إخوتهم الألداء وأشقاؤهم الأعداء

ملهم الملائكة
2013 / 7 / 16

عصبية العرب كانت تغلب أحيانا على فرقتهم، فيتحدون أمام خصومهم. لكن هذا لم يتحقق بوضوح إلا في عصر الدولة القومية حيث صنعوا من إسرائيل عدوا يجمعهم ويتوافقون بشأنه، وأزف عصر العولمة فغيّر ذلك و اختلت المعادلة.


يرى كثيرون أنّ احتلال صدام حسين لدولة الكويت عام 1991 مثّل نقطة انكسار الخط البياني العربي الذي ظل يتقارب متصاعدا حول نسغ العداء لدولة إسرائيل على مدى أربعة عقود. ولعل صداما كان يدرك مدى خطورة الإنهيار العربي الذي سببه غزوه لدولة الكويت، فحاول أن يرسم للسياسة خارطة تخالف الجغرافية وتتفق مع هوس العرب في الإتفاق على معاداة إسرائيل، فاختار أن يمرر طريق تحرير فلسطين عبر الكويت، وحاول أن يلمّ الصف العربي حوله مرة أخرى وهو يقصف الدولة العبرية بصواريخ الحسين والعباس .
إنقسم العرب بعد غزو الكويت وما عادت نظرية الدم العربي الواحد والمصير الواحد والقضية المركزية فلسطين تقنع ملايين العرب بأنّ طريق الوحدة سالكة بالحب والتفاهم والتفاني، وبأنّ كل ما يحتاجه الوطن العربي هو ارادة الوحدة.
وتآكل على مر الأيام شعور الوحدة بين قادة العرب وزعمائهم، ثم تبعه تآكل وحدة الشعوب العربية فبات كل منها يبحث عن سبب يفرده عن باقي العرب ويؤدي به إلى طريق الإستقلال السياسي الكامل عن محيطه .
تجلى تآكل شعور القرابة ورابطة وحدة النسب والدم العربي فيما حدث في 9 نيسان 2003 بعد أن أسقط التحالف الدولي نظام صدام حسين، فعلى حين غرة تشرذمت مواقف العرب .

دول الخليج : مع الولايات المتحدة أم ضدها؟
النخب الخليجية أعلنت معارضتها للمشروع الأمريكي - مع أنّ الصواريخ والطائرات الأمريكية والقطعات البرية والمحمولة أيضا انطلقت من مطارات وأراضي الكويت وقطر ومياه الخليج الدافئة التي كانت تمخر فيها بحرية حاملات الطائرات وسفن الإمداد والدعم الامريكية والإنجليزية.
العرب نخبا واعلاما وقفوا ضد شعب العراق الذي رضي بالتحالف الدولي شريكا ليخلص من البعث وديكتاتورية صدام الدموية، ولولا التحالف لصار العراق مثل سوريا في سعي بعض شعبها المحموم للخلاص من البعث دون تحالف دولي، الحصيلة حرب أهلية بمئات الوف الضحايا والبعث باق. وصار الحديث يجري عن إصطفاف سني عربي في وجه التمدد الفارسي المجوسي الذي اجتاح العراق عبر شيعته، ويزحف على سوريا بعلوييها ولبنان بجنوبه وحزب الله الغامض فيه.
شرخ يمتد عبر الزمن
هذا الشرخ العميق إتصل عبر عقد من الزمن ، فأصبحت ليبيا عدوة لتونس الجديدة، ومصر عدوة لسوريا، وسوريا عدوة للجميع ، والجميع أعداء للعراق وسوريا ونصف لبنان ونصف البحرين.
لبنان مقسم الى شيعي وسني ومسيحي ودرزي ، وكل قسم تدعمه دولة، فهو مشروع حرب دائم.
مصر إنقسمت على نفسها، الإخوان كمعسكر ومعهم السلفيون غالبا، والشعب الذي اختار الليبرالية حلّا ومعه أغلب النخب المثقفة والأقباط والنوبيون، وطائفة ثالثة يسميها المصريون الفلول، اختارت الوقوف مع مصالحها ومع نظام حسني مبارك وبقايا الناصرية المتبلّة بالصلح العربي الإسرائيلي والمحميّة بمسيرة السلام في الشرق الأوسط.
تونس منشقة بين العلمانيين وبين النهضة التي يدعمها السلفيون، والحرب بينهما سجال.
الجزائر توشك أن تغادر عهد الزعيم القوي بوتفليقة وهي منقسمة شعبا ونخبا ، بين إسلاميين يحنون لتسعينات عباس مدني وعلي بلحاج ومن معهما، وبين علمانيين يرفضون المد الإسلامي وما يتمخض عنه.
الأردن منقسمة بين خط الملك المحافظ المتصالح مع إسرائيل وقد حماه هذا السلام من تقلبات الزمن الثوري في المنطقة، وبين الإخوان الذي يريدون أن يغيروا تركيبة البلد ونسيجه ويخرجوا بالمملكة الى ساحة الأخونة الدموية.
العراق منقسم بلا رجعة بين شيعة وبين سنة وبين أكراد مستقلين بسياسة الأمر الواقع.
الصومال أرض قاحلة وشعب لم يبق له الا القراصنة ، فهو بلد بلا أمل. آرتريا هي
نصف مشروع دولة نصف مشروع قبيلة نصف حديقة خلفية لاثيوبيا.
المغرب نار تحت رماد السلطة الملكية ولا أحد يدري متى ينفجر، ومشكلة الأمازيع تهدد بتقسيمه في أي لحظة كما هي مشكلة الصحراء الغربية.
ليبيا تكره بعضها الى حد الحرب والحديث عن برقة وإقليم بنغازي وإقليم طرابلس تفرضه قعقة سلاح الثوار وهم يصولون ويجولون حول آبار النفط والغاز.
اليمن منقسمة الى جنوبي وشمالي ، تبقيهما مع بعض فوضى ما بعد علي عبد الله صالح، وتباعدهما أمسى مسألة أيام .
السودان فقد نصفه الجنوبي الذي تحول الى دولة معترف بها عالميا، فيما تهدد شماله انقسامات أخطر، ستشرذمه قريبا بلا شك.
السعودية والبحرين، تعانيان من التفكك الطائفي والإنقسام بات يهددهما، فإن لم يتحقق فازمتيهما نار تحت الرماد.
في ظل هذا التشرذم ، تقود قطر مشروعا " إعلاميا " رائدا في المنطقة، وهي تستند الى مشروع سلام دائم غير معلن مع إسرائيل، والى مستوى استثمارات دولية متغللة في كل مكان تضمن لها في أغلب الأحيان صوتا مسموعا في المحافل الدولية.

العرب ضد الجميع وضد انفسهم
العرب أعداء العرب، وأعداء من معهم من أقليات ، فالحرب على الكرد وكراهيتهم قائمة، وهي قائمة ضد التركمان والآشوريين ، والمسيحيين و المارونيين والعلويين والدروز والأيزيدية والأمازيغ.
وهي قائمة ضد تركيا التي تقود مشروعا اردوغانيا إخوانيا، خلق في تركيا العلمانية شرخا حادا بات يهدد بنسف منجزات جمهوريات اتاتورك.
وهي حرب قائمة ضد إيران الشيعية التي تريد تصدير ثورتها للعرب الرافضين لكل ما يأتيهم من جهتها، وهي تعاني من انقاسمات الكرد والبلوش والعرب ، ومن رفض سكان المدن لحكومة ولاية الفقيه ومن سياسة المقاطعة الدولية التي تخنق اقتصادها.
وهي حرب قائمة ضد اثيوبيا المسيحية.
وهي حرب لم يبق منها سوى فتات الشعارات ضد إسرائيل، الدولة المدنية الحديثة الوحيدة اليوم في الشرق الأوسط.

إسرائيل الصغيرة الآمنة
في دخان وضجيج هذا المشهد تبدو إسرائيل كأنها الدولة الوحيدة المتصالحة مع نفسها، والتي تعلن مرارا وتكرارا أنها تريد السلام مع جيرانها الفلسطينيين والعرب، وما ورائهم.
عبر كتاب " الشرق الأوسط في نبؤات الكتاب المقدس" * نسافر في تاريخ دولة العبرية الأولى قبل ميلاد المسيح فنجد وياللعجب أن اليهود والإسرائيليين لم يكونوا شعبا واحدا، بل أنهما كانا مملكتين متنازعتين مفترقتين على مدى قرن من الزمن ، مملكة الشمال وهي إسرائيل، ومملكة الجنوب وهي مملكة يهوذا " ومنها اشتق اسم اليهود " كما ورد في الصفحة 15 من الكتاب.
اختلاف المملكتين انتهى بهجوم الآشوريين على مملكة إسرائيل وأخذ شعبها أسيرا الى ما خلف نهر الفرات في بابل ( الموصل وديالى شمال وشمال شرق العراق الحالي) عام 722 قبل الميلاد.
ثم جاءت موجة آشورية اخرى خلفتها موجات بابلية لتسبي من تبقى من مملكة يهوذا وتنهي الدولتين العبريتين.
الخلاف اليهودي اليهودي الذي استمر قرونا طويلة، إنتهى بقيام دولة إسرائيل الجديدة في النصف الأول من القرن العشرين، ويبدو أن اليهود قد جمعهم هذه المرة شعورهم بالحاجة لبناء دولة عبرية غير دينية اختارت لنفسها نهجا سياسيا مدنيا، ومن خلال فصل الدين عن السياسة فصلا تاما نجحوا في تحقيق دولة متحضرة عصرية قوية مستقرة رغم العواصف والبراكين التي تحيط بها، وليس للمراقب الا أن يتساءل : كيف حافظت إسرائيل على وجودها وعلى وحدة شعبها الصغير بموارده المحدودة رغم وجودها وسط محيط معاد مصرّ على ان يعلق كل اخطاءه على شماعة وجودها؟
الإجابة يمكن أن تكون في التنوع الإثني والمعرفي للشعب اليهودي، ولكن عين هذا التنوع – بفارق أفول المعرفة - هو سبب التفتت والإنهيارات الشرق أوسطية.
لم يبق إذا الا أن يُعيد العرب ومن حولهم النظر في تكوينهم التاريخي ، لينطلقوا من جديد بعيدا عن الايديولجيات العدوانية التوسعية وبعيدا عن سياسة خلق الأعداء، وقريبا جدا من سياسة الإعتماد على التكنوقراط والنخب الليبرالية الصديقة.

*
http://www.ucg.org/files/booklets/Arabic-The-Middle-East-in-Bible-Prophecy.pdf