بن كيران و التحالف مع العفاريت

نبيل بكاني
2013 / 7 / 28

بعد الحرب الهوجاء التي شنها عبد الإله بن كيران على صلاح الدين مزوار، قبل الانتخابات البرلمانية، و بعد تشكيل الحكومة، و بعد كل تلك الاتهامات التي كالها له؛ و ماقاله في هذا الرجل لم يقله مالك في الخمر؛ هل يقبل بن كيران بعد كل الذي جرى، وضع يده في يد مزوار و يضحي بكل ما تبقى للحزب من شعبية، بعد الفشل الذر يع الذي حققته الحكومة في تسيير الشأن العام.

لدى بن كيران حجة قوية، يمكن أن يتحجج بها للتحالف مع عدوه اللدود؛ و هي إنقاد الحكومة من الغرق حفاظا على المصلحة العليا للبلاد، بما أن الخيارات المتبقية أمام بن كيران معدودة، بعد إعلان أحزاب المعارضة رفظها النهائي لأي مشاركة في تطعيم البثور التي خلفها انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة، و بعد قبول الملك استقالات الوزراء الخمس، تبقى ثلات سيناريوهات مفترضة، لمواجهة الأزمة.

السيناريو الأول و الوحيد، الذي بإمكانه الإبقاء على استمرار بن كيران رئيسا للحكومة؛ هو التحالف مع صلاح الدين مزوار رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار المعارض، لكن هذا السيناريو لا يخلو من مغامرة، و له من العواقب ما قد يعصف بالحكومة من جديد؛ و التي تعاني أصلا من التخبط و عدم القدرة على الانسجام و التوافق بين مكوناتها، أيضا، سيكون له تأثير سلبي على ما تبقى من مصداقية في هذا الجسم؛ فمن الناحية الأخلاقية، يمثل كارثة، لسببين، السبب الأول كما سبق ذكره، الخلافات و التطاحنات التي وصلت إلى حد تبادل تهم خطيرة بين مزوار و بن كيران، السبب الثاني، الفضيحة المالية التي ماتزال تلاحق مزوار، و التي تفجرت بعد تسرب وثيقة رسمية من داخل دواليب وزارة المالية تكشف تورطه في نهب المال العام عندما كان وزيرا للمالية. في الوقت التي ينتظر فيه السيد كاهوزاك وزير المالية الفرنسي الأسبق جلسة محاسبة جديدة داخل الجمعية العمومية الفرنسية، في سياق الفضيحة المالية الشهيرة، ينتظر السيد مزوار حظ كبير في دخول الحكومية الاسلامية.

السيناريو الثاني، تقديم بن كيران استقالته للملك؛ و في هذه الحالة، يتعين على الملك تكليف شخصية أخرى من حزب العدالة و التنمية لقيادة حكومة معدلة، أو تعيين شخصية من التيكنوقراط لتشكيل حكومة جديدة غير منتخبة، أو الذهاب نحو تنظيم انتخابات سابقة لأوانها؛ إلا أن هذه الخطوة تبقى مكلفة ماديا في ظل الوضعية الإقتصادية الصعبة للبلاد، كما أنها تمثل مغامرة غير مضمونة النتائج من الناحية السياسية؛ ستعطي انطباعا سيئا حول أول تجربة سياسية تبناها النظام بعد دستور 2011 الذي لاقى معارضة قوية بسبب المنهجية الانفرادية التي صيغ بها، و التي لم تحترم شروط الآلية الديمقراطية المتعارف عليها؛ خاصة أمام المعزوف الذي قد تشهده تجربة انتخابات سابقة لأوانها، لاعتبارات اجتماعية.

أمام هذه الوضعية المتأزمة، التي لا تمس حكومة بن كيران و الحزب ذو الإتجاه الإخواني الحاكم فقط، و لكن تمس كذلك مصداقية الدولة ككل، بما فيها النظام السياسي، الذي راهن على التجربة الحكومية، وقدم وعودا للداخل و للخارج بنجاحها، و بعد اتضاح الصورة السياسية للوضع الرسمي القائم، و انكشاف بؤر ضعف الحكومة و محدودية آليات اشتغالها، مقابل الصلاحيات الجد موسعة التي منحها الدستور للملك؛ يظل الأفق غامضا أمام الحكومة و أمام البلاد، و سواء تغيرت التشكيلة الحكومية أو تغيرت الحكومة كاملة، فإن الوضعية العامة لبنية الدولة باقية كما على حالها؛ وزارات سيادية لا تخضع لتوجيهات رئيس الحكومة، مدراء مؤسسات عمومية، إدارية و اقتصادية لا يأتمرون لرؤسائهم "الافتراضيين" (الوزراء و رئيس الحكومة)، غياب استقلالية تامة لجهازي القضاء و الاعلام العمومي، مجالس تمثيلية (مجس حقوق الانسان، المجلس الاقتصادي، مجلس الشباب، المجلس الأعلى للقضاء...) لا تتمتع باستقلال كامل عن أي سلطة أو جهة أخرى.

خلاصة القول؛ ليس بإمكان المغرب إقامة ديمقراطية حقيقية و فعالة، على أرض ماتزال تسلم بمفردات الاستثناء و الخصوصية و الثوابت... بعيدا عن القيم و المفاهيم الكونية للديمقراطية، التي تأسست عليها كل الديمقراطيات في البلدان المتقدمة، فمن المستحيل بناء دولة ديمقراطية في غياب إشراك المجتمع في تحديد مصيره. و تظل كل القرارات المصيرية التي تصاغ بعيدا عن إرادة الشعب، محكومة بالفشل.

لقد ضيع المغرب فرصا كثيرة و وقتا ثمينا منذ استقلاله، و أمام الوضع التي تشهده المنطقة، تبقى، اليوم الفرصة الذهبية أمامه، لضمان استقراره و لتحقيق الارادة الشعبية، هي الاستفادة من أخطاء و تجاوزات تجربة إعداد دستور 2011، لبلورة تصور محدد و واضح عن شكل الدولة و الملكية المرغوب فيهما؛ دولة ديمقراطية يحكمها دستور يجسد إرادة الشعب، أم دولة استبدادية، ملكية برلمانية (دستورية) أم ملكية شمولية تنفيذية.

ففي ظل الوضع القائم؛ سيجد أي رئيس حكومة مستقبلي، نفسه مستعدا للتحالف مع العفاريت و ليس فقط مع الخصوم و الأعداء، في سبيل إحراز مكسب سياسي شخصي أو حزبي؛ مهما كانت فوائده تافهة أو منعدمة على الشعب و البلد و الاستقرار.