دور سياسة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية على اقتصاديات البلدان النامية الجزء الثاني الجزء الاول الجزء الثاني

بقلم الدكتور نجم الدليمي
2013 / 7 / 27

دور سياسة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية على اقتصاديات البلدان النامية

الجزء الثاني

المبحث الثاني : دور المؤسسات الدولية على واقع أقتصاد دول الاطراف
المطلب الاول :- أهم المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية في البلدان النامية
شكلت وتشكل البلدان النامية اليوم طرفاً اقتصادياً رئيساً تابعاً للنظام الراسمالي وهي في علاقة اقتصادية غير متكافئة مع هذا النظام ، وان البلدان النامية تواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية عديدة ويعود سبب ذلك الى الهيمنة والتبعية للبلدان الراسمالية ولازالت هذه الاسباب مستمرة وتزداد سوءاً وبأساليب متعددة سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر .
ان من اهم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية هي مشكلة البطالة والفقر والعوز وانحطاط المستوى المعاشي للغالبية العظمى من المواطنين ، وتفشي الامية والتخلف ، وتدهور مستوى الانتاج المادي وخاصة في القطاعات الانتاجية ومنها القطاع الزراعي والقطاع الصناعي ، وتدهور مستوى الخدمات وخاصة في ميدان الصحة والتعليم .
ان من اخطر المشاكل التي تواجه البلدان النامية اليوم هي مشكلتين رئيسيتين وهي مأزق المشكلة الغذائية ، ومأزق المديونية ، وان التركيز على هاتين المشكلتين الرئيسيتين نابعاً من اثر وخطر هاتين المشكلتين على مستقبل شعوب البلدان النامية ، وان وضع الحلول والمعالجات الجذرية وعلى اسس علمية سليمة يجب ان تصب في صالح شعوب البلدان النامية ، وهذا يشكل المفتاح الهام والرئيس لتطور اقتصاديات البلدان النامية ، ويساعد على النهوض بالقطاعات الانتاجية وهي الزراعة والصناعة من اجل خلق الانتاج المادي وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب الراسمالي وبالتالي يمكن معالجة البطالة والفقر والامية وغيرها من المشاكل الاخرى في البلدان النامية .
لقد أراد الغرب الراسمالي ومؤسساته الدولية ووفق الاستراتيجية المعدة اتجاه البلدان النامية والتي تهدف الى الاستمرار في تعميق المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمة هذه المشاكل هي مشكلة المديونية ( داخلية – خارجية ) والمشكلة الغذائية واستخدامها كادوات ضغط سياسية واقتصادية واجتماعية من اجل تحقيق اهداف متعددة وغير مشروعة ومنافية للديمقراطية ، وفي مقدمة هذه الاهداف غير المشروعة هو الاستحواذ على ثروات شعوب البلدان النامية وفرض نهجا اقتصاديا – اجتماعيا محددا ، اي فرض مايسمى بسياسة الاصلاح الاقتصادي ، وهذا النهج لايعبر عن مصالح الغالبية العظمى من شعوب البلدان النامية ، بل يعبر عن و يخدم مصالح الغرب الراسمالي ومؤسساته الدولية " وحلفاؤهم " و " اصدقاؤهم " في حكومات البلدان النامية من الحيتان والديناصورات المالية المتوحشة وثيقة الصلة بالغرب الامبريالي ومؤسساته الدولية .
يشير ريتشارد بيت ان (طبقة من العلماء الاقتصاديين في هذه البلدان ممن تدربوا في الغرب وطبقوا تحليلا معياريا تقليديا وتسنموا مناصب وزارية هم الذين ادخلوا في الغالب اصلاحات اقتصادية بخصوص كبح دور الدولة وزيادة الاعتماد على أليات السوق ) وكما يؤكد بيت ( يعمل الاقتصاديون السياسيون في بلدان العالم الثالث بالتعاون مع نظرائهم في الوكالات الدولية ، ويتحلى العامل الاهم في " احراز " اصلاحات باتجاه اقتصاد السوق ... وقبول " نصائح محددة " نافعة ... وان صندوق النقد الدولي يتبع في تجربته ايديولوجيا كانت متطابقة بشكل كبير مع مصالح المجتمع المالي ) 29 .
ان ظهور وتعمق وتفاقم مشكلة المديونية والمشكلة الغذائية وغيرها من المشاكل الاخرى يعود الى العاملين الخارجي والداخلي المترابطين والمتعاونين في تحقيق الهدف ، فالعامل الخارجي يتمثل بالبلدان الراسمالية ومؤسساتها الدولية والمتمثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية ، فيتم فرض نهجاً سياسياً واقتصادياً لايتلائم وحاجة البلدان النامية ولايعبر عن واقعها الاقتصادي والاجتماعي ، ويتم تطبيق هذه السياسة على البلدان النامية وبشكل غير ديمقراطي ، اما العالمل الداخلي فيتمثل بوجود " عملاء النفوذ " الذين يمثلون النخبة الحاكمة في غالبية البلدان النامية وهم متنفذون ويقودون السلطة التنفيذية والتشريعية ، وهذه النخبة مرتبطة مصالحها السياسية والاقتصادية والايديولوجية بمصالح الطغمة المالية في الغرب الامبريالي ومؤسساته الدولية ، ومن خلال مواقعهم الهامة في السلطة فهم ينفذون نهج وسياسة صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية .


المشكلة ألاولى :- مأزق المديونية :
شكلت المديونية الخارجية ولاتزال تشكل عبئاً اقتصادياً وسياسياً خطيراً على بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ، وظهرت هذه المشكلة في بداياتها الاولى في السبعينات من القرن الماضي ، وبدات تتفاقم وتتزايد بشكل كبير وسريع وملموس ومرعب منذ الثمانينات من القرن الماضي ولغاية اليوم .
ان مديونية البلدان النامية ماهي الا فخاً ومازقاً اقتصادياً – اجتماعياً وسياسياً كان مخططا له ، تم اعداده في الدهاليز والغرف المظلمة للغرب الراسمالي ومؤسساته الدولية من اجل تحقيق اهداف متعددة وفي مقدمتها اهداف اقتصادية وسياسية وايديولوجية .
ان البلدان الراسمالية ومؤسساتها الدولية تكونت لديها " فوائض " مالية جاءت بسبب الاستغلال والنهب والاستحواذ على ثروات الشعوب ، وفي ظل غياب التكافؤ في العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي ولصالح المركز ، وهذه " الفوائض " المالية بحاجة الى استثمار من اجل تعظيم الارباح في الخارج ، مقابل ذلك ، فان معظم البلدان النامية تعاني من نقص (شحة) في الموارد المالية بهدف معالجة مشاكلها المتعددة ، وهي تعاني من تكريس للتخلف والتبعية مع الاقتصاد الراسمالي ، ولايمكن لغالبية البلدان النامية من ان تخرج من مأزقها الا من خلال الحصول على القروض الخارجية و " المساعدات " المشروطة بشروط قاسية ومذلة ، ومن هنا يمكن القول وليس من باب " الصدفة " من ان تلتقي مصالح واهداف الراسمالية ومؤسساتها الدولية مع مصالح واهداف غالبية البلدان النامية ولكنها بنفس الوقت متعارضة من حيث المبدا وهذا الالتقاء في الاهداف قد جمع التناقض والتوافق في ان واحد بين المركز والاطراف وهذا هو المازق الحقيقي الذي تم التخطيط له من قبل الغرب الراسمالي ومؤسساته الدولية بهدف دفع غالبية البلدان النامية الى هذا الفخ اللامشروع .
لعبت وتلعب الولايات المتحدة الامريكية دوراً كبيراً ورئيسياُ في رسم وتوجية السياسات الاقتصادية والنقدية للمؤسسات الدولية وبما يخدم مصالحها بالدرجة الاولى بدليل (( نظرت الولايات المتحدة الى المنظمات المتعددة الاطراف بما في ذلك البنك الدولي كادوات للسياسة الخارجية يمكن استخدامها في دعم الاهداف والاغراض الامريكية ))30 .
وان المؤسسات الدولية تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان النامية وباساليب متعددة بدليل يفرض (( صندوق النقد الدولي اعتقادته ورؤاه على البلدان التي ربما ترغب في سلوك طريق تطور مختلف ، وهنا تصبح القروض بؤرة توتر يتقاطع فيها الصراع الاجتماعي داخل المجتمع مع مؤثرات بين المجتمع والنظام العالمي ، بين الدولة وصندوق النقد الدولي )) 31 .
ان سياسة القروض المتبعة من قبل المؤسسات الدولية ومنها صندوق النقد الدولي تتميز بفرض شروط قاسية وهي (( مستندة على مفهوم ايديولوجي )) وتعد شروطه (( شكلا عنيفا وقاسيا مفروضا على بلدان العالم الثالث حتى تصاعد مد الغضب الشعبي بسرعة ، وبدات الاحتجاجات غالبا في شكل انتفاضات ضد رفع اسعار المواد الغذائية ، وضمن الاطار العام للاحتجاج ضد سياسة التقشف المفروضة والمتمثلة في تخفيض الاجور والغاء الدعم الحكومي )) 32 .
ان من اهم الاسباب الرئيسة التي ادت الى تنامي معدلات المديونية الخارجية للبلدان النامية تكمن في غياب التكافؤ في العلاقات الاقتصادية بين المركز والاطراف وخاصة فيما يتعلق باستيراد السلع الراسمالية والغذائية والدوائية ... وباسعار مرتفعة من قبل الاطراف وتنامي معدل الانفاق العسكري وبشكل مرعب لغالبية البلدان النامية ، وهروب رؤوس الاموال الوطنية وباساليب عديدة من بعض البلدان النامية الى البلدان الراسمالية .



جدول رقم (3)
تطور حجم الميونية الخارجية للبلدان النامية خلال الفترة 1955 -2010 33
السنوات حجم المديونية ( مليار دولار )
1955 6
1970 75
1980 379
1985 970
1990 1,022
1995 1,341
2000 2,563
2005 2,623
2008 3,719
2010 اكثر من 5 تريليون دولار

يلاحظ من الجدول رقم (3) مايلي :-
1. زادت المديونية الخارجية خلال 30 عاما ب 162 مرة ، وخلال 55 عاما ب833 مرة .
2. تنامي سريع لخدمة الديون وان هذه المديونية لم تحقق شئ ايجابي وملموس لا لحياة الفقراء من شعوب بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ولا لاقتصادها الوطني .
3. لقد سببت هذه المديونية المفرطة بتشديد التبعية والتخلف للبلدان الراسمالية .
لقد ادت المديونية الخارجية للبلدان وغيرها من المشاكل الاخرى الى جعل هذه البلدان تدور في فلك الامبريالية وهذا سيؤدي الى المزيد من الاغراق في الديون . كما انه سيبقي على المستوى المنخفظ لانتاجية مجموع العمل الاجتماعي 34 .وكما يلاحظ ان الغالبية العظمى من البلدان النامية ليس في مقدورها ، بل عاجزة عن تسديد الديون وخدمة الديون حتى لو " باعت " مواطنيها كسلع حية للطغمة المالية الحاكمة في الغرب الامبريالي ، انه مازقاً حقيقياً و "ذكياً " للبلدان النامية ؟! .
يؤكد جوزيف ستيغليز الى ان ( السياسة الاقتصادية هي اليوم ، بدون شك العنصر الاكثر اهمية في علاقات الولايات المتحدة مع العالم ، لكن ثقافة الاشخاص الذين يصيغون السياسة الاقتصادية العالمية في هذا البلد " المقصود امريكا " ليست ثقافة ديمقراطية ) 35 .
لقد كانت سياسة القروض ومايسمى بالمساعدات المقدمة من قبل الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية تحمل طابعاً اقتصادياً وايديولوجياً مغلفة بسلطة ديكتاتورية على البلدان النامية وهذه السياسة مخالفة للديمقراطية التي تدعي بها امريكا ومؤسساتها الدولية في العلاقات الاقتصادية الدولية بدليل ( اتجهت المساعدات الى تلك البلدان التي وافقت على ان تضل بعيدا عن الفلك الشيوعي وبغض النظر عما اذا كانت ديكتاتورية او اذا كانت تؤمن باقتصاديات السوق . لقد جرى الدفاع عن سياسة المساعدات الاجنبية في الغالب بكونها ارخص وسيلة لشراء القوات المعادية للشيوعية ) 36 .
ان من ابرز واهم النتائج الاقتصادية والاجتماعية لسياسة القروض المقدمة من قبل البلدان الراسمالية ومؤسساتها الدولية هي الاتي :-
1. التنامي السريع للمديونية الخارجية وخدمة الديون وبالتالي اوقعت البلدان النامية وبشكل واعي ومخطط له في فخ المديونية والذي ادى الى فقدانها للقرار السياسي والاقتصادي الوطني المستقل وبالتالي اضعافاً للسيادة الوطنية .
2. ان نهج وسياسة الولايات المتحدة الامريكية ومؤسساتها المالية والاقتصادية الدولية والمتمثل بتقديم القروض وما يسمى بالمساعدات المادية ، قد فشل في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بلدان الاطراف وخاصة الفقيرة منها ، من اجل بناء اقتصاد وطني متحرر ومستقل ، بل ادخل هذا النهج الماساوي البلدان النامية في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وتنامي معدلات البطالة والفقر والامراض وتشديد التبعية للبلدان الراسمالية ، وان ما يحدث في البلدان العربية من مايسمى بالربيع العربي ماهو الانتيجة منطقية ودليل حي وملموس على فشل هذا النهج الذي فرضته الولايات المتحدة الامريكية ومؤسساتها الدولية على هذه البلدان .
3. ان سياسة البلدان الراسمالية والمؤسسات الدولية لم تنجح في ايجاد معالجة جذرية لمعالجة العجوزات المالية سواء في الميزانية الحكومية او في ميزان المدفوعات ، وفي نفس الوقت فان هذا النهج الكارثي قد افشل عملية التنمية الاقتصادية – الاجتماعية وتم تخريب كل ما تم بناؤه في الستينات – الثمانينات من مؤسسات انتاجية وخدمية في غالبية البلدان النامية الى اهرامات شامخة وعاطلة واصبحت تشكل عبئا ثقيلا على شعوبها ، وهذا لم يكن وليد الصدفة ، بل كان مخططاً له ، بهدف تدمير وتخريب القطاعات الانتاجية المادية وتحويل هذه البلدان الى بلدان مستهلكة وسوقاً لتصريف مايسمى بالفائض من الانتاج الغربي ، وتم كل ذلك وغيره تحت مايسمى بسياسة الاصلاح الاقتصادي وتنفيذ برنامج الخصخصة سيء الصيت في شكلة ومضمونه .
4. ان المستفيد الاول من سياسة منح القروض للبلدان النامية هي البلدان الراسمالية ، ومؤسساتها المالية والاقتصادية الدولية وحلفاؤهم واصدقاؤهم من الحيتان والديناصورات المالية والطفيلية في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ، وارتبطت مصالح النخبة الحاكمة والحيتان والديناصورات من البلدان النامية بمصالح الغرب الامبريالي ومؤسساته الدولية ، وان هذه النخبة الطفيلية والحيتان والديناصورات فقدت حسها وانتماؤها الوطني ، لان الطفيلين والسماسرة وناهبي ثروات الشعوب ليس لهم وطن معروف ، فوطنهم هو المال والربح وتعظيمه ، فأينما يتحقق وينمو ويزدهر المال وتعظيم الربح فهو الوطن بالنسبة لهم .
وحسب تقديرات البنك الدولي فان البلدان النامية سددت بين عام 1980 و2001 نحو 4500 مليار دولار ووفقاً لاحصائيات البنك الدولي ، فان البلدان النامية تدفع الى الجهات الدولية الدائنة 700 مليون دولار في اليوم ، وهو مايعادل 500 الف دولار في الدقيقة الواحدة وحسب ما اعلنه الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو فان البلدان النامية حتى عام 1980 دفعت 7,5 دولار عن الدولار الواحد 37 .
ان الحل الجذري لمأزق المديونية الخارجية للبلدان النامية يكمن في :- العمل الجاد على شطب كافة الديون وخدمتها من البلدان النامية ، واقامة علاقات اقتصادية وتجارية متكافئة تقوم على تحقيق المنفعة والمصلحة المشتركة بين البلدان النامية والبلدان الراسمالية ، وتقديم القروض والمساعدات المالية وبدون شروط قاسية سياسية كانت ام اقتصادية ، ودمقرطة العلاقات السياسية والاقتصادية بين المركز والاطراف ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان النامية سواء في الميدان السياسي او الاقتصادي وخاصة عدم فرض سياسات او نماذج اقتصادية محددة على البلدان النامية من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين .
المشكلة الثانية :- المشكلة الغذائية وابعادها :
تعد المشكلة الغذائية واحدة من اهم المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية المعقدة والمتفاقمة التي تواجه شعوب العالم بشكل عام وشعوب البلدان النامية بشكل خاص ، ومما يؤكد اهمية وخطورة هذه المشكلة هو استمرارزيادة معدل النمو السكاني في البلدان النامية وخاصة في البلدان العربية ، مقابل ذلك تراجع مستمر لمستوى الانتاج الزراعي في هذه البلدان بسبب ضعف اهتمام الدولة وقلة الدعم لهذا القطاع الهام والحيوي ، مما ادى هذا النهج الى تنامي معدلات الفقر والمجاعة حيث يوجد اكثر من 3 مليار نسمة في العالم يعانون الجوع والفقر الحقيقي .
ان الراسمالية المفرطة في وحشيتها هي التي صنعت وتصنع اليوم الفقر والمجاعة في البلدان النامية وفي الجزء الهام من المعسكر الاشتراكي والمتمثل اليوم برابطة الدول المستقلة " جمهوريات الاتحاد السوفيتي " ودول اوربا الشرقية ، وتتم " صناعة " الفقر من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في الغرب من خلال استخدام الادوات الاقتصادية والمالية والتجارية بدليل ان (( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية يفرضون سياسات اقتصادية على 100 دولة في العالم تقتل الاف الاطفال كل يوم من خلال سوء التغذية والبطالة والامراض الناجمة عن الفقر ، كل هذا يحدث تحت اسم القضاء على الفقر والى الابد )) 38 .
ان السياسة الاقتصادية التي تنفذها المؤسسات الدولية ومنها صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية هي سياسة مؤدلجة ومنحازة لصالح الشركات المتعددة الجنسية والنخب المالية الحاكمة في البلدان الراسمالية ، وبهذا الخصوص تشير منظمة الغذاء والزراعة الدولية (الفاو) التابعة لمنظمة الامم المتحدة الى تصاعد قيمة فواتير استيراد السلع الغذائية حيث بلغت 1 تريليون دولار في عام 2010 39 . فمن المسفيد ؟ ولمصلحة من ؟ .
منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي تغيرت طبيعة الاقتصاد الراسمالي في الدول الراسمالية الصناعية المتطورة بشكل عام وفي الاقتصاد الراسمالي الامريكي بشكل خاص ، اذ بدا التحول التدريجي للاقتصاد الراسمالي من اقتصاد انتاجي الى اقتصاد خدمي بسبب الارباح الخيالية السريعة والمضمونة للحيتان والديناصورات المالية في الغرب الامبريالي ، مما ادى هذا النهج الخطير الى تراجع دور واهمية القطاع الصناعي في تكوين قيمة الناتج المحلي على الصعيدين المحلي والعالمي وبشكل مستمر ، بالمقابل بدا قطاع الخدمات يتصاعد دوره ومكانته في خلق قيمة الناتج المحلي وعلى الصعيدين المحلي والعالمي ، اي بمعنى اخر تمت عملية التحول المنظمة وعلى الصعيدين المحلي والعالمي من اقتصاد انتاجي الى اقتصاد خدمي سريع الارباح الخيالية . فماذا سيحدث لشعوب العالم عام 2050 في حالة استمرار هذا النهج الخطير على مستقبل المجتمع البشري ؟!



جدول رقم (4)
بنية الناتج العالمي بحسب القطاع لسنة 2003 بالنسبة المئوية 40 .
التفاصيل مساهمة القطاع الزراعي مساهمة القطاع الصناعي مساهمة قطاع الخدمات
البلدان ذات الدخل الادنى 25 25 50
البلدان ذات الدخل المتوسط 12 40 48
البلدان ذات الدخل الاعلى المتوسط 7 32 61
البلدان ذات الدخل الاعلى 2 27 71
مجموع دول العالم 4 28 68

يعكس الجدول بعض الحقائق الموضوعية والمأساوية في بنية الاقتصاد العالمي حيث تبلغ مساهمة القطاع الزراعي بنسبة 4 بالمئة من قيمة الناتج العالمي ، والقطاع الصناعي بنسبة 28 بالمئة ، في حين تبلغ مساهمة قطاع الخدمات بنسبة 68 بالمئة من قيمة الناتج العالمي ، اما في البلدان الراسمالية فتبلغ مساهمة القطاع الزراعي 2 بالمئة من قيمة الناتج العالمي والقطاع الصناعي بنسبة 27 بالمئة من قيمة الناتج العالمي ، في حين تبلغ مساهمة قطاع الخدمات 71 بالمئة من قيمة الناتج العالمي . الى اين يسير العالم اليوم ؟! .
ان الراسمال دائما يبحث عن الربح وتعظيم الربح المضمون ، فهو لايجازف بنفسه لانه جبان ، وعليه فان السبب الرئيسي في انتقال الاستثمارات من القطاعات الانتاجية الى القطاع الخدمي هو الربح الكبير والسريع والمضمون وقلة مخاطره ، عكس الاستثمار في الزراعة والصناعة ، ومن هنا فان هذا النهج الخطير يعكس حقيقة موضوعيه الا وهي خطر تنامي المشكلة الغذائية والتي ينتج عنها تنامي معدلات الفقر والبطالة وعدم الاستقرار في البلدان النامية وخطر انعكاس ذلك على الصعيد الدولي .
وبهذا الخصوص نتذكر ما قاله كارل ماركس العظيم ( ان الراسمال يخاف من غياب الربح والربح التافه جدا ، كما تخاف الطبيعة من الفراغ ، ولكن ما ان يتوفر له ربما ربحا كافيا ، حتى يصبح الراسمال جزئيا ، فلو أمن ربح 10% يشغل الراسمال في اي مجال ، ولو أمن 30% فانه ينشط جدا ، ولو أمن 50 % تتملكه جرأة مجنونة ، ولو أمن 100 % يدوس بالاقدام جميع القوانين البشرية ، ولو أمن ربحا 300% فليس هناك ثمة جريمة لايجازف بارتكابها حتى لو قادته الى حبل المشنقة ).
ان سياسة الكيل بمكيالين او ازدواجية المعايير التي تتبعها الولايات المتحدة الامريكية ، هي سياسة خطيرة وضارة ، فمن جهة تحاول الولايات المتحدة الضغط على البلدان النامية وعبر المؤسسات الدولية بهدف اضعاف دور الدولة والعمل على تقليل الدعم المادي ثم الغاؤه عن القطاعات الانتاجية و منها القطاع الزراعي ، في حين قدمت الولايات المتحدة في عام 2006 دعما ماديا لقطاعها الزراعي بلغ 372 مليار دولار ، وبالتالي فان سياسة الكيل بمكيالين ادت الى تخريب القطاع الزراعي وتحويل غالبية البلدان النامية الى سوق كبير لشراء السلع الغذائية وغيرها ، اذ بلغت قيمة فاتورة الغذاء السنوية مابين 145 – 292 مليار دولار في حين يتطلب معالجة الازمة الغذائية في البلدان النامية مابين 15 -20 مليار دولار 41 .
ان من اهم الاسباب التي تساعد على تفاقم حدة المشكلة الغذائية في البلدان النامية تكمن بالاتي :- سوء استخدام الاراضي الزراعية وقصور في التنظيم الزراعي وخاصة فيما يتعلق بشبكة النقل والتخزين ، وضعف الترابط والتكامل في الخطط الاقتصادية بين القطاع الزراعي والقطاع الصناعي ، فبدون تطوير القطاع الصناعي وتكامله مع القطاع الزراعي لايمكن معالجة المشكلة الغذائية في ضروف البلدان النامية ، فهما قطاعان مترابطان ومكملان بعضهما للبعض الاخر ، ومن الاسباب الاخرى هو قلة او ضعف استخدام الالات والمعدات والتكنولوجيا في القطاع الزراعي وهذا يؤدي الى ضعف الانتاج وانتاجية العمل ، وضعف دور الدولة في تقديم القروض ومراقبتها وقلة المساعدات والدعم المادي لهذا القطاع مما يؤدي ذلك الى ارتفاع تكاليف الانتاج الزراعي وبالتالي زيادة اسعار السلع الزراعية ..، وتفشي الامية وانتشار الامراض ، وزيادة معدل النمو السكاني وخاصة في الريف ، والهجرة الواسعة من الريف الى المدينة وخاصة من وسط الشباب والتوجه الى اجهزة الامن والجيش والشرطة وغير ذلك .
ان هذه الاسباب وغيرها تؤدي الى تدهور وانخفاض الانتاج الزراعي ، وتعطيل عملية التنمية الاقتصادية في البلدان النامية وبالتالي افرزت لنا هذه السياسة ظاهرة عالمية خطيرة الا وهي ظاهرة الفقر لدى اكثر من 50 بالمئة من سكان المعمورة ، وينفق الفقراء على الغذاء مابين 60 – 80 بالمئة من دخلهم النقدي .
ان للمشكلة الغذائية ثلاث ابعاد رئيسة وهي :-
البعد الاقتصادي :-
يتمثل البعد الاقتصادي في انفاق مالي كبير وخيالي من قبل البلدان النامية على فاتورة الغذاء وهذا يشكل استنزاف مالي كبير لصالح البلدان الرأسمالية والشركات المتعددة الجنسية ، فعلى سبيل المثال تنفق البلدان العربية اكثر من 40 مليار دولار سنويا في حين يصل انفاق البلدان النامية على فاتورة الغداء سنوياً 292 مليار دولار . ان هذه المبالغ الفلكية لو خصص منها 20 -30 بالمئة من فاتورة الغذاء لكان بالامكان معالجة المشكلة الغذائية في البلدان النامية وبشكل جذري ولكن ...؟! .
ان الانفاق المفرط على شراء السلع الغذائية يؤثر سلباً على عملية التنمية الاقتصادية – الاجتماعية في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ويتم تشديد التبعية السياسية والاقتصادية للبلدان الراسمالية ، وكما تفرز هذه المشكلة الغذائية ايضاً تأزم في الوضع الاجتماعي والاقتصادي ، وان المستفيد الاول من هذه المشكلة هي الاحتكارات الغربية وحلفاؤها في البلدان النامية من خلال جني الارباح الخيالية على حساب الفقراء والمعدمين في البلدان النامية .
البعد الاجتماعي :-
يتمثل البعد الاجتماعي للمشكلة الغذائية المتفاقمة في ظهور فئات طفيلية وسماسرة يقومون بالمتاجرة والمضاربة بقوت الشعب ، بقوت الفقراء والمعدمين بشكل خاص من خلال زيادة اسعار السلع الغذائية وخاصة الضرورية منها بهدف تعظيم الارباح ، ويتم هذا في ظل ضعف او غياب دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والرقابي ، وكما يعكس هذا البعد الاجتماعي على تعميق حدة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع لصالح النخبة السياسية الحاكمة والنخبة المافوية في هذه البلدان والمرتبطة مصالحها بمصالح الغرب وشركاتة الاحتكارية .
البعد السياسي :-
يتمثل البعد السياسي بتشديد التبعية السياسية والاقتصادية للبلدان النامية مع البلدان الراسمالية ومؤسساتها الدولية ، وبنفس الوقت يمارس المركز والشركات المتعددة الجنسية ضغوطات متعددة على البلدان النامية سواء في الميدان السياسي او الميدان الاقتصادي – الاجتماعي وخاصة على البلدان الرافظة لنهج وسياسة الولايات المتحدة من اجل تحقيق اهداف متعددة سياسية واقتصادية وغيرها .
ان الشركات الاحتكارية في امريكا وكندا واستراليا تمارس ضغوطات متعددة على البلدان النامية ولا يستثنى من ذلك حتى على "حلفاؤهم" من خلال احتكارها انتاج اهم السلع الغذائية وخاصة الحبوب من اجل تحقيق اهداف محددة تعكس مصالح البلدان الراسمالية واحتكاراتها العملاقة .
ان الغرب الامبريالي واحتكاراته العالمية لايؤمنون لا بالعدالة الاجتماعية ولا بالديمقراطية الحقيقية ولا بحقوق الانسان الرئيسة فلا يعينهم لا الفقر ولا المجاعة ولا البطالة ولا ارتفاع الاسعار . ان هدفهم الرئيس هو تحقيق مصالحهم السياسية والاقتصادية والايديولوجية والحصول على أعلى الارباح الخيالية ويسعون لتحقيق ذلك وباي وسيلة سلمية كانت ام غير سلمية ، اقتصادية او عسكرية عدوانية ، بدليل يشير تقرير اعدته لجنة الشيوخ الامريكية بعد حرب اكتوبر عام 1973 جاء فيه (( نحن نوزع فائض الغذاء لاعلى اساس الحاجات اكثر الحاحا، وانما على اساس الاعتبارات التي تمليها السياسة الخارجية )) 42 .
ان البلدان الامبريالية وقاداتها و (( منظريها )) من ممثلي قوى الثالوث العالمي بارعون وبامتياز في " صناعة" الفقر والمجاعة والبطالة وارتفاع الاسعار ... وهذه " الصناعة " تشكل عاملا رئيسيا في صناعة الارهاب الدولي ، وهذه الصناعة نابعة من طبيعة هذا النظام المفرط في وحشيتة ومن اساسة الاقتصادي المتمثل بالملكية الخاصة الاحتكارية لوسائل الانتاج ، وهذه الملكية هي التي تصنع وبامتياز الفقر والبطالة والارهاب والفساد المالي والاداري .... وحتى الاخلاقي ، وان الهدف الرئيس من ذلك هو الهيمنة والاستحواذ على ثروات الشعوب بهدف تصريف ازمة نظامهم " المريض " وبهذا الخصوص يؤكد وزير الخارجية الامريكية الاسبق هنري كيسنجر في عام 1974 " تحكم بالنفط تتحكم بالامم ، تحكم بالغذاء تتحكم بالشعوب " . واضاف في نزعة مالثوسة مفرطة قائلا ان (( تكرار المجاعات قد يشكل اداة واقعية للحد من الزيادة السكانية )) 43 .
ان الامبريالية الامريكية هدفها الرئيس هو قيادة العالم وبسط نفوذها السياسي والاقتصادي والايديولوجي والاستحواذ على ثرواته وتحويل العالم الى بقرة حلوب من اجل انقاذ نظامها واقتصادها المتازم والقابل للانهيار والتفكك وان تحقيق هذه الاهداف اللامشروعة عبر وسائل متعددة وشعارات واهية وخادعة وباي وسيلة كانت ، بدليل اكد الرئيس الامريكي الاسبق هيربرت هوفر (( لو اردنا للولايات المتحدة ان تعيش ، فان علينا ان نتعلم كيف نخرب ونهدم وندمر اعدائنا بوسائل اكثر حنكة و دهاء وتعقيدا وفاعلية من تلك المستخدمة ضدنا )) 44 . بعد كل هذا وغيره من الادلة الحقيقية التي تؤكد الوحشية المفرطة للامبريالية الامريكية من ان يصدق بشعاراتها الواهية وهي مايسمى بحقوق الانسان والديمقراطية ومكافحة الارهاب وغيرها من الشعارات الاخرى فالمجانين وفاقدي البصيرة والعقل ... هم الذين لايزالون يصدقون ما تطرحة امريكا من شعارات واهية ، فينطبق على هذا النهج الماساوي المثل الشعبي القائل (( حبل الكذب مهما طال فهو قصير )) !!. والا كيف يمكن فهم جوهر حقوق الانسان في ظل تنامي معدلات البطالة والجريمة والانتحار ووجود اكثر من 40 مليون مواطن اميركي لايستطيع تامين الضمان الصحي ... في حين (( رائدة الديمقراطية وحقوق الانسان )) تنفق سنويا 50 مليار دولار على اطعام الكلاب والقطط ... هذا هو الجوهر الرئيس للنظام الامبريالي المتوحش .
ان معالجة المشكلة الغذائية في البلدان النامية يتطلب من هذه الدول العمل على تفعيل دور ومكانة الدولة في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام وفي القطاع الزراعي بشكل خاص ، وان تقوم الدولة بالاستخدام العقلاني والمخطط لمواردها البشرية والمادية بهدف خلق تنمية اقتصادية – اجتماعية هدفها الاول والرئيس هو الانسان ، والعمل على تقديم كافة اشكال الدعم المادي والبشري للقطاع الزراعي ، وينبغي اقامة مزارع الدولة والمزارع الجماعية التعاونية والمجمع الزراعي – الصناعي بهدف زيادة الانتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي ومعالجة البطالة ، والسماح للقطاع الخاص ووفق خطة مدروسة في النشاط الاقتصادي ويجب ان يكون دوره فاعلا ومكملا لدور قطاع الدولة الزراعي ، وكما ينبغي على الدولة وضع خطة علمية لمعالجة الامية وادخال المكننة الزراعية وتقليل الانفاق العسكري وتوفير الخدمات الرئيسة وفي مقدمتها بناء المدارس والمستوصفات وايصال الماء الصالح للشرب والكهرباء وبناء الطرق المعبدة ، ويجب على الدولة ان يكون نهجها السياسي والاقتصادي – الاجتماعي معبرا عن امال وطموحات شعبها ، وان يكون هذا النهج نابعاً من الواقع الموضوعي وخاصة فيما يتعلق بتطوير القطاع الزراعي والقطاع الصناعي وعدم الاخذ " بنصائح خبراء " صندوق النقد والبنك الدوليين والتي الحقت الضرر والكوارث الاقتصادية والاجتماعية للبلدان النامية .

المطلب الثاني :- النتائج الاقتصادية والاجتماعية لسياسة صندوق النقد والبنك الدوليين في البلدان النامية
ان النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت عليها شعوب بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية بسبب تطبيق سياسة مايسمى بالاصلاح الاقتصادي التي اعدها " خبراء " صندوق النقد والبنك الدوليين ونفذها " حلفاؤهم " و" اصدقاؤهم " المتربعين في قمة السلطة التنفيذية والتشريعية ، هي نتائج مأساوية وكارثية للغالبية العظمى من شعوب البلدان النامية .
لقد كان نادي (( البيلد بيرغ هو المكان الذي يحاول فيه حيتان السياسة والاقتصاد الامريكيون والاوربيون ان يصلوا الى ، بل ويشكلوا القرارات والسياسات ، وان يوجدوا لها الاجماع المطلوب لتصبح على جدول اعمال النخبة التي ستصوغ التشريعات المستقبلية ونضعها موضوع التنفيذ )) 45 .
ان " نصائح " خبراء صندوق النقد والبنك الدوليين قد افرزت نتائج سلبية على شعوب البلدان النامية وفي الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والايديولوجية ، وهذه " النصائح " جاءت متناقظة مع الاهداف المعلنة لهذه المؤسسات الدولية نذكر بعضاً من هذه النتائج وهي :-
اولا:- فشلت سياسة صندوق النقد والبنك الدوليين في الغالبية العظمى من بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية في تحقيق تنمية اقتصادية – اجتماعية متوازنة وان تكون في خدمة الانسان ، ورافق ذلك تباطوء وتراجع معدل النمو الاقتصادي لاكثرية البلدان النامية .
ثانيا :- لم تستطع المؤسسات الدولية معالجة العجوزات المالية في البلدان الرأسمالية سواء العجز في الميزانية الحكومية او في الميزان التجاري او في ميزان المدفوعات ، فكيف تعالج هذه المؤسسات الدولية هذه المشاكل للبلدان النامية ، في حين البلدان الراسمالية وبدون استثناء وفي مقدمتها " رائدة الديمقراطية " تعاني من عجوزات مالية كبيرة ومتنامية ومتصاعدة وتشكل خطراً حقيقياً على مستقبل اقتصادها الراسمالي.
ثالثا :- لم تنجح المؤسسات الدولية في معالجة اكبر واخطر مشكلتين رئيسيتين وهما مشكلة المديونية الخارجية وهي في تزايد مستمر، وهذه المشكلة الخطيرة لم تعاني منها فقط البلدان النامية ، بل تعاني منها الامبريالية الامريكية بدليل بلغ اجمالي المديونية الامريكية ( المديونية الداخلية والمديونية الخارجية ) حتى عام 2008 بـ 171,6 تريليون دولار 46 . ان مشكلة المديونية والمشكلة الغذائية تشكلان تهديدا خطيرا على الاقتصاد والمجتمع الدولي ، ويتحمل النظام الامبريالي العالمي بقيادة الامبريالية الامريكية المسؤولية الاولى عن خطر هذه المشاكل وغيرها ، فهي تشكل انذراً كبيراً على الاقتصاد الدولي .
رابعا :- لم ينجح النظام الراسمالي العالمي ولا مؤسساته الدولية والمتمثلة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي . ومنظمة التجارة العالمية ....من معالجة اخطر الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والتي تواجه شعوب البلدان النامية او غيرها وفي مقدمتها ظاهرة البطالة والفقر والجوع والامية ... بل ان هذه الظواهر في تزايد مستمر ، اذ يوجد اكثر من 50 بالمئة من سكان العالم يعانون الفقر والفقر الحقيقي ، وكذلك يوجد اكثر من مليار عاطل عن العمل وهذا يعادل ثلث قوى العمل الدولية 47 .
خامسا :- لقد فرضت المؤسسات الدولية سياسة مايسمى بالاصلاح الاقتصادي على الغالبية العظمى من البلدان النامية ، وان اهم جزء في هذه السياسة الاقتصادية – الاجتماعية المؤدلجة هي وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين والتي اكدت على اهمية ليبرالية الاسعار وليبرالية التجارة وتنفيذ اسوء برنامج عرفه المجتمع البشري الاوهو برنامج الخصخصة "لقد تم تطبيق هذه الوصفة المشعوذه على رابطة الدول المستقلة – جمهوريات الاتحاد السوفيتي – ودول اوروبا الشرقية " وافرزت نتائج اقتصادية واجتماعية سلبية ومرعبة ومن اهم هذه النتائج هي :- توقف شبه كامل للانتاج في القطاعات الانتاجية وخاصة قطاع الزراعة والصناعة ، رافق ذلك تنامي معدلات البطالة والفقر ، وتدني مستوى فاعلية قطاع الخدمات وخاصة قطاع التعليم وقطاع الصحة ، وتدهور مستوى الخدمات وفي مقدمتها غياب الماء الصالح للشرب وضعف الكهرباء ، وبالتالي فان هذه الوصفة ماهي الاوصفة تخريب مدروسة ومخطط لها في الميدان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي من اجل ان تكون البلدان النامية ، بلدانناً تابعة ومتخلفة وبلداناً مصدرة لاهم مواد الخام الاولية والايدي الماهرة ، وسوقاً لتصريف مايسمى بفائض الانتاج المنتج في بلدان الغرب الرأسمالي بهدف تعظيم الارباح وان المستفيد الاول من ذلك هي الشركات المتعددة الجنسية .
ان هذا النهج السياسي والاقتصادي والاجتماعي المفروض من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية يمثل ((سياسة الليبرالية الجديدة هي في الواقع بمنزلة قانون الغاب)) 48 .
سادسا :- ان الهدف الرئيسي لصندوق النقد وبنك الدوليين هو العمل على اضعاف ثم ابعاد دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في البلدان النامية وبنفس الوقت العمل على تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الرأسمالي ، انها سياسة منحازة ومؤدلجة لصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة في البلدان النامية .
وكما افرز هذا النهج نتائج اخرى سلبية وخطيرة على شعوب البلدان النامية وفي مقدمتها انحطاط المستوى المعاشي للغالبية العظمى من شعوب بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وخاصة من ذوي الدخول المحدودة ، اضافة الى ذلك ، تنامي معدلات التضخم النقدي وتدهور العملة الوطنية مقابل العملات الاجنبية الاخرى وتفشي الامية وعودتها في بعض البلدان ، وتنامي ظاهرة المخدرات وتعاطي الكحول وبشكل مفرط وخاصة وسط الشباب وتنامي معدل الجريمة المنظمة وتجارة الرقيق (نساء - اطفال) .
ان السبب الرئيس في تفاقم وتنامي هذه المشاكل واللأفات الخطيرة ، يعود الى ابعاد دور الدولة عن اهم وضائفها في الميدان الاقتصادي والاجتماعي ، وهذا ماتهدف اليه المؤسسات الدولية في البلدان النامية .
سابعا :- ان من اخطر وابشع ماتفرزه الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية - اجتماعية وخاصة في مرحلتها المتقدمة – الامبريالية ومن خلال ادواتها الاقتصادية والمالية هو تعمق الهوة "الفجوة " الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الطبقي لصالح الطغمة المالية الحاكمة وحلفائها من النخبة المافوية – الطفيلية في المجتمع ، بدليل :- ان خمس المجتمع البشري يستحوذ على 83 % من الدخل القومي العالمي 49 . وان 20 شخص في العالم يملكون ثروة تقدر ب 440 مليار دولار ، وهذا اكثر من الناتج المحلي الاجمالي للبلدان العربية 50 .وان اجمالي ثروات اغنى 3 اشخاص في العالم يزيد بكثير على اجمالي الدخل السنوي الذي يحصل عليه 600 مليون شخص في الدول الاكثر فقرا في العالم 51 . وكانت الثروة التي يملكها 358 ملياردير في العالم فاقت الدخل السنوي المتحقق في بلدان يقطنها 45 بالمئة من سكان العالم لعام 1996 52 .لقد حذر رئيس البنك الدولي روبرت زوليك الى ان 2 مليار نسمة في العالم يعانون من ارتفاع اسعار السلع 53 . ان هذه الافرازات الخطيرة والسلبية في الميدان الاقتصادي والاجتماعي مستمرة ولصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة في البلدان الرأسمالية وحلفائها في البلدان النامية ، وهي نتائج تنذر بخطر جدي على شعوب العالم اجمع وتنذر بكوارث وهزات سياسية واجتماعية مرعبة على الصعيد العالمي في حالة عدم معالجتها معالجة جذرية .
ان هذه النتائج الاقتصادية والاجتماعية وغيرها التي انتجتها سياسة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، كانت ولاتزال تصب في خدمة النظام الرأسمالي العالمي بشكل عام والرأسمالية الامريكية
بشكل خاص ، فنهب ثروات الشعوب وافقارها واذلالها ، وتشديد التبعية وتكريس التخلف وتعمق التفاوت الاقتصادي – الاجتماعي بين المركز الغني والجنوب الفقير لصالح المركز ، هي احدى اهم افرازات سياسة مايسمى بالاصلاح الاقتصادي المفروضة وباساليب مختلفة على شعوب البلدان النامية وبهذا الخصوص يشير بريجينسكي الى ان ((الشبكة العالمية للمنظمات المتخصصة والمؤسسات المالية الدولية بالتحديد هي جزءاً من النظام الامريكي ، ويمكن القول بان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يمثلان المصالح العالمية ، وان العالم يعتبر ساحة لعملها ، الاانهما في الواقع خاضعان بشدة للسيطرة الامريكية)) 54 .
يتبع ..