدم الديمقراطية (بما فيها الانتخابات العادلة والنزيهة) لا يمكن أنيتحقق إذا انفصل عن التقدم الاجتماعي. فانتهاج السياسات التي تربط"الديمقراطية" (بعد اختزالها في الانتخابات) بالسياسات النيوليبرالية(التي تفضي حتمًا إلى الانحدار الاجتماعي) يؤدي ببساطة إلى قتل منظور الديمقراطيةالتي تفقد مشروعيتها، وبما يفتح الطريق أمام قوى غير ديمقراطية (مثل الإخوان المسلمينأو الهندوسية السياسية ممثلة في حزب بهارتيا جاناتا). فهل أنا مخطئ؟ ألا تتحول"الانتخابات" في هذا الإطار إلى نوع من الهزل إن لم تكن مجرد خداع؟

إنتصنيف موقفي هذا بأنه "ستاليني" هو ببساطة استخدام لنفس الأساليبالرخيصة الشائعة لتجنب التحليل الجاد للتحديات.

هليمكن وصف موقفي (بالنضال من أجل الديمقراطية المرتبطة بالتقدم الاجتماعي ونبذالسياسات النيوليبرالية) بالموقف "الرجعي"؟

إننيمشدوه بالفعل. فهل الموقف التقدمي هو موقف وسائل الإعلام الغربية الكبرى (ومنورائها الدول الكبرى والهيئات المانحة) التي تدعو إلى الإذعان للسياسات النيوليبرالية؟ هل يمكن أن نقبل هذا؟ أي هل نقبل الامتناع عن الذهاب إلى أبعد مما تسمحبه القوى الإمبريالية ووكالاتها؟



رابعًا :

لقدتحقق سقوط مرسي نتيجة لتمرد واسع قام به الشعب المصري ضد جكم جماعة الإخوانالمسلمين.

ومعذلك يبدو للأسف أن البديل على المدى القصير سيكون: إما دكتاتورية عسكرية أودكتاتورية جماعة الإخوان. ويرجع هذا الوضع المحزن إلى ضعف الحركة. فعلى الرغم منتمتع الحركة بتأييد واسع جدًا في البلاد (ربما يصل إلى 80% بمن فيهم ملايين ممنسبق أن انتخبوا الإخوان وندموا على ذلك بعد أن اكتشفوا الوجه الحقيقي للجماعة)مازالت صراعات المواقف والمصالح والقيادة داخل الحركة غير محلولة حتى اليوم. وهوموقف يشابه الموقف في الجزائر، حيث هزم الجيش جبهة الإنقاذ، وكذلك الموقف في سورياحتى اليوم. إنه موقف محزن، لكنه يعني ببساطة أن مهمة القطاعات الأكثر وعيًاسياسيًا داخل الحركة هي العمل الجاد من أجل تسليح الحركة ببرنامج واستراتيجيةواقعيين. وعندما يتحقق هذا سيصبح من الممكن توفر بديل حقيقي، أي جبهة شعبيةديمقراطية ومعادية للإمبريالية.

فيالوقت نفسه نلاحظ أن قيادة القوات المسلحة قد عزت على استخدام العنف المفرط"لاستئصال" جماعة الإخوان (إطلاق الذخيرة الحية على مظاهراتها). وفيالحقيقة أن هذه القيادة تستفيد من تأييد عموم الشعب. وهو ما قد ساعدت عليه أيضًاالاستراتيجية التي اتبعتها جماعة الإخوان، التي تأمل في إخفاء هزيمتها السياسية عنطريق التحول إلى استخدام العنف بهدف الظهور بمظهر "ضحايا" الدكتاتوريةالعسكرية. لقد هدد الإخوان المسلمون- ونفذوا تهديدهم فعليًا- بخلق مناخ الحربالأهلية، وخاصة في صورة الاعتداءات المنهجية على الأقباط. ويغطون أنشطتهم العنيفةبدروع بشرية لبنات في سن 7-10 سنوات (والتي تبدو قيمة حياتهن أقل من نظرائهن الأولاد!)..الخ.ويجب إدراك أن الإخوان يمكن أن ييكونوا مؤذيين حتى وهم مهزومون، فهو تنظيم يضمقرابة 600 ألف عضو، قد يكون من بينهم 100 ألف عضو مسلح أو تلقى تدريبًا عسكريًا.

بالرغممن كل هذا لا أعتقد (ويشاركني في هذا القطاعات الأكثر وعيًا سياسيًا في الحركة) أنالقمع يمثل الوسيلة الأكثر فعالية للتعامل في مجال السياسة. ويمكن أن تكون هزيمةالإخوان أكثر أمنًا عن طريق حملات سياسية جادة لشرح حقيقة الجماعة (وهو ما يتطلبحرية الحركة على نطاق واسع). لكن هذا يعني أيضًا فضح السياسة النيوليبرالية التياتبعها مرسي. وهو الإطار الذي مازالت حكومة الببلاوي قابعة فيه، لكن من المحتملألا يكون الجدل الحقيقي والشامل غير مرغوب من الجميع!