المنهج التكفيري عند سيد قطب

احمد الكناني
2013 / 7 / 13

يصنف سيد قطب في زمرة النافين للنسخ بين ايات الحرب و السلام ، بمعنى ان الايات الامرة بقتال المشركين غير ناظرة و لا ناسخة لايات العفو و الصفح و كذلك الايات الناهية عن قتال من لم يقاتل ، بل و الايات الداعية الى السلم بقول مطلق ، مع التأكيد على ان ما ورد في سورة التوبة يمثل احكاما نهائية و قطعية لما يسميه سيد قطب " بالمنهج الحركي للاسلام ".
و نفي النسخ الظاهر من كلمات سيد قطب لا يعني ان ايات السلام نافذة المفعول و كذلك ايات الحرب و العمل بكلاهما و فق مقتضيات الحال كما هو الواضح من معنى نفي النسخ ، و انما القصد هو حاكمية شريعة الاسلام بكل ما اوتي المسلمون من قوة، لكن هنالك معوقات قد تعرقل تحقيق ذلك القصد لابد فيه من المهادنة و المصالحة الى حين العودة الى الهدف الاسمى .
فهناك ايات تدعو الى السلم لكنها احكاما مقطعية جاءت لتعالج ظرفا معينا .
و هناك ايات تدعو الى الحرب و تحكيم شريعة الله على عموم البشر ، و هي احكام نهائية تمثل سياسة الاسلام المعلنة في التعامل مع الغير .
فالاصل في المنهج الاسلامي هو الحرب ولاخيار غيره ، السلام و المهادنة تكتيك مرحلي تفرضه موازين القوة و الضعف ، و لابد من التعايش معه كمرحلة انتقالية الى ان تزول معها المعوقات .
مع التنبيه على ان الدعوة الى الحرب في الاسلام ليست استباقية و دفاعية يلجأ اليها المسلمون عندما يداهمهم الخطر في عقر دارهم ، و انما هو المنهج الحركي في الاسلام القائم على الدعوة الى تحكيم شريعة الله على عموم البشر.
لكن قد يفهم من كلام سيد قطب انه عبارة منمقة عن النسخ المذكور في كلمات قدماء المفسرين ؛ اذ ان النتيجة واحدة في كلا القولين و هي الغاء ايات السلام و ابطال مفعولها والعمل بأيات السيف.
و الفرق بينهما : ان معنى النسخ : هو ابطال للحكم السابق و انهاء امده بحكم لاحق ، و لا يصح الرجوع الى الحكم السابق بأي حال ، و هذا المعنى اجمع عليه القدماء من المفسرين .
و ابواب الحرب و السلام مشرعة عند سيد قطب ، و لا يلغي احدهما الاخر ، نعم الحرب هم خيار المسلمين لتحقيق اهدافهم وعندما يكونوا في اوج عظمتهم ، كما وصل حالهم عند نزول ايات التوبة و فتح مكة ، و كذلك المرحلة التي تلتها من حكومة الخلافة الراشدة ، ولا مانع من الرجوع الى الاحكام المرحلية اذا اقتضت الظروف ذلك .
و فيما يلي مقتطفات من تفسيره "في ظلال القران ":
" ان تلك الاحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في اي ظرف من ظروف الامة المسلم و بعد نزول الاحكام الاخيرة في سورة التوبة . ذلك ان الحركة و الواقع الذي تواجهه في شتى الظروف و الامكنة و الازمنة هي التي تحدد ـ عن طريق الاجتهاد المطلق ـاي الاحكام هو الانسب للاخذ به في ظرف من الظروف ، في زمان من الازمنة ، في مكان من الامكنة! مع عدم نسيان الاحكام الاخيرة التي يجب ان يصار اليها متى اصبحت الامة المسلمة في الحال الي تمكنها من تنفيذ هذه الاحكام ، كما كان حالها عند نزول سورة التوبة ، و ما بعد ذلك ايام الفتوحات الاسلامية التي قامت على اساس من هذه الاحكام الاخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين او اهل الكتاب " .
اما الايات الداعية الى السلم و التي تمسك بها بعض المفكرين المسلمين و جعلوها الاصل في دعوة الاسلام ، تسندها رسائل النبي الى ملوك الامم تدعوهم الى الدخول الى الاسلام بسلام ،كما انهم فسروا الايات الداعية الى الحرب على انها دفاعية و موجهة الى من يقاتلهم " قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا "... هؤلاء لم يسلموا من تقريع سيد قطب ، و وصفهم بالمهزومين امام الواقع البائس ، و انهم لا يحملون من الاسلام الا العنوان.
و لنرجع لعبارته تتمة للموضوع ، و لندع سبابه و شتامه لمخالفيه ، يقول سيد قطب :
" ان النصوص التي يلتجئون اليها (يعني النصوص الداعية الى السلم ) نصوص مرحلية تواجه واقعا معينا . و هذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الامة المسلمة . و في هذه الحالة تطبق هذه النصوص المرحلية لان واقعها يقرر انها في مثل تلك المرحلة التي واجهتها تلك النصوص بتلك الاحكام ، و ليس هذا معناه ان هذه هي غاية المنى ، و ان هذه هي نهاية خطوات الدين .. و انما معناه ان على الامة المسلمة ان تمضي قدما في تحسين ظروفها ، و في ازالة العوائق من طريقها ، حتى تتمكن في النهاية من تطبيق الاحكام النهائية الواردة في السورة الاخيرة ، و التي كانت تواجه واقعا غير الواقع الذي واجهته النصوص المرحلية ".
و في خاتمة تفسيره لسورة التوبة ، و عند تفسيره لقوله تعالى { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار و ليجدوا فيكم غلضة } يقرر سيد قطب الحقيقة التالية و هي اخطر ما الموضوع، و البيت القصيد من وراء هذا المقال :
" و هذه لفتة لا بد من الوقوف عندها لفقه منهج هذا الدين في الحركة تجاه اهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم ، المتحكمين الى شرائع من صنع رجال فيهم ...و هي قاعدة تشمل كل اهل كتاب يتحاكمون ـ راضين ـ الى شرائع من صنع الرجال و فيهم شريعة الله و كتابه ، في اي زمان وفي اي مكان " .
حقا هذه لفتة تستحق الوقوف عندها مليا ،هذه التعدية للاحكام و التوسع فيها لتشمل كل المصاديق و في كل زمان و مكان ،على الخصوص اذا اتحدوا في العلة التي من اجلها وجد التشريع يعد امر في غاية الخطورة ، و يفتح باب التوسع و التمدد في الاحكام على مصراعيه .
و بالفعل فقد فتح الباب من قبل دعاة حاكمية الاسلام من الاحزاب التكفيرية و من وراءهم علماء السوء ليدخلوا فيه ابناء جلدتهم اولا و قبل غيرهم من اتباع الفرقة غير الناجية . و رأوا في ظلال القران و معالم في الطريق ضالتهم المنشودة لتحقيق مأربهم المريضة .
وببساطة يمكنهم الاستدلال بقول امامهم هذا بأن علة التشريع هنا اهل كتاب يتحاكمون الى شرائع من صنع الرجال ، و حينئذ يمكن ان يصدق هذا الكلام على المسلمين ايضا فهم اهل كتاب يحتكمون الى شرائع من صنع الرجال ايضا ، و عليه يصح ان يكونوا موضوعا لنزول اية السيف على رقابهم ايضا.
و من هنا جاءت ادبيات الاخوان المسلمين داعية الى رفع لواء الجهاد على الحكومات في البلاد الاسلامية التي لم تحكم بما انزل الله ، وسايرهم على ذلك الاحزاب الجهادية برمتها ، و اعلنوها حربا على الصليب و الهلال على حد سواء .