حول سؤال -من أين جاء سيسى مصر؟-

محمود محمد ياسين
2013 / 8 / 27

اندهشت لإحتفاء أحد الكتاب بما كتبه روبرت سبرينقبورق أستاذ الأمن الوطني بمدرسة الدراسات العليا للبحرية الأمريكية حول الرؤى السياسية للجنرال السيسى معتمداً على بحث للأخير أعده عام 2006 بعنوان "الديمقراطية في الشرق الأوسط" عندما كان عميدًا يحضر لنيل درجة زمالة كلية الولايات المتحدة للحرب. ذكر كاتبنا ما معناه أنه وجد فى ما كتبه سبرينقبورق ما افتقدته كل كتابات أصحاب أقلام الرأي في الصحافة السودانية التى لم يقرأ فيها غير الإرتجال مع تفضله الكريم بان لا يصفها بأكثر من أنها مرسلة. وسبب االدهشة أن سبرينقبورق لم يقدم شيئاً جديداً إطلاقاً فى مقاله الذى يتلاءم محتواه مع أفكار الاستراتيجية الأمريكية المتسمة بالتفنن،بصورة متكررة، فى تصوير الصراع الاجتماعى بتعبيراته السياسية المختلفة فى بلدان الشرق الاوسط والبلدان الإسلامية على أنه صراع ديني علماني لحرف أنظار شعوب هذه البلدان عن قضاياها الاساسية. وهى استراتيجية تعمل على حماية المصالح الأمريكية بالاعتماد على خطط آنية تستهدى بفكر براجماتي محض تصادق بمقتضاه من تستخدمهم كأدوات مطيعة لتنفيذ مخططاتها وتنقلب عليهم بعد أن إنتهاء خدماتهم.

يقع بحث العميد السيسى فى 17 صفحة منها 11 تشمل محتوى البحث والمتبقى من الصفحات يضم صفحة العنوان والمراجع. جاءت أفكار الكاتب مشتتة (all over the place) وفيها بعض التناقض. دافع السيسي في أطروحته عن ديمقراطية بمرجعية إسلامية فى منطقة الشرق الاوسط بحكم التأثير القوى للدين فيها، وهو لا يدعو الى نظام ثيوقراطي، بل الى أن تكون تشريعات الإسلام مصدر عمل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، أو إنشاء سلطة إسلامية منفصلة تشرف على أداء السلطات الثلاث. كما دعا لاستلهام جوهر مفهومى البيعة والشورى فى دولة الخلافة في الإسلام وتوظيفهما فى تطبيق الديمقراطية بما يحقق العدل والإحسان والوحدة والمساواة.

ومفهوم الديمقراطية فى البحث جاء كمفهوم مطلق، وُجد هكذا وسيظل هكذا الى أبد الآبدين، وكل ما يحتاجه الناس أن يأتى شخص (طالب زمالة عسكرية مثلاً) يصمم للشعب النظام الديمقراطى المثالى (بالمعنى الفلسفى). والبحث يزخر بالتناقضات التى نتجت عن عدم النظر للديمقراطية كشكل للحكم يحدد ظهوره التطورات السياسة، وهو فى حالة البلدان النامية النظام الوطنى الديمقراطى الذى ينهض باخراجها من حالة التخلف الاقتصادى والاجتماعى المزمنة التى ترزح فيها. فمؤلف البحث يعتقد أن الديمقراطية لن تُولد الا بعد إزالة الفقر والتوسع فى التعليم! كما ذكَّر أمريكا أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يعوق التحول الديموقراطي في بلدان المنطقة وقدم النصح لها أن لا تستعجل الديمقراطية فى الشرق الاوسط، وأن لا تدعم الانظمة القمعية فى المنطقة لكى لا تفقد مصداقيتها! وهكذا تحول البحث فى تناقض بَيِّن من الدعوة لديمقراطية بمرجعية إسلامية الى أن الأولوية هى التركيز على حلول قبل الديمقراطية.

لا أعتقد أن سبرينقبورق فى تعليقه على بحث السيسى انطلق من أهمية اكاديمية تذكر لما كُتب فيه، ولا أن تناقضات الافكار الواردة فيه فاتت عليه. وحصر سبرينقبورق افكاره فى قراءته للبحث، كما هو متوقع بالطبع، فى حدود ما جاء به، واستخدم محتواه ليكتفى بإعتبار أن ما يحدد مآل الصراع فى مصر الموقف من الدين. ولم يزود سبرينقبورق القارئ بأى تصور لاتجاهات تطور الاحداث عقب انقلاب السيسى العسكرى.

الحلقة الاساسية فى الصراع الاجتماعى المصرى هى مسألة التغيير الاجتماعى الثورى، وجوهر الصراع يتمثل فى قضية التحرر الوطنى. فالتغيير الاجتماعى تعيقه قوى اجتماعية مستبده تستمد نفوذاً سياسيا واسعا من سيطرة رأسمالية بيروقراطية على الاقتصاد المحلى ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالاحتكارات الرأسمالية العالمية؛ ولا فكاك لهذه القوى من قبضة السيطرة الاجنبية لأن إعتمادها الاقتصادي على رؤس الاموال الاجنبية يجعلها غير راغبة فى مناهضة التبعية للدول الكبرى، بل لا حيلة لها غير التبعية على إعتبار ضعفها السياسى والاقتصادى.

منذ اوائل خمسينات القرن العشرين كان حكم الجيش المباشر لمصر هو الشكل الذى ركنت اليه البرجوازية المصرية لحماية مصالحها والسيطرة على الحركة الجماهيرية بتاميم تنظيماتها النقابية وسلبها حرياتها السياسية؛ وتم هذا برفع الشعارات الزائفة كالتحرير والاشتراكية العربية. وعندما سقطت تلك الشعارات اتجه نظام الحكم فى عهد الرئيس (المؤمن) أنور السادات الى مداهنة الاسلام السياسى وتضليل الشعب من خلال التماهي بشعارات إسلامية ودينية في العمل السياسي؛ فقد حرص على أن ينص دستور 1971 المعدل فى 1981 على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى فى التشريع." اما حسنى مبارك لجأ لخلق ثنائية بين نظامه والاخوان المسلمين بسماحه، فى انتخابات مجلس الشعب المزورة، للاخوان المسلمين الحصول على نسبة من مقاعد البرلمان بالقدر الذى أراد به إقناع الناس إما نظامه وإما الاسلام السياسى. وعلى مر السنين تحول الجيش لمؤسسة بيروقراطية تمارس نشاطاً اقتصادياً واسعاً مما قوى من نفوذها السياسى الذى استغلته فى حرمان الشعب من كل حقوقه السياسية والاقتصادية.

اتسمت العلاقة بين الجيش والاخوان المسلمين خلال الفترة الانتقالية التى أعقبت إنتفاضة 25 ياناير بالتعاون الوثيق على خيانة الانتفاضة بعدم تحقيق مطالبها.

بعد فشل مرشح المجلس الاعلي للقوات المسلحة (أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك) الفوز فى الانتخابات الرئاسية الاخيرة فى اغسطس 2012، صعد الاخوان المسلمون للسلطة واتسم حكمهم على ممارسة الهروب من مواجهة استحقاقات المطالب السياسية والاقتصادية للانتفاضة. ووفرت التحركات الجماهيرية الفئوية المتعددة، المحتجة على الموقف السلبى للأخوان المسلمين إزاء مطالب الشعب، المناخ للجيش للتحضير لاستلام السلطة ومن ثم ركوب موجة انتفاضة 30 يونيو 2013 حتى الانقلاب الكامل على الحكم القائم فى 3 يوليو 2013.

الفريق السيسى وزير الدفاع فى حكومة محمد مرسى ومدير إدارة المخابرات الحربية فى عهد مبارك جاء لاعادة اخضاع الدولة لقيادة الجيش وصيانة وضع القوات المسلحة الإقتصادى الذى يهدده شبح التقلص الذى قد ينجم كنتيجة للمنافسة من رجال الاعمال الاقوياء الذين يسيطرون على تنظيم الاخوان المسلمين. كما إن تحرك الجيش صار، من وجهة نظر الطبقة الرأسمالية المتنفذه، ضروريا للقضاء على تصاعد الحراك الجماهيرى- المتزايد بوتيرة عالية بعد إنتفاضة يناير- الذى لم يحدث مثله خلال ستين عاماً تم فيها نزع حرية الشعب السياسية بشكل كامل.

إن هدف انقلاب 3 يوليوالعسكرى هو خلق مناخ معادي للحركة الجماهيرية المتصاعدة وإعادة نظام مبارك بالانتقام من الذين انتفضوا فى يناير 2011 ومحو أى أثر لإنتفاضتهم. فالمذابح التى إرتكبها السيسى بحق المتظاهرين فى ميادين وشوارع القاهرة هى خطة الجيش المؤجلة التى كان ينوى القيام بها فى 28 يناير 2011 (جمعة الغضب) لسحق الانتفاضة ضد حكم مبارك. ولتعزيز سلطته الدموية، وظف السيسى اعلاما وصوليا ينشر الكذب ويغذى خرافة حصر خيارات الشعب بين الجيش ودعاة الإسلام السياسى.

بعودة لما بدأنا به هذا المقال نشير الى ان الاعتماد، بقراءة غيرناقدة، على الجرائد والمجلات والمصادر الاخرى التى تمثل التيار االفكرى المهيمن فى أمريكا، يؤدى الى التخلى عن فهم الأحداث والظاهرات الاجتماعية بالنقد العلمى الذى يبحث فى تفسيرالحقائق السياسية والحقوقية والعلاقات الاجتماعية بمقارنتها بعلاقات الانتاج ومصالح الطبقات المختلفة وليس بمعايير ذاتية تنحو فيما يتعلق بدور الافراد فى التغير الى النظر اليه بمناى عن مستوى التطور التاريخي.