تعليقات على العروة الوثقى ...العبادات النيابية و عدالة الله

احمد الكناني
2013 / 7 / 16

عنوان المقال مقتبس مما تألف عليه فقهاء الشيعة من ابراز مقدرتهم الاجتهادية و ابداء وجهات نظرهم المختلفة مع بقية الفقهاء و تدوينها بشكل تعليقات على متن الرسالة العملية للسيد كاظم اليزدي المسماة بالعروة الوثقى ، و هذا العنوان ستدخل تحته مجموعة من المواضيع المختارة ذات الطابع النقدي للتشريع الاسلامي كنت قد دونتها في سالف الايام عندما كنت ادرس الفقه في حوزة قم ، و قد حان الوقت لنشرها ، علها تساهم في ترسيخ الوعي لواقع الدين في حياة الناس لئلا يقعوا فرائس لتجار الدين .
الموضوع الاول يتناول مسألة العبادات الاستأجارية او النيابية ، وهذه المسألة بالذات تدر ارباحا لا يستهان بها للفقهاء ، و لا اقصد طلبة العلوم الدينية ممن يعتاشون على هذه العبادات ، وما اقصده جباة الاموال و الوكلاء المعتمدون لدى المراجع الدينية عندما يجولون البلدان بحثا عن صيد سمين ، و تمثل مراسيم اداء فريضة الحج و العمرة لهؤلاء موسم الحصاد ينتظرونه طوال العام ليجنوا من خلاله ما يكفيهم من الارباح الى حين حلول موسم الحج القادم و من دون بذل اي جهد يذكر سوى تذكير الزبائن البسطاء بخطورة ما يقترفوه تجاه الاباء اذا لم يؤدوا عنهم ما فاتهم من الصلوات و الصيام و الحج ، وبأمكانهم انقاذ هؤلاء الاموات من عذاب جهنم ان هم بذلوا مقدارا من الاموال للنيابة عنهم في اداء الفرائض . و بالطبع سيكون الدفع بالريال السعودي .
و عند العودة الى الديار ستوزع هذه العبادات على البؤساء من طلبة الحوزة بالدينار العرقي او بالتومان الايراني و بثمن بخس دراهم معدودة ، و القسم الاعظم سيصب في حساب هؤلاء الجباة حلالا طيبا.
و اخيرا ابتدعوا طريقة عصرية تعتمد التكنولوجيا الحديثة بالاستفادة من شبكة الانترنيت ، حيث يضعوا رقم الحساب البنكي و تعرفة العبادات بالدولار الامريكي ، و للتسهيل على الزبائن وضعوا خيار الدفع ببطاقة الائتمان "Credit Card" ، و ما عليك الا ان تدفع رسوم العبادة من الصوم او الصلاة بالفيزا كارت ، و ستبرأ ذمة الميت ان شاء الله تعالى .
و اليك نموذج من هذه الطريقة :
موقع الشيخ محمد تقي الذاكري
اجرة الصلاة و الصيام للعام الواحد600-$- مع صلاة الايات
اجرة الصوم لشهر واحد 250-$-
اجرة الصلاة (من دون صيام )350-$-
لتأجير شخص مطمئن يمكنكم دفع المبلغ عبر الكريدت كارد ( اضغط على مفتاح المساهمات المادية )
كما يمكنكم ارسال شيك بالمبلغ ( بعد التنسيق معنا )على العنوان التالي
" العنوان في الولايات المتحدة الامريكية "
للوقوف على هذا الاعلان يراجع الرابط التالي :
http://www.alzakery.com/index.php?option=com_content&view=article&id=30&Itemid=95

لكن السؤال ان هذه العبادات الاستئجارية هل لها اصل في التشريع الاسلامي او لا ؟
فلنرجع الى الادلة الشرعية و نتحرى الجواب عن السؤال المتقدم .
يبدو ان مسألة الاستئجار في العبادات لم تكن مطروحة اصلا في كتب الفقهاء قديما ، ولم تكن متداولة عندهم كما هو الحال اليوم ، و انما هي من ابداعات الفقهاء المتاخرين . صرح بذلك صاحب الذخيرة ـ و هو من اعلام فقهاء الامامية ـ كما نقل عنه السيد الحكيم في مستدرك العروة الوثقى (1):
قال في الذخيرة :" لم اجد تصريحا به في كلام القدماء ، و لم يكن ذلك (اي الاستئجار في العبادات ) مشهورا بينهم قولا و لا فعلا ، و انما اشتهر بين المتأخرين ".
و لذا عبر عنه السيد الحكيم بأنه " مشهور بين المتأخرين "
و هذه الشهرة المتأخرة لا اعتبار لها كما هو المحقق في اصول الفقه ، و العبرة في شهرته عند القدماء و هي غير متحققة .
فهل معنى هذا ان المسألة لا دليل عليها في اصل التشريع و لذا لم يتطرق اليها القدماء من الفقهاء ، او ان الدليل موجود لكنه غاب عن القدماء و اكتشفه المتأخرون ؟
احتمالان ...
هنالك مجموعة من الروايات عن ائمة اهل البيت تتعرض لهذه المسألة صنفها الحر العاملي تحت عنوان "باب استحباب التطوع بالصلاة و الصوم و الحج و جميع العبادات عن الميت ، و وجوب قضاء الولي ما فاته من الصلاة لعذر" ، من ابواب قضاء الصلوات ، في كتابه " وسائل الشيعة ، اعتبرها الفقهاء المتأخرون ادلة على صحة الاستيجار في العبادات ، سأناقش اول رواية في المجموعة و اترك البقية الباقية لانها لا تخلو من الاشكالات السندية مما يجعلها ساقطة من الاعتبار .
الراوي لهذه الرواية محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي يرويها عن" عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن محمد بن علي عن الحكم بن مسكين عن محمد بن مروان قال : قال ابو عبد الله (ع): ما يمنع الرجل منكم ان يبر والديه حيين و ميتين ، يصلي عنهما و يحج عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا ".
الرواية تبتدء" بعدة من اصحابنا " و عدة الكليني كما يسمونها في كتب الرجال و التراجم هي مجموعة من الرواة ينقل عنها الكليني يتصدرها علي بن ابراهيم صاحب تفسير القمي و هو احد اعلام خط الغلو في المذهب الشيعي و تفسيره شاهد على ذلك ، فالرواية من حيث السند ظاهرة البطلان .
اما من حيث الدلالة و المفهوم فانها مخالفة للقواعد الفقهية المتسالم عليها وهي الصلاة و الصوم و الحج عن الوالدين حيين و ميتين ، ولم يقل احد من الفقهاء بأداء العبادات عن الاحياء .
و لعل اعراض قدامى الفقهاء عن هذه الادلة لعدم تماميتها و صلاحيتها كأدلة على الاستيجار في العبادات .
و منهم من صرح بعدم وجود النص ، او ان النص وارد في الحج و لا يصح تعديته الى باقي العبادات ، كما نقلت اقوالهم المدونات الفقهية ، و لا داعي للاطالة ...
دع عنك كل ذلك و لنفترض ان الادلة قائمة على صحة العبادات النيابية ، لكنها تخالف المنطق السليم ، فلو فرضنا ان شخصا غنيا لم يسجد لربه قط ، و شخصا اخر بائس افنى عمره في عبادة الله توفي في مرض موته و فاتته بعض الصلوات لذلك ، هل معنى ذلك ان يدخل الاول الجنة اذا وجد من ينوب عنه في العبادات من ماله ، و يدخل ذلك البائس المسكين النار لعدم وجود من ينوب عنه . اين عدالة الله
و دع عنك هذا و ذاك ، فالواقع يثبت من دون ادنى شك ان العبادات الاستيجارية تثير جشع جباة الاموال من وكلاء المراجع الدينية مما يسئ الى الدين كله ، اليس هذا كاف للردع عن ابتزاز اموال الناس و الاسقواء بها على الضعفاء .
المصادر:
(1) محسن الحكيم ، مستمسك العروة الوثقى ، ط 1404 هجري ،ج7 ص105
(2)الحر العاملي ، و سائل الشيعة ،كتاب الصلاة ، ابواب قضاء الصلوات ، الحديث 10647