[ سيرة الرماد] ليحيى الشيخ 3

شاكر حمد
2013 / 8 / 17

[سيرة الرماد] ليحيى الشيخ

3
شاكر حمد

في تقنية المحفورات – الكرافيكية- ثمة تقاليد أساسها التخطيط و التشكيل من كتل وأنسجة ومساحات وإيهامات بالسطوح المتناظرة والمختلفة الملمس, موضوع ومضمون ,حتى في التجريد يكمن المضمون والفكرة, لأن تقنيات الحفرتُنجز على مراحل يدوية, تتداخل فيها الأدوات والمواد – أملاح وحوامض وصموغ وعوازل وعمليات تسخين وإذابة وتغطية وتحبير وغير ذلك - و لابد أن تبدأ من – شكل – يملأ الحيز المحوري في اللوحة, وللشكل دلالة تعبيرية أو رمزية. للفنان الشيخ ما يسند خبرته في التواصل العقلي والمختبري لفتوحات كرافيكية جديدة مع كل محطة جديدة . في مطلع السبعينيات عرض عمله المميز ( الرمّانة ) (رسمت ُرمّانة كبيرة أسقطتها في أعلى اللوحة ؛رُمّانة محتقنة تبذر حباتها ذات العافية على سهول وهضاب تعج ببشر هائمين على وجوههم . عمل إيحائي ينطوي على سريالية, ذات حلم رقيق ). تعابير شاعرية عن فكرة رمزية نفذت على ورق, كرافيكياً.
الكرافيك فن الموهوبين بالذائقة الحرفية دون سواهم, وليحيى الشيخ حق إدعاء هذه الموهبة, لأنه فنان الورشة. في الواقع أن ورشة الكرافيك تقارب ورشة الصياغة – حفر وطباعة وتطعيم وعمل يدوي ونقش وتصميم وزخرفة وكتابات وخيال في صناعة الجمال ومنجزه النهائي. والصاغة يرسمون بالمينة السوداء , والملونة,على الفضة صوراً شخصية ومناظر طبيعية وتعاويذ وآيات قرآنية .

في روسيا يكتشف الفنان النمط التشكيلي المسمى (الإيقونة) المعروفة في الفن المسيحي. وبالتأكيد يرى الفنان شكل الإيقونة البنائي, وتقسيم سطحها وتوزيع الأشكال- الأشخاص – وإتباع منهج التكوين التقليدي السائد فيها, كتقسيم المساحة الكلية, وتقارب الحجوم ورسم التفاصيل. وفي النهاية سيكون العمل شكلاً من أشكال المنمنم الشرقي. لكن الفنان لايريد من الإيقونة سوى بنيتها التكوينية ,وحتى هذه البنية ستكون خاضعة لتخييل معاصر ينسجم مع الأفكار الشاغلة لمقاطعها. فما هي الأفكار؟....يقول الفنان ( كان تحت إبطي آنذاك كتاب علي الشوك" جولة في أقاليم اللغة والأسطورة " مثل تعويذة ضد الخوف والإحباط اللذان كانا يتربصان بي .وأنا أقرأ عن الآلهة وطقوسها وعن مواسم الخصب وقدسية الجنس, جميلا أن أتخيل الألهة السومرية وحيواناتها على هيئة إيقونات... تعج معابدها بالبغايا المقدسة يؤطرها ذهب وفيروز بابلي...) لوحة( البغي المقدسة) و( عذارى وضباء بابلية, أسود فارسية, وكباش فرعونية إحتشدت في طقس مكرس للحب في إثنتي عشرة إيقونة أسميتها " طقوس إنانا " ) توصيف جميل وشرح تفصيلي يتخطى حرفية الرسام بسردية شعرية تضاهى الأعمال الكلاسيكية البانورامية. إنجاز مميز يحجبه القلق عن المواصلة. ويعترف الفنان أنها( كانت نزوة إعترتني وأنا في أشد حالاتي يأساً؛ أوصلتني الى مفترق طرق, أخطرها التزويق ومخاطبة عواطف إثنية سادت وسط فناني المهجربذريعة الوفاء للينابيع الأولى.). لقد تعرض الفنان الى إغراء مؤقت بنظام الإيقونة التكويني , منسلخاً عن قدسيتها التأملية, تماماً مثلما يوظف بيكاسو أقنعة القبائل الإفريقية, أو بقايا دراجة هوائية لتدل على مضمون جديد مغاير تماماً لوظيفتها الحقيقية. وسرعان ما تعجز الإيقونة عن الإيفاء بالشروط المطلوبة لإنجاز- تحديث – جديد يلائم أهواء الفنان لماذا؟.... في الواقع أن مضمون الإيقونة يتحكم بشكلها, ويقرر تقسيم هذا الشكل بمساحات- أماكن – للعناصر التعبيرية حسب وظائفها التعليمية, وبالتالي في أجزاء منفصلة موضوعيا وشكلانياً, كأن تكون شخوص متباينة الحجوم والمراكز, على درجات قدسيتها. وهذا التقسيم خلق النمط السكوني لفن الكنائس ما قبل عصر النهضة. إذن هي أهواء الفنان الباحثة عن صياغات متحركة , دخول مساحة عقلية بغية المعرفة والتقصي ثم مغادرتها الى واحة عقلية جديدة. إكتشافات في الطبيعة الملونة وعوالمها المجهرية, ومحيطها التجريدي, من حراشف وأصداف وسطوح محفورة بيد الطبيعة و فضاءآتها المفتوحة , تلك العوالم الحية التي لاتحققها الأساليب النمطية – السكونية - وهنا يكمن بعض السر في المتاهة العقلية الغائرة في تشكيل الإيقونة, الحالمة بالخصوصية المنهجية الموروثة من تقاليد ورشة الكرافيك وذاكرة الصياغة, وربما ذاكرة الطقوس المندائية.




في( سيرة الرماد) كنت أبحث عن مركّب الشخصية الثالث - عن الفنان - بعيداَ عن الأجناس الموضوعية , فلم أفلح...بل صدقت أن ترابط الأنسجة الثلاثة ـ الوعي السياسي, الرسم, الشعر- تنساق في مستويات متوازية ومضفورة , يعلوها صوت الطفل , في صدقية الإعتراف والحنين الى الماضي. الى آخر كلمة يتحدث الطفل عن تعلم الرسم وعن الخوف من الفشل في المدرسة. يتملكه الحزن وهو يستذكر الأسماء القريبة,قرابة المخلوقات البرمائية. كما في الوعي الشيوعي يعتلي المراهق صهوة الجواد الجامح, يخط الشعارات على ورق الكارتون(السلم في كردستان) مروراً بالإعتقالات وترك الحزب والعودة. والإنقطاع عن الرسم في فترات الصراع مع الحياة والتنقل وعدم الأستقرار. وبالتأكيد التقاطع مع آلية عمل الحزب...إغراءآت الجبهة الوطنية مع البعث. ومازالت ذاكرة عام 63 مكسوةَ بالرماد. وينتهي مطاف السياسة والحزب ( في نهاية 87 تم تأسيس كلية للفنون في طرابلس الغرب. كانت فرصة تناسبني وتبعدني عن عادات العمل وضائقة العيش. وفرصة أيضاَ لترك العمل السياسي والخروج من خنادق الحزب. لقد تعبت من تناقضاته السياسية وإنهياراته الداخلية فإحترمت عقلي وأمسكت بحياتي وغادرت بلا رجعة.) فهل أجد مايفترض أنها الرحلة المتشظية في محطات الإحباط , التداخل والتناقض مابين العلاقات الروحية مع الأرض والجذور الفكرية وبين النهايات المقموعة قسراً؟..أوراق ضائعة وعدم إستقرار. هروب دائم لعقل ملاحق ومطلوب يتنقل بأسماء مستعارة وجوازات سفر مزورة. الوعي السياسي, الثقافة, تجربة شبابية في العمل الحزبي تنتهي....الطفولة ,الإرث المندائي الجميل, ذاكرة الفنان تخضع لمهيمنة الموروث لدرجة الندم بالإنسلاخ الطوعي عن الكهنوتية , بعقد زواج في الكنيسة, على غير مايستهوي التقاليد... لاشيء سوى المعقول. ..أو هو(عين العقل)كما يقول أحد أبطال نجيب محفوظ, تلك المقولة التي تؤدي الى جنون إبن البطل , المتيم بحب إبنة الجيران .

أزعم أن هذه الرحلة العاصفة وجدت إنعكاساتها في مراسم الفنان المرتحلة في الغربة, وتنقلاته في الأساليب وإكتشافاته في الطبيعية, وفي التقنيات, وفي نصيّاته الشعرية وتأملاته الشعورية لتجربته الفنية. يقول عنه الناقد سهيل سامي نادر" من المؤكد أن وعياً حاداً وتشاؤماً ,عقلياً, متوفران في كتابة يحيى الشيخ, لكن سيرة الرسم, وهذا الإستبدال له معنى, توضح نوع الأفكار والعواطف التي يودعها الفنان في عمله, ولا سيما عند بناء تجربة, ووداع أخرى, في تحولات الرسم ينمّي يحيى رغبةً جامحة في الإندماج بعالم الأشياء, إندماج يرقى إلى الإتحاد الصوفي( بمعنى الفناء).. إن الرماد ههنا هو تحول وإستقبال, لكن الفنان الجاد يراه من زاوية ماأخلاه وليس ما إستقبله." وأرى أن المسعى المتعدد الورشات والمراسم وتكديس المواد الغريبة عن تقاليد الرسم – السطوح والصبغات- إنما يدور في إطار محاولات الخلاص من هذا" التشاؤم العقلي" الذي رآه سهيل سامي نادر في أعمالهِ الأخيرة.


بعد ذاكرة الحفروالزنك وموروث الصاغة الكبار ذوي اللحى الكثة والنظارات السميكة والكير والسندان يكتشف الفنان روح المادة الأولية في الطبيعة العائدة لسكان اللطلاطة الأوائل عبر مواد الخشب والقش و..( زودت مرسمي بكل ما أعثر عليه في طريقي: أخشاب يابسة وأوراق تفسخت أغشيتها ولم يبقَ منها غيرعروقها مثل " دانتلا نسجها الله", أحجار وصفائح حديد صدئة أكلتها الأقدام في الطرقات, حبال وجلود ودواوين شعر وما أنزل الله به من سلطان....) ويتحول مرسم الفنان الى مختبر للمواد الطبيعية. ويكتشف أن أصل التجربة يعود الى القرية الأولى وحصرانها وسعفها وأطيانها, في مجموعة أعمال ورقية يسميها (رسائل الى الورد)...( وأنا أعيد قراءة الرسائل أنها كتبت في زمن غابر بلغة إثنية كنت يوماأُجيدها. هذه المروج بسياجاتها, والأعشاب اليابسة وحبال القنب, وخوص السعف قد عاشرتها وتمرغت عليها عارياَ, وجرحتني قبل عقود من السنين......) وقد أزعم بالإعتقاد أن البحث في مختبرات الطبيعة الفطرية ينطوي على دلالات تشتت السيرة بعد مغادرة القرية. دلالة الضياع في متاهات المجهول. او ضرب من تسلية النفس الموزعة بين المعجزات , كلعبة الجوازات المزورة والأسماء والعناوين الملفقة. يبحث الفنان عن حقائق أخفتها الطبيعة بين أعشابها وتضاريسها.أكرر أيضاً أن المصادفات هي الفرص الخالقة للكشوفات المبهرة أحياناً, كالأخطاء المنتجة للإختراعات العظيمة.

في الفصل المعنون (نداء الأشياء) ما يفسر نمط القصدية الشاغلة لأهواء الرسام, التحاور مع الأشياء,إعادة صياغتها بدلالتها الطبيعية وحرفيتها, في مجموعة ( ذاكرة العشب )( وضعت فيها ولها قرابة خمسين عملاً كرافيكياً, ورسماً, وعدداً لايحصى من التخطيطات. قبل مغادرتي طرابلس أتلفت قطع الزنك والنحاس الخاصة بها, وأحرقت دراساتها الأولية.. كنت أشم لحمي وهو يحترق وأشتم العالم كله.). ذاكرة العشب بدأت قبل عشرين عاماً من تأريخ هذه الأعمال, من عمله المميز القديم( الرمّانة).
البحث عن مواد جديدة تشغل اللوحة يقارب البحث عن هوية جديدة وعاصمة جديدة. فالمواد- الخامات – أوجدتها الأماكن المتغيرة والجديدة.الطبيعة؛ الأشجار والأعشاب لها فلسفتها الخاصة ومثلها المتممات السحرية المتحركة, الحيوانات والطيور, والتحصيل التجريدي مواد للشغل اليدوي ... صوف وريش. المهملات الفائضة عن الحاجة تدخل في أوليات فلسفة الفنان وتمهد لرؤيته, بل تعيده الى رؤية القرية التي غادرها منذ نصف قرن ومازالت تلاحقه أينما حط الرحال (سنواتي الثلاث الأولى في تونس عشتها في القيروان. جغرافياً وإجتماعياً كنت على هامش الريف. كانت تلك كافية لإعادتي الى حيث بدأت, قروياً.) يضيف سهيل سامي نادر في مقاله عن معرض الفنان المعنون(أكثر من سيرة) والذي إقتبسنا منه قبل سطور" إن يحيى ينتظر نداءآت من المواد التي يعرف أنها قد تتحول الى رماد.. هو مُحب للحشائش والأوراق والأغصان والأخشاب والأشياء التي تظهر من ثقوب أو كوّات من ضوء.." عن موقع - irgi writes .com-

يرى الفنان أن المكان – المدينة – التي يسكنها تمنحه كشف جديد وخامة جديدة وأسلوب جديد في التعبير, بمعنى آخر (أكثر من سيرة).

القيروان تكشف عن موهبة قروية إسترجاعية لذاكرة البيئة الطفولية. الطيور والدجاج والحمام و.. الريش , أي التعامل بالخامة الملونة والرقيقة بكل ما تهبه من تدرجات وسحنات وأيهامات وخداع للبصر. كنت أتمنى لو طبعت هذه اللوحات بالألوان وبتقنية طباعية لائقة, ليقف المتابع على قدراتها الحقيقية في التعبير عن غاياتها وما يقصده الفنان.فالمتلقي يواجه العمل الفني كحقيقة مادية ولاتقنعه التزكية الفلسفية للعمل اليدوي , بل يرى فيها نتاجاً أدبياً خارجاً عن الحرفة الفنية. وبإمكان الفنان, أي فنان, أن يروي ويحاضر ويكتب ويصدر البيانات, وبدون الحاجة إلى عرض اللوحات. مثال ذلك أن كتابات شاكر حسن آل سعيد لاتمت بصلة لأعماله. فالبيان التأملي كان نصاً أدبياً إنشائياً لم يقنع رواد معرضة ببواعث الرسم ( الإيمانية ) الذين أُعجبوا بإسلوب الفنان في تقنية الألوان المائية والتجريد, ولم تكن هذه الأعمال بحاجة إلى إسنادات فلسفية مثالية. والأمرُّ من ذلك إحالة الجهد اليدوي التجريدي, بسحنته الأوربية, الى دوافع قرآنية, كفكرة الإسراء والمعراج في الخيال الإسلامي.

ماذا عن الريش؟ ألوان الريش...( أنجزت ثلاث قطع؛ مرقطة يشوبها بياض في المساحة العلوية في بياضها العاجي ريشات رمادية وسود) نستطيع أن نتخيل العمل بنسبة واحد في المائة بدون مشاهدة القطع الثلاث, وبنسبة خمسين في المائة إذا شاهدنا صورة ملونة لهذه اللوحات, مع قراءة النص الأدبي الجميل (ريش يتعالى على غربته بعيداً عن الأجنحة في أعطاف ذاكرته سماوات بعيدة وأعشاش عالية فيها مايذكِّر بحياتي .) قبل تجربة توظيف الريش في الرسم – كولاج – مرَّ الفنان الشيخ على الصوف. تجربة أخرى في عمل الورشة اليدوية,عجنْ الصوف الملون وتحويله الى مادة صلبه . أصل الفكرة درس الأشغال اليدوية لطلاب كلية المعلمين العالية في تروندهايم , حيث كان الفنان يدرِّس فيها.(إكتشفت شخصية جديدة للصوف لم ألتقِ فيها من قبل... كان وشائع كبيرة ملونة على هيئة طبقات واسعة, بحر من الشعيرات الملونة, شاهدت الطلبة كيف يعجنونه ويلبدونه ويصنعون منه لعباً وقبعات وقفازات بدائية الشكل.... أدركت وأنا أمد يدي وألمسه, كم كان يعوزني الدفء, والإلفة, وكم كان يشبهني...) .

اللوحة المنشورة في موقع ( الفنان العراقي) – إتحاد الجمعيات المندائية في المهجر- توضح القيم الحقيقية لمنجز الفنان في تجربة مادة الصوف, اللباد الملون, منهج الخامات الطبيعية, وبالطبع ثمة مشاعر لونية طاغية في هذه ( الإشراقات ) تؤكد الإنتماء الى عصر التكنولوجيا الفضائية.. عصر البوليمرات وفيزياء المواد. فاللوحة بمثابة نسيج من توهجات , تحققها تلافيف الصوف بدرجات اللون الأحمر, ليطفو على تضاريسها إيهام تجريدي خاطف ومقتصد بسحنةٍ بنفسجيةٍ وهاجة. كتب الفنان والناقد موسى الخميسي عن هذه التجربة ورؤية الفنان التأويلية لها " مشكلة الصورة عند يحيى الشيخ هي البحث عن مصطلحات فلسفية فنية جديدة محددة بدقة وغير معزولة عن المشكلات الفلسفية العامة التي تعيشها البشرية, تعكس حالة اللاتمثيل اللا صوري القائم على تجربة الفنان مع كتلة الصوف بألوانها المتعددة, المضاءة, وعلى سطح اللباد, كقاعدة للوصول الى نظام تزيين مؤلف من الرموز المتحررة إزاء ضرورات خارجية كثيرة, إلاّ أن هذا النظام مرتبط بحقيقة موضوعية تحاكي الطبيعة بإستخدام جزء من موادها الصافية"- موقع (الفنان العراقي) -
بالتالي ثمة إنجاز يوصف بالقيم التشكيلية, التجريبية, وما زال الفن العراقي الأصيل, فناً تجريبياً, سواءً أخضعناه للتفسير الفلسفي أم تركناه يعبر في مرئياته ودلالاته السريه, ليمنحنا القدرة على إدراك معانيه الغامضة, ونكتشفها. لابديل حقيقي عن الرسم بتقنياته وحرفياته....إنه فن المتغيرات وروح العصر.

أقنعنا الفنان بإنفصاله عن المرسم والصبغات والفرشاة وتعلق بالأهواء, جسارة الخوض في التجربة كولوج غابة سحرية ومغادرتها بلا أسف ولا حسرة.
في تجاربه الكرافيكية أهواء ,بحواس طفولية لنسيان التقاليد الحرفية , في السطور التالية يوضح الفنان تقنية – الأهواء - التلقائية , التجريبية (في هذه المجموعة لم أدنُ من تقنيات الكرافيك التقليدية التي إشتغلت عليها. وضعت يدي على وسائط خام وجازفت على هواي في تجريب لم أعهده من قبل , حتى أني عجزت عن تصنيفها. فيها ملامح الحفر لكنها ليست حفراً. كما فيها من طباعة الأوفسيت بنقائها وصفاء سطوحها....لكنها ليست كذلك. قد تومئ الى نسبها لطباعة الشاشة الحريرية بكثافة حبرها وصراحته.... وهي ليست كذلك. الى جانب غرابة المادة فقد أقصيت عن عمد أكثر الوسائل الميكانيكية التي ألفها الكرافيك, وقلصّتُ فعل الآلة معتمداً على يدي في حراثة خدوشي وتضاريسي على ألواح من مواد مختلفة وطبعت على ورق أسود.).

في الختام أقول أنها سيرة أصيلة وصادقة ألقت الأضواء على أحد مسارات الفن التشكيلي العراقي وعلى الظروف , القاسية, التي أحاطت نموه وتطوره, وما نتج عنها من ظواهر إغتراب وتهجير, وعلى تجربة الفنان يحيى الشيخ النوعية في منجزها الفني الكبير.
وثمة باب لآيمكن إغفاله في هذه السيرة ألا وهوالخطاب اللغوي سرداً و شعراً, والذي يحتاج الى قراءة تحليلية شاملة ومنفصلة, لأنها تتصل بوعي الفنان, ورسالته الثقافية.



,