الطلاق والخلع : احكام فقهية جائرة

احمد الكناني
2013 / 8 / 27


ذكر الفقهاء في مدوناتهم الفقهية جملة من احكام الاحوال الشخصية كالزواج والطلاق والخلع في باب العقود والايقاعات ’ لاعتبارات فقهية صرفة تتعلق بالطريقة الاجرائية لكل من الزواج و الطلاق ’ ومن الواضح ان طريقة اجراء الزواج تختلف عن الطلاق في اشراك كلا الزوجين في امضاء الزواج ’ بينما في الطلاق فيتحقق بأمضاء الزوج فقط .
وبناء على هذا التصنيف ادخل الزواج في جملة العقود’ واما الطلاق فصار في عداد الايقاعات ’ على اعتبار ان الزواج عقد مبرم بين طرفين ’ و يحتاج انشاءه الى الايجاب و القبول ’ اما الطلاق فهو ايقاع من طرف الزوج و لا يحتاج الى القبول من طرف الزوجة ’ بل يحصل بمجرد الانشاء من طرف الزوج فقط .
ولا يخفى ان هذه الطريقة من التصنيف اثرت في سير الابحاث الفقهية ’ وجعلت الفقهاء يكثرون من التفريعات في الزواج على اعتباره عقد كبقية العقود كالبيع و الاجارة ’ و كذلك الطلاق كأيقاع ضمن بقية الايقاعات كالخلع و الاقرار و النذر و ما الى ذلك ’ و بنوا احكامهم على ضوء القوالب الفقهية التي تحكم العقود ’ وكانت النتيجة قراءات خاطئة للنصوص القرانية على ما سيأتي بيانه .
فهذه اثارة لقضية الطلاق وفق منهج الفقهاء و طريقة استدلالهم ’ يظهر من خلالها مدى الضرر الذي لحق بالمرأة جراء اجتهادات لا تمت الى الواقع المعاش بصلة .
و قبل ذلك لابد من التوضيح في مجال التفرقة بين العقود و الايقاعات’ ذكره الفقهاء المعاصرون : وهو ان الاتفاق اذا كان متقوم و حاصل من الطرفين صار عقدا ’ اما لو كان حصوله من طرف واحد و لا مدخلية للطرف الاخر به صار ايقاعا ’
يقول السيد الحكيم في كتابه المستمسك :
" و لا يخفى ان الفرق بين الايقاع والعقد : ان الاول يكفي في حصوله اعمال سلطنة سلطان واحد و الثاني يتوقف حصوله على اعمال سلطنة سلطانين’ و لا يكفي في حصوله اعمال سلطنة واحدة ’ فاذا قال الانسان لزوجته طلقتك ثم قال تزوجتك فالطلاق ايقاع ’ لانه يكفي في حصوله اعمال سلطنة الزوج . و التزويج عقد لانه يتوقف حصوله على اعمال سلطنة الزوج و الزوجة معا ’ فالطلاق وان كان تصرفا في الزوجة كالتزويج الا ان الاول لما جعله الشارع الاقدس تحت سلطان الزوج فقط كان ايقاعا ’ و التزويج لما جعله الشارع تحت سلطان الزوجين معا كان عقدا "(1)
لكن الاشكالية تأتي من قياس الزواج على بقية العقود من حيث المكونات ’ وهي طرفي العقد و موضوع المعاوضة .
و بنوا تفريعاتهم على اساس من المعاوضة و المبادلة بين طرفي العقد و هما الزوج و الزوجة ’ و ما وقعت عليه المعاوضة في عقد الزواج هو بضع المرأة اي فرجها في مقابل المال و الصداق الذي يبذله الزوج .
ومن تلك الفروع عن هذا الاصل وهو " المعاوضة على البضع " :
* مسألة حرمة امتناع الزوجة من تمكين زوجها منها متى ما شأء ’ لانه تصرف في ملكه و من حقه ان يتصرف فيه كيفما شاء.
* قضية الخلع’ بأن ترجع اليه ماله و صداقه في مقابل فك ملكيته عن فرجها .
وهناك سيل من التفريعات مبثوثة في كتب الفقه قد تسيء الى طرفي العلاقة من الرجل و المراة كلها مبتنية على مبدأ المعاوضة على البضع ’ و قد يصبح من المعيب جدا وجود تلك الاحكام و بهذه الصياغات كقوانين تنظم الحالة الشخصية للانسان المسلم في عالم تتطلع فيه الانسانية الى احكام عادلة تحفظ لهم كرامتهم .
وقد اشرت الى هذه المفارقة في مقال سابق تحت عنوان " اشكالية العلاقة الزوجية في شريعة الفقهاء" . و هنا سأكمل ما ابتدأته في ذلك المقال في بيان مفارقة اخرى ترتبط بالطلاق’ تشابه الى حد كبير ما اثبتوه في الزواج من المعاوضة على البضع ’ لكنها في الطلاق جاءت في كناية جديدة و هي " الطلاق لمن اخذ بالساق ".
فمن اخذ بساقي المرأة يحق له وحده ان يطلقها ’ وهو حق ثابت للرجل دون المرأة ’ ولا يحق له التنازل عن حقه مطلقا لان المشرع اثبته له . ولا مدخلية للمرأة في الطلاق بأي حال من الاحوال .
لكن طرف المعاوضة الثاني وهي الزوجة فما هو الحق الثابت لها في حالة انهاء العلقة الزوجية بينهما ؟
والجواب على ذلك احد امرين لا ثالث لهما .
لان انهاء العلاقة الزوجية يتم اما بالطلاق او الخلع .
اما الطلاق فهو بيد من اخذ بالساق ’ و ما عليها الا الخضوع للآخذ بساقيها ان شاء طلق وان لم يشأ لم يطلق .
يبقى الخلع فهو حقها في انهاء العلاقة الزوجية في حال فشلها’ بأن تعطيه مقدار من المال في مقابل حريتها .
هكذا قال الفقهاء : ان الطلاق حق الزوج و الخلع حق الزوجة ’ و بهذا تتحقق العدالة بين طرفي العقد .
و يروون قصة جميلة بنت عبد الله بن ابي سلول زوجة ثابت بن قيس بن شماس المروية عن ابن عباس ’ و هذا نصها :
" جاءت امرأة ثابت بن قيس الى رسول الله (ص) فقالت يا رسول الله اني لا اعيب على ثابت في خلق و لا دين ’ و لكني اكره الكفر في الاسلام .
فقال رسول الله (ص): فتردين عليه حديقته ؟
قالت: نعم .
فقال (ص): اقبل الحديقة و طلقها تطليقة .
فردت عليه وامره ففارقها "(2).
ومعنى قول جميلة " اكره الكفر في الاسلام " : اهدار الحقوق الزوجية ’ و ليس الكفر في مقابل الايمان ’ لانها تقر بخلقه و دينه .
في بعض النصوص :" اتردين عليه حديقته التي اعطاك ؟ قالت نعم ’ و زيادة . فقال (ص) : خذ ما اعطيتها و لا تزد "
والرواية جاءت بطرق مختلفة ’ و اختلاف في طريقة رواية القصة ايضا (3)
لكن الشئ المعتمد هو هذه الرواية عن ابن عباس و بهذه الالفاظ . رغم ما اثير و يثار عليها من الاشكاليات ’ لانها تخالف في بعض مضامينها القوالب الفقهية المقررة عندهم .
لكنهم اعتبروها اول عملية خلع و قعت في التاريخ الاسلامي يثبت بها النبي الحق للزوجة في فك العلقة الزوجية فيما لو كرهت الزوجة معاشرة زوجها حتى لو كان متدينا و خلوقا كما هو واضح في كلام جميلة بنت عبد الله .
واعيد هنا ما قرره الفقهاء " الطلاق حق الزوج و الخلع حق الزوجة "
لكني اتسأئل : ان اقرار الفقهاء هذا اذا ثبت من دون قيد او شرط لكلا طرفي العقد فحينئذ تتحقق العدالة ’ اما اذا ثبت للزوجة بشروط و يثبت للزوج من دون تلك الشروط فلا عدالة في البين و انما هو الظلم بعينه .
فلو سألنا الفقية " اعلى الله مقامه " افتونا مأجورين :
1- هل يشترط اخذ اذن الزوجة في الطلاق ؟
2- هل يشترط اخذ اذن الزوج في الخلع ؟
والجواب :لا يشترط اذن الزوجة في الطلاق . نعم يشترط اذن الزوج في الخلع ’ وهو المشهور بين الفقهاء .
وهذا معناه : ان الحق المدعى للزوجة منتف اساسا ’ لانه منوط بأذن الزوج ورضاه ’ فأن شاء امضاه وان لم يشأ لم يمضه .
اذن اين العدالة الاجتماعية التي تملا خطاباتهم التبجيلية عن فتاواهم الناطقة باسم الاله ’ وهل هذه الاحكام الظالمة يصح نسبتها الى الله ام هي نتاج لقراءات خاطئة للنصوص الدينية.
و يؤيد هذه الظلامة استفتاء موجه الى مؤسسة الامام الخوئي ’ و هذا نصه :
" انا متزوجة منذ 14 سنة و زوجي كان يضربني و يظلمني كثيرا و لي منه طفلين قد نال الاكبر منهما حصته من الضرب و الظلم ’ سؤالي : هل لي الحق بخلعه بواسطة الوكالة حيث اني في بلد و هو في بلد اخر و هو يرفض تطليقي لان بقائي على ذمته لا يمنعه من الزواج في حين انه بعيد عني منذ 3 سنوات علما انه يريد الالتحاق بي و انا ارفض استقباله لاني اكرهه جدا و لا اطيق سماع صوته و اكره معاشرته و امرض عندما اتذكر اني لا ازال على ذمته ؟
الجواب : الطلاق بيد من اخذ بالساق و هو الزوج ’ و الخلع قسم من اقسام الطلاق لا يتم الا بأذن الزوج و رضاه .(4)
هكذا حلت المؤسسة المؤقرة مشكلة هذه المرأة و بالنشيد الوطني " الطلاق بيد من اخذ بالساق "
ثم ان شماعة الساق هذه التي يعلقون عليها كل حقوق الزوج و ينفونها عن الزوجة ’ جاءت ضمن قصة رجل مملوك زوجه سيده من امته ’ ثم اراد ان يفرق بينهما ’ فشكى حالته الى النبي (ص) ’ فصعد المنبر و نادى بالناس " ما بال احدكم يزوج عبده امته ثم يريد ان يفرق بينهما ’ انما الطلاق لمن اخذ بالساق " (5)
وهذا الحديث ينفي ولاية السيد على عبده في طلاق امرأته التي هي بدورها مملوكة للسيد ذاته ’ و مع ذلك يكون الطلاق من حق الزوج وحده وهوالمملوك ’ولا حق السيد في الطلاق .
والحديث غير ناظر الى الزوجة اصلا حتى يفهم منه نفي حقها في الطلاق ’ و انما الكلام في المملوك و سيده و ايهما يحق له الطلاق ’ و حديث النبي (ص) جاء ليؤكد احقية الزوج المملوك في الطلاق ’ و لا مدخلية للسيد في الموضوع .
ومن دون ملاحظة الادلة الاخرى التي تحصر احقية الرجل في الطلاق ’ و الكلام في رواية الساق هذه حصرا ’فحديث الساق لا توجد فيه و لو على نحو الاشارة ما يدل على نفي حق المرأة في الطلاق ولو في بعض الموارد النادرة .
اما اقتطاع فقرة من الحديث وهي " الطلاق لمن اخذ بالساق " ’ و التي جاءت في مورد معين ينتمي الى حقبة عبودية البشر و قد تجاوزه العقل البشري الى حيث لا رجعة ’ ثم تعميمه على كل الحالات و اينما وجدت و في كل زمان و مكان ’ ما هو الا ترسيخ لمفهوم بدوي يقوم على سلطة الرجل المطلقة .
ثم ما الداعي للتمسك بهذه الاطلاقات مع وجود نص قراني غاية في الوضوح يثبت الحق لكل الزوجين في حال فشل العلاقة و هي الاية 21 من سورة الروم {و لا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا ان يخافا الا يقيما حدود الله فأن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به }
ومع ذلك تجد من الفقهاء من ينفي حكم الخلع من اساسه ’ طبقا للقوالب الفقهية والتي على اساسها تفسر الاية .
وعليه لابد من صياغات جديدة للاحكام ضمن الاطر العامة للنصوص من خلال الفهم الواعي للنصوص الدينية وفقا لمقتضيات العصر و حاجاته ’ ومن دون الجمود على القوالب الفقهية المستوحاة من الاحاديث ’ لانها جاءت لتعالج اوضاعا فرضتها الظروف الزمانية لبيئة الجزيرة العربية ’ و من غير المعقول ان تكون ذات القوالب صالحة و نافذة المفعول لكل العصور و الازمان ...

المصادر
(1)محسن الحكيم ’ مستمسك العروة الوثقى ج13ص380 .
(2)البخاري ’الطلاق باب الخلع و كيف الطلاق فيه ’ح 5276
(3) راجع ابحاث هيئة كبار العلماء ’ اصدار سنة 2004 ’ ج 1 ص 615
(4) الموقع الرسمي لمؤسسة الامام الخوئي .
(5)ابن ماجة ’ كتاب الطلاق ’باب طلاق العبد ’ ح2072 .