قراءة في أسباب التقدم والتأخر فى التجربة الكورية المصرية من خلال ثلاثية نجيب محفوظ ورواية الأجيال ليوم سانغ سوب

محمد طلعت
2013 / 9 / 13



يبدو أننا ليس في الشرق سواء، لكن ثمة اختلاف جوهري بين الشرق الآسيوي والشرق العربي. الشرق الذي أعنيه هنا يكمن بين الضدية اللفظية والمعنوية والحياتية المتجسدة في المفردة اللغوية وعكسها في مفهوم هذه الثنائية (الغرق / النجاة) التى تكمن بدورهما في كل الأساطير المحيطة والخوارق المدونة، تارة باسم الأنبياء وتارة باسم بشر.. ما بين من استسلموا لقصص الاصطفاء ونالوا الحلول السهلة من رب السماوات، ليؤسسوا الجنات بين السحب وبين من تحدوا التنين وقهروا الخوف والغيب وأسسوا ممالكهم على الأرض. هنا لا أسجل مقارنة على أسس الأفضلية، لكن التسجيل هنا على مقاربة بين عقل يحترف البناء وبين نفس تهوى البخور مع صوت القنابل.. أعني ما بين الارتكان للأوهام بحجة رب السماء معنا في تلك الأساطير الموشومة بخمول التواكل، وحين تعمل هذه النفس لا تفكر إلا في كيفية أن تنفجر أشلاء مدهوسة على قارعة الطريق تجلب التعاسة والخراب على الآخرين.

إذن نحن أمام مفهوم واحد لمعنى قيم الشرق، لكن هذا المفهوم يتشتت عن فطرته والغرض منه إلى شرق يتمسك بالحياة والعمران والتقدم والحداثة مع الحفاظ على الهوية القومية وتقديس الحياة والعمل بجدية، وبين شرق يتمسك بطقوس وشعائر يظن أنها من أصول الدين، والدين منها بريء. شرق استفاد من معتقده الروحي ليبني روحه كي تكون عماد الدنيا والحياة وترسيخ هوية الأوطان. وشرق استفاد من معتقده لملك رقاب مجتمعه والحكم المطلق وإكراه الناس في الدنيا والدين والحياة وطمس هوية الأوطان.
بين هذا وذاك يتجسد عناصر الابتكار، بين التجديد والجمود في ثنائية التقدم والتأخر(النجاة/الغرق) فى بلدين عظيمين من أقدم بلاد العالم أصحاب حضارات قديمة (كوريا الجنوبية ومصر)، والبلدان يعدان نموذجا لاختلاف المفاهيم التى أعنيها بين الشرق الآسيوي والعربي.

شرقنا نحن العرب برغم بداياته الحميدة واشتراكه في المفاهيم العامة إلا أنه انعزالي بطبعه نهم في شراهة الخيلاء والأفضلية والتطرف سواء فى المدح أو في القدح، وعلى الرغم من الرسالة المحمدية التى حاولت أن تهذب هذه الشخصية لبعض الوقت إلا أن الطابع السيء في الاستعلائية والنعرة بوحدانية الشخصية في امتلاكها الحقيقة ومن عداها حتما خارج عن الملة والعرف والتقاليد. هذه الشخصية العربية غير المستقرة بمكان ما ولا تعترف بوطن ما ولا تشعر بأي ألفة نحو المكان سوى المكان الذي وهبته الطبيعة سبل الحسن والجمال ليأتي هذا المشتت بين الفيافي ليحتل هذا المكان ويعيش فيه إلى أن ينضب وينفض حسنه يتركه هذا العربي باحثا عن مكان آخر. ولم تسجل أدبيات العرب في تاريخهم الجاهلي إلا أبيات البكاء على الأطلال. لكن لم تسجل لنا هذه الأدبيات المنطوقة على لسان العربي نفسه أنه قد بنى أو عمر مكانا جديدا. هذه الروح الفارغة من الإحساس بالوطنية فهي لا ترى فى الحياة إلا ذاتها وذاتها فقط، لذا لم يكن مستغربا أن الشعر العربي في تاريخه القديم يدور حول الذات وشتاتها وبكائها على الأطلال والنعرة والاستعلاء وتعدد الصفات. هذه الروح لم تترك فطرتها التى جلبت عليها حتى بعد أن تمكن من قلوبهم الإيمان لكن هذا التمكن كان لبضعة وقت انتهي بانتهاء العهد المحمدي وإدخال صباغات المُلك على روح الرسالة لتتحول من هداية الناس أجمعين إلى امتلاك الناس جمعاء لامتلاك الدنيا باسم الدين والتنقل فى الأراضي الخيرة إلى أن تنضب، ثم ينتقلون إلى غيرها. هكذا طبيعة العربي سيء الخلق والعقيدة - وفقا لمفهومه الخاطئ للعقيدة - إذ لا يري فى عقيدته المذهبية إلا مفهوم التسلط وعبدنة جميع البشر لما يعتقد هو في عباداته، وهو بذلك يعتقد أنه يفعل الصواب فى الشرعنة التي تتسم بالحقد والغل والكراهية للوطن والشعب ظنا منهم أن شرعنة العباد والحياة وفقا لمذهبهم وضحالته ما هي إلا السعادة والثراء الأبدي. وهذا الظن والفهم لدي الشرقي العربي حول تمسكه بأي حجة تمكنه من التمكن من المكان والعباد ما هو إلا فهما خاطئ، فهو لا يختلف عن ماضيه قبل الرسالة المحمدية أو بعدها، كان ومازال التطور في عقلية الشرقي العربي كيف يستفيد من الدين الجديد لمزيد من أبهة الملك. إنهم ملتحون كما كانوا من قبل بكائين وفى الحالتين يدمنون الاطلال. لا ينظرون الى اليوم أو الغد. لا يعترفون إلا باختيارهم وحريتهم وسعادتهم، وغير ذلك ما هو إلا كفر وشرك وشقاء.

انتقل هذا الإرث عبر الأجيال لدي الشرقي العربي وأصاب هذا الخلل الشرقي صاحب الحضارات القديمة وما أعنيه هنا هو مصر والمصريين. فهل هؤلاء مصريون؟ هل هؤلاء أحفاد بناة الأهرام أصحاب حضارة عشقت البهجة والوسامة. حضارة تحدت العدم والفناء، فكيف يكون هؤلاء مصريين وهم يعشقون العبث والعتامة والجهامة والخراب.؟
نعم تغيرت جينات الروح والمنطق الحضاري في خارطة المصريين التى تلوثت بتلك المزاعم والأوهام بعد أن وطأتها أفكار تبدو كدين رب العباد وهى منه كفحيح إبليس لرمي بذور المعصية في التشتت وهدم عماد الأسرة الواحدة اعتمادا على الترهيب فى ثنائية الكفر والإيمان. تلك الثنائية التى ابتكرها سيد قطب في معالم على الطريق وتلك الثنائية التى رواغت فيها الجماعات المتأسلمة تحت قبول المجتمع من بند العذر بالجهل.

اللوحة العبثية هنا لحياة المصري التى تلوثت جيناتها بعض الشيء غير الهين في انشقاق المصري ابن الأصول ذات الحضارة عن نفسه وعن وجدانه العاشق للبهجة حيث يجسد هذا نجيب في محفوظ فى مشهدية شديدة الخصوصية في الثلاثية حول البيت المصري والاختلاف الايديولوجي بين الأشقاء أبناء الأسرة الواحدة في ضدية تعسة يرسمها حدود التطرف والمغالاة، فكيف هذا؟
تبدأ القصة السوداء منذ بدأ العرب خلع روح الرسالة المحمدية والخروج من تحت مظلة عرش الرحمن ليجلسوا على خازوق عرش مُلك الدنيا ليتحدوا الصفاء والأقدار. يقلدون صاحب الحق في كينونته الأبدية (يحكم فيطاع)، مع سرقة الأوصاف الربوبية لذواتهم، ولعل مقولة يزيد بن معاوية حين رأى رأس الحسين خير دليل، بل صفات الخليفة عند الفاطميين خير دليل، بل احتكار الدين وزعم هؤلاء اللصوص أنهم وكلاء الله في الأرض وكل ما نراه منهم الآن خير دليل. هذا ليس عداء كما سوف يتهم بعض الجوقة المتأسلمين من الأصوليين كل من أتي بقول مخالف مفند محلل ناقد مقارن إنما هو بحث في متون الأوهام التى تغلغل العقل العربي من ثمة العقل المصري الذى تعتني به هذه المقالة مقارنة بينه وبين العقل الكوري.

نحاول في هذا الطرح أن نقتفي أثر النص الروائي الشرقي ما بين الرواية الكورية والمصرية. خاصة رواية حكيم الرواية العربية وفتوتها الجبار"نجيب محفوظ"، في روايته الأشهر"الثلاثية"، وبين حكيم الرواية الكورية ونهرها الهادىء" يوم سانغ سوب " في روايته الأشهر"الأجيال الثلاثة". ومن هذا النص الروائي سوف يتضح لنا كيف الكوريون بنوا بلدهم وكيف المصريون أضاعوا بلدهم؟
يجيب النص الروائي المشترك هنا عن هذه التساؤلية التى تدور باختصار شديد حول مفهوم طرائق الاختيار. محفوظ وسانغ سوب كرس نصهما على روح المجتمعين المصري والكوري على أساسه الفطري والسليم الذى يدور حول- لو جازت لنا هذه الصياغة-:" من الإمكان أن أعلمك كيفية اختيار طريقك وليس أن تختار طريقي. هذه هى الحرية ". بهذه العبارة التى يؤكد عليها متن النص الرواية الكورية والمصرية معا. لكن يتضح مشاهد النص الروائي على تجارب الشخصيات بأن النص الكوري ينتصر فى النهاية إلى تحقيق هذه العبارة متنبأ لها بالديمومة مفترضا أن الكوريين لو أخذوها عقيدة فى حياتهم سوف يتقدمون. وهى نفس النبوءة التى تنبأ بها محفوظ لكن قد خاب أمله في تحقيقها. إذن كيف نجحت النبوءة فى كوريا وتأخر تحقيقها فى مصر؟
على صعيد الأسرة المصرية ومن ثم الوطن ككل يكمن التشتت المتطرف في المغالاة باعتناق الأفكار دون تطويرها وتطبيعها مع النفس ومع الحالة العامة للوطن يأتي كل من "أحمد شوكت / عبد المنعم شوكت" بالشطط العام ما بين التدين المتزمت وبين الإلحاد بكل معتقدات الأسرة، فمثل جانب الفكر الديني المتزمت "عبد المنعم شوكت" الذي انضم لجماعة الإخوان المسلمين. ومثل جانب الفكر الإلحادي "أحمد شوكت" الذي انضم إلى الجماعة الشيوعية. فقد ذهب هذا الجيل بطرائق تفكيره الجديد الذي انعكس على المجتمع ككل في صراع التيارات الفكرية ما بين الأصولي والعودة للماضي الذي يمثله الفكر الديني للإخوان المسلمين والفكر التقدمي الاشتراكي الشيوعي الذي يرى في الدين عائقا ذهنيا لتطور المجتمع الديناميكي لغد أفضل. في حين أن أسرة "آل شوكت" ليست بالأسرة المؤمنة التقية المغالاة، إنما هي أسرة تعرف أمور دينها وفقا للأفكار الشعبية البسيطة التي تقترب لحد السذاجة كما أنها أيضا أسرة لا تنكر الدين وليس لديها أية فكرة عن ماركس أو لينين أقطاب الشيوعية، فمن أين حصل أولادهما على هذه الأفكار المتناقضة والغريبة عن الأسرة؟ فما من إجابة سوى أنه طبيعة الصراع المجتمعي الوافد على البيئة المصرية وبالتالي فرض نفسه على الأسرة الصغيرة وترسخ فيها مع عدم احترام حرية اختيار الأخر.

وعلى صعيد الأسرة الكورية. خضعت إلى نفس الصراع المجتمعي الوافد لكن في المقابل كانت توجد حركة الجيل الجديد الرافضة للقوالب الثابتة في آلية الاتباع بالعادات والتقاليد في "الأجيال الثلاثة" فالجيل الثاني الذي يمثله "سانغ هون" قد تمرد على أبيه واعتنق المسيحية في حين أن الأسرة الكورية لم تعرف هذا الدين من قبل، فهي ليست بحاجة لدين ينظم حياتها الروحية أو طرق حياتها، فالكونفوشوسية والبوذية المعتقد الرسمي والأقرب لطبيعة وفكر وروح الشعب الكوري، مما جعل كبير العائلة "جو" يرفض هذا الدين، وبالتالي يرفض ابنه الذي اعتنقه وليس هذا فحسب إنما لم يترك الفرصة التي تتيح له إلا ويسخر من ابنه المسيحي. وباتت القضية الأكبر في المسيحية على أنها لم تؤخذ على اعتبارها جانب روحي مخلص للرب بل أن (الجيل الثاني) اتخذها وسيلة للتقرب للغرب ووسيلة أخرى للوصول إلى المناصب العليا في المجتمع كما وصفت "كنته" إقبال زوجها "سانغ هون" على المسيحية. في المقابل الآخر لطبيعة التمرد الفكرية، فقد تمرد هذه المرة "بيونغ هوا" ( الجيل الثالث) على الدين المسيحي، ورفض التعليم المسيحي الذي كان يقدمه له أبوه القسيس بالكنيسة، وفَضَّلَ هجر الأسرة، وأن يهيم على وجه متشردا مؤمنا بفكره الشيوعي.

إذن حالة من الاستسلام فى الأسرة المصرية تقترب من الجمود السلبي أمام اعتناق الأفكار الوافدة سواء الشيوعية والتطرف الديني فى مصر والتى يقابلها فى كوريا التمرد على الأفكار الجاهزة الوافدة والتمرد على الواقع بالخروج عليه والاستقلال بعيد عنه.
هذا الخلل الفكري الذي حرض الكاتبان ضده وحذرا من عواقبه، فلا التمرد دون بصيرة قد ينفع ولا إيمان دون بصيرة قد يشفع. وهذه ضربة في مقتل أي حضارة وأي عقيدة. في المشاهد التالية فى النص الروائي المشترك يؤصل محفوظ وسانغ سوب ضرورة التمرد وضرورة الإيمان تحت مظلة الاختيار واحترام حرية الاختيار.

وما حدث فى مصر خلال المائة عام الماضية منذ زمن الأحداث المتخيلة لكتابة الثلاثية وحتى وقتنا هذا يدل على أننا افتقدنا بوصلة ثقافة قبول الآخر واحترامه لذا انفصل وانشق المجتمع المصري مع تجربة حكم الإخوان فى مصر والانشقاق له جذور عميقة فى التربة المصرية تنامت مع تنامي الخطاب الدينى الضحل بتوازي مع الخطاب السياسي الاستعلائي على مدار أكثر من ستين سنة الأخيرة فى مصر. مما أدي إلى حالة الفردية وعدم القدرة على العمل تحت مظلة واحدة بهدف الصالح العام.
أما ما حدث في كوريا فهو النقيض التام فقد أسسوا دولتهم على أسس العلم والأخلاق العامة متمسكين بمبادئ الاختيار واحترام حرية الاختيار بهدف العمل معا تحت مظلة الوطن بغية الوصول به إلى التقدم وصنع حضارة حديثة وهذا ما أجاد فيه الكاتب الكوري من خلال تضفيره فى جمل مشهدية عبر عنها أغلب شخصيات الرواية على الرغم من اختلافهم الفكري.

من هنا كان السبب الجوهري بين التقدم والتأخر والذي يكمن حول كثرة الأحلام دون العمل على تحقيقها في الجانب المصري في حين جاءت الأحلام الكورية متسقة مع قدرة الشخصية متماشية مع الحدث العام في خط واحد وهو بناء الذات والوطن، ثم النقطة الأهم ألا وهي تشتت فكرة النضال الثوري في المجتمع المصري وتماسكه في المجتمع الكوري، حيث إن صراع النخبة المصرية صراعا خلافيا مقعر هدام لذا تأخر مصر بسبب نخبتها؛ بينما جاء صراع النخبة الكورية صراعا مؤتلفا بناء لذا تقدمت كوريا وأصبحت رقما في النمور الأسيوية يصعب الوصول إليه.

وبعد هذا كيف يتمتع الشرق العربي بحالة الغرق ويتلذذ بها بل يتفنن في ابتكار وسائل حديثة لعتمة الغرق، بينما يتمتع الشرق الأسيوي بحالة النجاة ويصوغ من تراكمية الماضي وعبادته وتقاليده حياة مبتكرة تعمل على إسعاده وبهجته. إنهم ينقذون الحياة من الموت، ونحن نسلم الحياة للموت. تلك الشخصية الشرقية غريبة الأطوار والآمال لكن يختلف شرق عن شرق. فالشرق الآسيوي شرقا تتحد شخصية كائناته البشرية في بعض الصفات تلك التى تتحدث عن ضرورة اعتناق إله إلى تلك التى تتحدث عن أهمية إنقاذ الحياة من العدمية والخرافات حتى تصل إلى الباب الثامن من الكمال إلى تلك التى تؤصل مباهج السعادة بتمسك بالأخلاق العامة ومعانيها في الطريق العام. هذا الأصل فى الكائن الشرقي جعله يحاول دائما أن يقف على عتبات الكون ليكون إنسانا على الأرض ولا يشغله كينونته فيما وراء الأرض سوى طمعا ورجاء في العالم الخفي الذى يحاولون أن يصلوا إليه كل بطريقته وفلسفته الخاصة حتى يصل إلى المفهوم الوحدوي أي الوحدة والاتحاد على مستواه الخاص والعام. ففي بلاد الصباح الهاديء هكذا اسمها الأصلي المعروفة بالـ(الهان كوك) كوريا الجنوبية تلك البقعة المتعلقة في طرف ثوب اليابسة الأسيوية حققت تقدمها في الـ 30 سنة الأخيرة حينما كنا نحن في نفس الـ 30 سنة هذه ينتشر الفساد بعبقرية زيف الوطنية فى سلطة تزعم أنها وطنية، وبين زيف التدين وتطرفه بداية من التكفير والاغتيال والتفجيرات.

ثمة ناقوس خطر يرصده أي نص روائي وهو التحذير من المغالاة في الاعتناق الفكري المتطرف فهو مفسدة تؤخر الأمم وتقضي عليها تماما بل تقضي على الشخصية نفسها. وكما قال الله عز وجل:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }سورة البقرة آية (143)