امريكا ليست نفسها

ابراهيم زورو
2013 / 9 / 7


أمريكا ليست هي نفسها عندما يتكلم مسؤوليها من خبرائها الاقتصاديين والسياسيين والنفسيين عن قراراتها فهي بعيدة كل البعد عن ما هو مقرر سلفا في إدارتها. فهم يوارون بتصريحاتهم إلى موضوع ليس له اية علاقة بما يدور خلف كواليسها، وكانت عليها أن لا تفعل ذلك، كونها هي التي تقرر وتحدد مصير العالم في الوقت الحالي، فالكلام هنا عن الحالة السورية، ومن المؤكد أن لها مشاريعها، ولكنها تبقى طي الكتمان لحين جاهزيتها، وهي مع الحالة السورية قولاً، وضدها عملاً، لكنهم يجدون تبريراً لها، والسؤال الذي يطرح هنا: ما الذي تخفيه أمريكا عن العالم بشأن الحالة السورية؟. ونعلم جيداً بأن النظام قد نجح على أكثر من صعيد في لوي عنق الحالة السورية إلى جانبه، وهذا ما كان ليتم إلا بمشورة كبار مستشاري العالم الذين يلتفون حول مسؤولين السوريين، لتنفيذ ما هو مخفي، فما كان لنظام أن يقدم على كل هذه المجازر بحق شعبه، إلا بدعم وتنسيق مع قرارات الدول الكبرى، وهذا يؤكد تماماً بوجود مشروع سري للغاية، وعلى السوريين أن ينصاعوا لهذا المشروع، وإلا كما قال الابراهيمي بما معناه، الحل السياسي، أو باب الجحيم. والحل السياسي ليس كما يفهمه السوريين جملة وتفصيلاً، ولكن يبدو أن السوريين لا يستطيعون فهم المواقف والأشياء التي تزعج وحدتهم تماماً، وسيكون مرضياً لإسرائيل وحدها. هكذا يجب أن نفهم أن الحل السياسي، ليس مع النظام، وإنما النظام كطرف ثانوي من جهة القرارات وكطرف رئيسي لتنفيذ تلك القرارات والاجندات الدولية ليعمل جزئياً لحسابه فئته الخاصة، ولمصلحة الإسرائيلية والأمريكية.
فمطامع الأمريكا في الشرق الاوسط(الحالة السورية حلاً):
كانت العراق تمهيداً للحالة السورية أو كانت خطوة ابداعية مسبقة لما يجري في سوريا، وبالافتعال مع تركيا وإيران (كسلاح نووي) المختلق في الذاكرة دون أن يكون لها الوجود على أرض الواقع، وخلق جو من الصدق عبر وسائل الأعلام، فحالة حرب السرية الغير معلن عنها على الشعب الكوردي، الموزعين على تلك البلدان لتكون بصمة أمريكية للتغيير، فقد جاءت المصلحة الأمريكية أن تدفع بالكورد الى وجودهم ليس حباً بهم، وإنما لتحقيق وجودها التاريخي، بالإضافة إلى ما ذكر ، إن الكبار الذين تسيدوا العالم فيما مضى قد أمسوا صغاراً على مر التاريخ: التتار الرومان العرب والعثمانيين والفرس والاوروبيين، والذين بصموا على تاريخ العالم ومضوا إلى حيث هم الآن، هنا على أمريكا ان توقع على جسد العالم، كي يرى القادمون بعد ألفي سنة او أكثر، إن الخلود الأمريكي واضح المعالم وسيادتها على العالم جلي للتاريخ والتي كانت موجودة في يوم ما، وحينها تصبح أمريكا دولة صغيرة تتناوشها أبناؤها هنا وهناك. وحتى لو لم تفعل ذلك، عليها أن تمضي نحو وحدتها عبر الالتفاف الى داخلها كما يفعل الديمقراطيين (كحزب). كي تبقى على قيد الحياة ضمن وحدة أراضيها.
إسرائيل تراهن على عقلية الغير تاريخية للشعوب المنطقة وأنهم سينسون الإسرائيل كونها تصبح قديمة بعد الدولة الكوردية؟ بالإضافة الى تخلصها من أمريكا عبر الرأسمال والعقل الإسرائيليين واليد العاملة والأرض كأداتين من أدوات الانتاج والمتوفرة بكثرة لدى الشعوب العربية، فالكورد سيحققون لأمريكا وجودها وخلودها عبر التاريخ، وكما سيحفظون لها كل مصالحها ومطامحها في المنطقة سواء في جسدها أو جسد الدول في المنطقة، إذا فالعلاقة منفعة متبادلة، الوجود الآني أو لنقل وجود صغير(الكورد) مقابل وجود التاريخي الكبير لأمريكا، فتقسيم المنطقة دائما يذكرنا بدول أوروبية سايكس بيكو، فهذان الاسمان أو الاتفاقية تحصد الوجود الامريكي في المنطقة، ولكي تبدو أمريكا في أحسن زي تاريخي عليها أن تلبس التاريخ للجسد الكوردي المنزوع الثياب بناء على رغبة الاوروبيين، إذاً ما بين حركتين متناقضتين تأتي مصلحة الامريكية في الخلود، والتاريخ يخبرنا بأن فعل الامريكي هذا هو أحقاق حق لأناس ظلموا عبر التاريخ، وهذه النقطة مهمة جداً، والمحزنة للوجود والفلسفة الاوروبية أصلاً، في سياق فلسفة الوجود وحامله، بمعنى هم بهذا العمل يزيلون إزالة أبدية وستكون ذكرى أليمة للأوروبيين الذين ظلموا الكورد خلال فترة طويلة، لشعب أصيل في المنطقة، كان عليها أن تفعل ذلك بالنسبة إلى قبائل أخرى والوافدة إلى المنطقة، ويصبحون جزء من الماضي، وذلك بالتزامن مع الحضارة الأقوى هي الأبقى؟. ويمكننا أن نقول أن جل ما أبدع اوروبياً كفلسفة لم ترق الى مستوى المفكر الامريكي في كتابه نهاية التاريخ هنغتون، إذا الحالة التيموسية هنا كمقدمة أو تتبعها سياقات اخرى مصالح الاقتصادية والسياسية. فتركيا بدت خائفة أو أبدت تخوفها من هذه الناحية فيما بعد، على أن سيف ديموقليس بدا مسلطاً على رقابها (الاتراك) بعد أن أكسد أو أثلم هذا السيف من قبل الأوروبيين، مقابل العثمانيين أو ما سمي بتركة رجل العجوز؟، وتقاسموا مماليكها، والآن على أمريكا أن تشهر هذا السيف في وجوه الأتراك كي يمنحهم وجودهم الحقيقي كون ليس لديهم أي باع تاريخي في هذا المنحى، ثم أن مصلحة حقيقية كانت غائبة عن ذهن الأتراك في الوهلة الأولى عندما ساندت فيما يسمى بالربيع العربي المتواشج مع الوالي العثماني وطموحهم الإسلامي الذي بدأ بمشروع توركوت اوزال سرعان ما أغتيل لأن الاتراك لم يكن ليفهموا خطته في تلك اللحظة التاريخية وكانت تجنب الويلات لشعبه، وتحافظ هذه الخطة لتكون لتركيا قامة شاهقة، عندما قام بالتواصل مع اوجلان، وفهمه اردوغان فيما بعد عبر خطاب الأخير بمناسبة فوز حزبه قال أن انتصار العدالة هي انتصار لدمشق .... ولم يستطع أن يفكر اردوغان أن الإسلام قد تم أقصاءه ولم يعد لها أي بعد إسلامي فهم استفادوا بأسم الإسلام لقرون طويلة، وكذلك رمى اتاتورك بالثياب الإسلام لصالح الدولة العلمانية اي الدول الغربية، وحالتين استغرقتا بهما الوجود ومصالح العثمانيين والأتراك فيما بعد، وأصبح احتلال العثماني للوطن العربي فتحا مبيناً، فكيف سيلبس ثوب إسلامياً ممزقاً لدولة علمانية على مدى قرن كاملاً؟ الآن هي حرب تدار بشكل خفي بين الإسلام والغرب برئاسة الأمريكية عبر مشروعها، فلما أدرك الأتراك أنهم أصبحوا رهين أقوالهم السابقة وبدأوا يتراجعون منها عمليا. ونسي الأتراك أن العالم قد غزتها ثورة الاتصالات ولم يعد للخطب الدينية التي كانت هي الأقوى فيما سبق، لم يعد لها أي معنى؟ إلا أن هذا الربيع تم بفعل تكنولوجيا وخدمة تواصل الاجتماعية بكلام واحد(ليس للإسلام الامس واليوم اي وجود فيه)، إنها ثورة الاتصالات هي التي خلقت الربيع العربي، وهذا عائد لأمريكا وإسرائيل تحديداً، ولم يبق للإسلام اردوغان وجود في هذا المنحى، ومن هذه الناحية تراجعت الدور التركي والايراني الإسلاميتين. والاثنان يتاجرون بالإسلام لمصالح أوطانهم وشعوبهم. وهم فقط حاملي الايديولوجيا الإسلامية قولاً وليس فعلاً. وإن العالم لم يعد كما كان في السابق، وإن العلم قد غزت كل المناطق التي تتخذ الإسلام منها وجوداً.
لنعود مرة أخرى ونقول أن الوجود الأمريكي ما يبررها مالم يبرر للأتراك هذا الدور، أسئلة كثيرة تطرح في هذا السياق، فمن جملة ما أقدمت الأتراك بالتعاون مع بعض المجموعات ضد كوردستان سوريا منطقة سري كانييه لكسر حصان الأمريكي، لجلب العناصر pkk من قنديل إلى سري كانيه؟؟!!، وpkk لم يناوئ أمريكا فعلاً بل قولاً، ولو كانت ايديولوجيتها على الضد من الامبريالية، بكلام واحد هو والفكر الشيوعي أو الاشتراكي سواء، وليس بالإرهاب مارسوا لعبتهم السياسية عكس الاتراك، بينما pkk لم تقم بافتعال الحرب معها وتحت أي ذريعة كانت. فبالتالي قرأ حزب pkk اللوحة بشكل واقعي وعلى خلاف ايديولوجيتها، على الرغم من انشغالهم بأعمال أخرى، ومثال ذلك اثناء غزوها للعراق، فموقف البرلمان التركي من عبور الجيش الأمريكي بين أراضيها، وعلى الرغم من وجود القاعدة الأمريكية في أراضيها لم تستطع الدولة التركية نست او تناست هذه النقطة الحساسة في جغرافية فكرها، وهي قد اوقعت في تناقض بين الحكومة والشعب داخلياً، لتفوز خارجياً، بين شعوب المنطقة الإسلامية. وسهت عن نفسها وشعبها، ولم تسأل نفسها ماذا يفيدها الخارج؟؟!!. كونك أينما يممت وجهك سترى مصلحة ووجود الأمريكي ملفوف بمصالح ووجود الاسرائيلي، هذا الغباء المستفحل لدى قيادات المنطقة تشيء بأنهم شواهد أمريكية مزروعة في المنطقة، والشعب يفهم فقط من مواقف خلبية لا تقدم أو تؤخر، ولم يعد هناك صغاراً، هذا الموقف المتذبذب يصلح أن يكون ايام الحرب الباردة، فلم يكن ليكلف امريكا شيئاً ما.
نتيجة تخبط قيادات التركية وفعلها مدعو للسخرية كونها معروفة للجميع انه يريد ان يبتعد او ينأى بذاتها عن اي ثورة او فعل احتجاج لشعبها وتبقى اراضيها موحدة بفعل قدرة قادر!!، وتقوم باعمال صغيرة مثل افتعال لاقتتال طائفي بين الكورد والعرب؟ هي تسير نحو كسر مشروع الامريكي؟! وسيدفع عن رقبتها سيف ديموقليس؟ فلعبة الصغار معروف للكبار، ولم يدركوا ان هذه اللعبة قد امتهنوها الكبار قبلهم، وكان على الاتراك ان تبرر فعلهم بالسؤال الذي يؤرقهم دائما: كيف بالدولة العلمانية وحريات الشخصية الخاصة ستكون حصاناً اسلاميا اصيلاً ؟؟، ليس كقناعة وأنما لمصلحتها فقط، فقد قاوم الاتراك الاكراد على مر التاريخ ولن تستطع ان تلوي عنقهم بالاضافة الى ان الاكراد ايضاً لم يفز عليهم، وبقيت الاقتصاد التركي في حالة يرثى لها، وكان عليهم ان ينظفوا ويرتبوا بيتهم الداخلي مثلما قال الرئيس الامريكي كلنتون في خطابه امام مجلس الشعب التركي قبل انتهاء ولايته، فعقل السياسي التركي بقي عقلا ستاتيكياً ما زال يترواح في مكانه وزمن حرب الباردة قد ولى؟.
لنعد الى الحالة السورية التي كانت نقطة الارتكاز في هذا المقال، حيث ان الابراهيمي كمبعوث اممي يقول ان الحل السياسي والا الجحيم؟ اي هناك شرخا بين جيش الحر وبين الفكر السياسي او قياداته كحالة السياسية، بالمقابل هناك انسجاما بين النظام وجيشه، كان من المفترض ان تكون الحالة عكسية؟؟!! قد يكون بمباركة واشتراك الأمريكي، فالمعارضة السورية لن تفهم على أن بشار هو جزء أو أداة من أدوات التغيير في المنطقة ولهذا يمكن أن يفهم لماذا بشار لم يقتل الكورد في سنة 2004 ولم يقترب من المناطق التواجد الكوردي أبداً؟!، كما أن المعارضة لم تستطع أن تستوعب هذا التصرف البديهي؟ وكذلك أصبحوا الكورد جزء من سياسة أمريكية مخفية أصلاً عن عيون الصغار!!، لم يقبل بأي حل سياسي، كون الشعب السوري مازال رافضاً لأي حلول التي تتناسب والمصلحة الأمريكية، ومازال قادراً ان يفتح باب الجحيم على نفسه كمن يقتل ذاته، وترك المعارضة التي ركبت(الثورة) الحالة السورية والتي كانت تخدم بشار ومن وراءه كل الاجندات القابلة وغير قابلة للتنفيذ، وحيث أن وجودها اي المعارضة أصلاً لصالح تنفيذ تلك الاجندات، فالمعارضة أصبحت من جهة أخرى معيقة لأهداف أمريكية التي تجلب ويلات لمن لا يمتثل لتلك الأهداف والمبادئ، وعبر اعتراف الامريكيين بالمجلس كأنه يعترف بوجود الازمة في سوريا ليس إلا، أو على الأرجح كان للمجلس السوري وجوده ضرورياً من أجل تمييع الحراك الثوري وليس من أجل اشعالها، مثل هكذا مجلس كان حاجة ماسة بمثل هذه الشخصيات التي لم تزر سوريا من عشرين عاماً، وكانت عليها أن تفعل ذلك، كبداية لطرح مشروعها، ودون أن يقدم له شيئاً يذكر، ثم جاء اعترافها بالائتلاف كخطوة دولية على أن أمريكا هي مع الحل ولكن اي حل؟ لم يسأل أحداً عن ذلك؟ ولا يفكر أحداً من السوريين ان الذي في سدة المعارضة قد اصبحوا جزء أساسيا من الخطة الأميركية سواء بعلمهم أو بدونه وسيان ذلك لدى عالم المتابع والمؤثر في وضع السوري، أو أنهم لا يتقنون فن السياسة أبداً، وبكل الأحوال التاريخ لا يرحم هذا او ذاك في سياقه التصاعدي، ويمكن أن نشير إلى مبادرة معاذ الخطيب على أنه قد فهم بأن هناك حلقات مفقودة لذلك آثر أن يغلق أبواب الجحيم ولكن بشار ومن وراءه الأمريكا لم يرضوا بذلك، فالمبادرة التي لم تختم أمريكياً لا تنجح وعلى الجميع أن يفهم ذلك.