في أن تكون الحياة رهنُ يديك

محمود كرم
2013 / 8 / 21

ربما في غمرة انشغالنا بالحياة قد يُداهمنا سؤال مخاتل : هل في الحياة ما يكفي أن نحيا من أجله ؟ وهل الحياة التي نقترفها بالمسرّات والاشتهاءات والآمال والتطلعات والهوس ، تستحق أن ندافع عن وجودنا فيها ، ونتمسك بها ، ونمارسها مسكونينَ بالأمل والسعادة والحب واللذة ؟ وهل ثمة معنى للحياة ، حينما تبكينا وتقسو علينا وتدفعنا لليأس والجمود والتراجع ؟ وهل علينا أن نحيا في هذه الحياة مرغمينَ بما وجدنا أنفسنا عليه ، وبالتالي علينا أن نحيا من أجل أن نعمل لحياةٍ ثانية قد تنتظرنا في ملكوت الغيب ؟ وما هي الحياة أصلاً إذا كانت لا تكترثُ لوجودنا ولا تلتفتُ إلى حضورنا ، ولا تعبأ بما نحن عليه ، ولا تهتم بما نحن فيه وبما ننوي فعله ، وما يذهبُ منها قد لا يعود إلينا لاحقاً ؟ وهل علينا أن نتمتّع ببراعةٍ فائقة في التعالق مع الحياة والتماهي مع تقلباتها وتحولاتها ونزقها الدائم ؟ أم أن الأمر لا يتطلبُ منّا حيال كل ذلك سوى أن ندير لها ظهرنا ، ونمضي إلى الغد الذي سيبقى رقماً يتكوّمُ تائهاً في حساب الأمس ، ولا نهتمُ تالياً بأنْ نتركَ من وراءنا شيئاً ما أو أثراً ما ، ذلك لأن الحياة ربما لا يمكن الاعتماد عليها دائماً ؟
وهل في الحياة ثمة منطق ، حينما تسير بنا إلى حيث ما نشتهي ونتمنّى ، وتحقق لنا رغباتنا ، وتمنحنا كل ما نريد . ولكنها في لحظةٍ فوضويةٍ مجنونة ، قد تسرقُ منا كل ذلك ، وتخطفُ منّا أجمل ما نملك ، وتدعُنا نتحسّر على أشهى ما كان بين أيدينا ؟ أليسَ في كل ذلك بعضاً من الغرابة الشديدة واللاجدوى والعبثية ؟ كيف تكون الحياة هكذا قريبةٌ منّا وفي متناولنا ، وتستطيع أيضاً أن تكون بعيدة عنّا إلى درجةِ إننا لا نستطيع أن نقبض على طرف منها ؟ قد تبدو الحياة هكذا ، سلسة من الصدف المتعاقبة والمتلاحقة . بعضٌ من صدفها قد تكون موجعة حد الألم القاتل ، وبعضها الآخر قد تحمل إلينا أجمل الأشياء التي لم نكن نتوقعها ، وتفتحُ أمامنا دروباً تتسعُ لحياةٍ جميلة في أعماقنا . وليسَ غريباً أن تتخلقُ بعض صدف الحياة في الفوضى العارمة ، فقد ينتجُ عنها ما يستقيم مع رغباتنا واشتهاءاتنا وتمنياتنا ، وقد ينتجُ عنها في بعض الأحيان ما يوقعنا في اليأس والضجر والكآبة ..

وقد ننفرُ من الحياة ، حينما نعجز عن صناعتها كما نشتهي ونتمنّى ونريد ، وقد تبادلنا الغرام والشغف حينما نستطيع أن نصنع منها عالماً من التلوينات والتنويعات والجماليات . وقد تبدأ الحياة عند البعض من حيث إنها انتهت أو أوشكت على الانتهاء . وقد تنتهي عند البعض الآخر من حيث إنها قد ابتدأت أو أوشكت على الاقلاع . وفي مطلق الأحوال ، الكل ربما يبحثُ عن مبررٍ ما يدفعهُ للإقبال على الحياة أكثر . وربما حتى أولئك الذين فقدوا الجدوى من الحياة ، قد يبقون يبحثون عن مبررٍ ما يدفعهم نحو الاشتغال على ما يمنحهم قدرة التواصل والتخلّق معها ..
هل تطلبُ الحياة من الإنسان أن يعرف كيف عليه أن يحيا فيها ؟ وكيف عليه أن يتواصل معها جيّداً ؟ ربما الحياة لا تطلبُ كل ذلك من الإنسان ، ولكنها تدفع به إلى أن يعرف كيف عليهِ أن يصنع من الحياة عالمه الذي يحيا فيه متوافقاً ومتصالحاً مع ذاته وأفكاره ورغباته واشتهاءاته وتمنّياته وانشغالاته ، وحتى مع آلامه وخيباته وانكساراته . وقد يمنحهُ ذلك قدرة دافعة على امتصاص ما قد يعترض طريقه من نتوءات وتعثرات ومنزلقات هنا وهناك . فالأمر يتطلبُ من الإنسان أولاً أن يعرف أن هناكَ قراراً عليه أن يملكهُ وهو بحوزتهِ دائماً ، ويملك تبعاً لذلك أن يقرر جيّداً . مدفوعاً بمخزون خبرته وتجاربه في الحياة من أجل أن يُقدم على عمل جيّد ، يجني من وراءهِ ثمرة قراره وعمله . وأن يملكَ الإنسان قراره ، قد يعني في الصميم أنه يعرف كيف يريد ومتى يريد وماذا يريد فعلاً . ويريد أن يعرف أنه بصدد أن يفعل ما يريد استناداً على ذاتية قرارهِ الحر . وهكذا يدخل الإنسان معترك الحياة يتعلّم أن يقرّر ما يريد ، مستدعياً في ذلك ، الخليط المعرفي الذي يتماوج في أعماقهِ من فكر وحكمةٍ وتجربةٍ وتأمل وتفلسف . وأن يملكَ الإنسان ميزة التفلّسف ، يعني أنه قد أصبحَ يعرف كيف يتلّمسُ طريقه ، وكيف يجترح الصياغات والتصورات والرؤى التي تفعمهُ قدرة التواصل الإدراكي والواعي مع الحياة ، مستعيناً في الوقت ذاته بتأملاته وتساؤلاته وتفكراته وتجاربه وذاكرته المعرفية الإنسانية ..

وهل تمنحنا الحياة وقتاً نلتقطُ فيه أنفاسنا قبل أن تمضي سريعاً إلى طريقها ، بعيدةً عنّا ؟ ليسَ دائماً . الحياة لا تنتظرُ أحداً ، ولا تعود بنا ثانيةً إلى حيث ما نريد . إنها تمضي . وما دامت هي كذلك ، فهل من المنطق أن نطلبَ منها أن تنتظر وتمنحنا وقتاً كافياً نتريث فيه ونستعيد به ترتيب أنفسنا على نحوٍ يضعها بين أيدينا ؟ من البديهي أنه لا يحدث ذلك في المطلق ، ولذلك قد نبدو في كثير من الأوقات متأخرينَ عن الحياة . متأخرينَ عن فهمِها وإدراكها في الوقت المناسب ، ومتأخرينَ عن معرفةِ تفاصيلها وإجادة مفرداتها كما يجب . وفي هذه الحالة ، هيَ تمضي بعيدةً عنّا ، بينما نحن لا نزال نتخبطُ في دوامةٍ فارغة . وما يضعنا في هذه الحالة المتأخرة من تعلّم الحياة ، هو إننا لا نعرف كيف علينا أن نحياها ، وكيف علينا معايشتها والانتصار فيها لذواتنا ولاختياراتنا الحرة وللحظتنا الراهنة . وكيف نجترحُ سُبل التواصل الحميمي معها ؟ فهناكَ مَن ينظر إلى الحياة على إنها هيَ ذاتها الحياة الفانية ولا يستدعي الأمر منه الاعتناء بها أو حتى مجرد الالتفات إليها ، بل عليه أن ينشغل عنها بالانصراف إلى ما هو أعظمُ منها وأرفع شأناً . وهناكَ مَن يعيشها فقط من خلال الآخرين ، وذلك يوفرُ عليه حتماً جهد صناعتها ، لأن هناكَ مَن يصنعها ويقررها بدلاً عنّه ، ويرتبها له وفقاً لرغباته وأفكاره وأهدافهِ ، وليسَ أمامه سوى أن يرفلَ بالراحة والطمأنينة والسلامة ، فالحياة لا تستحق منه أن يُجهِدَ نفسه وعقله من أجل معرفتها . وهناكَ مَن يجدها إنها قد انتقلتْ إليه بمحض التوارث ، ولا شيء سواه ، وعليه أن يتيّقنُ أنه في الأكيد المطلق يتوارثها كما هيَ من أسلافه الصالحين السابقين ، وعليه تالياً أن يتوارثها بكامل محتوياتها وأثاثها ومخزوناتها منهم ، وإذا لم يتوارثها بهذه الطريقة ، فإنه يخونهم ويعتدي على قداسة ونزاهة تاريخه ومنقولاته وتراثه . ومَن يرى أن عليهِ أن يحيا حياته هكذا ، لن يتعلّم الحياة ، ويتأخّرُ عنها كثيراً ، ولا يصلُ لشيء ، وتسبقهُ الحياة بمراحلَ كبيرة . فقط يعيشُ حياته التي لم تكن يوماً بين يديه من الأساس ، مستأنساً ومنتشياً ومفاخراً بتكرار غيره وتكرار موروثاته وتراثياته ..
أن يعيش الإنسان حياته ، ويتعلّم كيف يحياها ويحبّها ويملؤها بالسعادة والإشتهاءات والرغبات والنجاحات والتوثبات ، ذلك يقتضي منّه أن يعيشها بإرادته وبذاته وبعقله وبتفكيره . حينها يراها جديرةٌ بالتعالق مع سياقاتها وأنساقها المختلفة ، وجديرةٌ بجهدهِ وسعيه وحماسه ووقته وتواصلاته . ويُقدمُ عليها مسترشداً بالمعرفةِ ، وعاشقاً للحكمة ، ومُفعماً بشهوة التفلسف فيها ، وجريئاً في اجتراح صياغاته الثقافية والفكرية ، ومُبادراً في اكتساب الجديد والمغاير من المعرفيات والثقافات . فهذه الأشياء تمدّهُ بالسعادة الذاتية والانتشاء الذهني والتوهّج العقلي ، وتمنحه قدرةً على مواجهة الألم واليأس والتراجع والضجر والتلاشي . أنهُ يصنع لحظته الراهنة بالتفلسفِ فيها صياغةً وطريقةً تتوافق انسجاماً وتصالحاً مع ذاته وخياره وتفكيره ، يصنعها في أعماقهِ ومن أدواته وابداعاتهِ في التفكير والابتكار والتخلّق . ويعملُ على صناعة الأشياء التي يوجدها بالحس التفاعلي الجمالي مع الحياة ، ويتناولها بطريقتهِ واشتغالاته في محاكاتها عقلياً وتفكيرياً ونقدياً ، ولا يجفلُ لاحقاً من تغييرها أو تطويرها أو حتى تجاوزها ، ويصنعُ من ذلك وجوداً واقعياً يضعهُ على قيد الاشتغال به وممارسته بالاشتهاء المعرفي والشغف التفلسفي . أنه يرتاد هذه الحياة كما قرّرها وأحبّها وكما يريد أن يحبّها ويحياها ، وكما يشتهي أن تكون هي ذاتها الحياة الحاضرة دائماً في أعماقهِ أبداً ، تلهمهُ الشغف والحب والمغامرة والفرح والسعادة والتألق ..