حتى لا تتكرر مأساة انتفاضة 1981

نبيل بكاني
2013 / 6 / 24

حتى لا تتكرر مأساة انتفاضة 1981
عندما تخلد الذاكرة المغربية أحداث انتفاضة العشرين من يونيه/ حزيران؛ فانها في ذات الوقت، تعيد قراءة تلك الصفحات المظلمة من تاريخ المغرب التي كتبت بدماء الشهداء و الأبرياء الذين لم يكن لهم من ذنب سوى أنهم ولدوا في زمن لا يرحم و في ظروف صعبة و في بيئة اجتمع فيها الفقر و الظلم. و كلما حل موعد الذاكرة المجروحة، بذكرى الألم و الأسى؛ الا و وجد المغاربة أنفسهم مجبرين على استرجاع شريط ذكريات بكل مشاهده التراجيدية المأساوية التي شهدتها شوارع الفقر و أحزمة البؤس بالدار البيضاء يوم 20 يونيه/ حزيران 1981؛ الذي وصفه الاعلام الدولي ب"اليوم الأسود"، و خلده المناضلون بلقب "انتفاضة الكرامة"، بينما اختار له الراحل، وزير الداخلية ادريس البصري وصفا تحقيريا و تبخيسيا هو "انتفاضة الخبز"؛ قد تتعدد التسميات و المسميات؛ لكن، الفاجعة تظل واحدة، و الجريمة واحدة، لا يتغير، أبدا، معناها مهما تغيرت أسبابها و اختلفت مبرراتها، و الحقيقة هي الأخرى تظل في صفتها واحدة مهما حاولت أيادي الغدر المداراة على جرمها أو سعت الى طمس معالمه و اتلاف خيوطه، أو اقبار الشهادات و الدلائل. فان الأيام، وحدها، كفيلة بنبش التراب و تقليب الأحجار و كشف الرميم و الرفات من المقابر الجماعية و من عمق الأقبية المظلمة المجهولة المنافذ، وحدها الأيام قادرة على اعادة استحضار الماضي بكل ثقله و بكل حمولته. و مهما حاول حراس المعبد المخزني التغطية على فضاعات ما اقترفت أنيابهم بالمسرحيات المرتجلة و الأقنعة المستعارة؛ من قبيل "طي صفحة الماضي" أو "مسلسل الانتقال الديمقراطي" أو "يوميات المصالحة و الانصاف" أو حتى "الدستور الجديد" و ما تلاه من استعراضات تنكرية طغت عليها الأقنعة نصف الملتحية التي برزت مع الموجة الربيعية في ساحة الفرجة السياسوية؛ فان ذاكرة الشعب لا تشيخ مادام الجلادون أحرارا يتجولون و يتمتعون بالامتيازات الادارية و السياسية، و مادام قانون الافلات من العقاب هو القاعدة السائدة حتى في مغرب ما بعد انتفاضة الحرية "20 فبراير/ شباط 2011".
و اليوم، و بعد مرور 32 عاما على تلك الجريمة الانسانية أو اللاانسانية النكراء؛ و ان لم تشأ الأقدار أن نعيشها نحن أبناء هذا الجيل. فعلى الأقل، من حقنا أن نطرح أسئلتنا الوجودية، من قبيل "ماذا تغير في المغرب بعد جيل و نيف من الزمن على انتفاضة الكرامة؟ و هل تحققت أحلام من ضحوا فيها بأرواحهم سبيلا لحياة أبناءهم؟ و هل أخذت العدالة مجراها في تحقيق الانصاف لأولئك الذين لقوا حتفهم دون أن يكون لوجودهم في ساحات الموت ارتباط بالانتفاضة و لا بمدبريها؟
للاجابة عن هذه الأسئلة لابد من وضع مقارنة بين الأسباب التي كانت وراء انتفاضة 1981؛ أي الظروف المعيشية لمعظم المغاربة قبل تلك الانتفاضة و الظروف الاجتماعية التي يعيشها المغاربة اليوم؛ و لنقل بعد انتفاضة 2011؛ و التي أعادت طرح، تقريبا، نفس مطالب ما قبل انتفاضة 1981، على الأقل في شقها الاجتماعي، و بين أسباب اندلاع الانتفاضة حينها، و الأسباب الاحتجاجية الحالية. و بقراءة للوضع الاقتصادي و الاجتماعي الذي يبقى مؤِثرا و متأثرا بكل ما هو سياسي، و من خلال أهم العوامل السلبية المتدخلة و المؤثرة في الاستقرار، بدءا من مستويات العجز الاقتصادي المتصاعدة، ثم الوضعية الاجتماعية للطبقة الوسطى و الفقيرة التي تعرف تدن حاد و متسارع في قدرتها الشرائية بفعل السياسة التقشفية للحكومة، الارتفاعات الصاروخية في الأسعار، مع ما تعرفه البنية المجتمعية من ارتفاع مهول للبطالة في صفوف الناشطين، فضلا عن تفشي الرشوة مع غياب للعدالة القضائية و الاجتماعية، و غلبة منطق المقاربة القمعية للحريات، خاصة حرية التعبير؛ و ما يرتبط بها من اعتقالات تعسفية و انتهاكات لحقوق الانسان جراء التعذيب المنتهج في مراكز الاعتقال الذي يتعرض له المعتقلون من الناشطين و السياسيين؛ و من خلال تحليل هذه المعطيات على ضوء الواقع اليومي، و مقارنتها مع الأوضاع العامة لما قبل سنة 1981، أي قبل انتفاضة الكرامة، تتضح بجلاء الرؤية نحو المستقبل المجهول للبلاد؛ طبعا، اذا لم تتداركه الاصلاحات الحقيقية المعمقة داخل بنية الدولة و المجتمع (باعتبارهما بنية مشتركة).
للأسف، فالاحتقان الاجتماعي الذي لم تعد تخفى تهديداته على الأمن الاجتماعي للبلد في ظل البؤس السياسي الذي بات الميزة الأساسية للهوية السياسية المغربية، و أمام عجز مفضوح لحكومة لا تصلح لهذا الزمان؛ فان طبيعة الاحتقان؛ و ان اختلفت من حيث المظهر، تظل مشابهة، ان لم نقل أشد خطرا من طبيعة الاحتقان التي كانت وراء السخط العارم الذي تحولت معه شوارع الدارالبيضاء الى ساحات مواجهة حمراء بين المنتفضين الساخطين، و بين قوى الأمن و العسكر، و كادت أن تمتد موجاتها نحو مدن أخرى.

ان الصمت الذي يركن اليه عامة المغاربة، خاصة الفئات المتضررة؛ و ان تخللته صرخات هنا و هناك ، لا يبشر، البثة، برضا و قبول المواطن بالوضع العام لحياته. بل، هو، لا يزيد عن كونه سكوتا انتظاريا لشعب أنهكت رغبته في فرض التغيير من الشارع، مشاهد الدم و التقتيل في سوريا، و غياب الاستقرار في تونس و مصر و ليبيا، ففضل، بدل المغامرة باستقرار البلاد الى دخول قاعة الانتظار و التزام الصمت، علَّ أصحاب القرار يحسون بمعاناته و يتفهمون رغباته، فيسعون الى تحقيقها قبل أن ينفجر غضبا كالبركان الساخط، اليائس، الذي تولد انفجاره بفعل ضغط و محاصرة الكثل و الطبقات السميكة له.
فالتحولات السلبية التي عرفتها البنية المجتمعية للمجتمع المغربي، بفعل السياسات الفاشلة للنظام السياسي طيلة عقود من التسيير و احتكار السلط، كانت وراء افراز جملة من العاهات الاجتماعية و الظواهر التي كانت قبل نصف قرن غريبة عن المجتمع؛ من جرائم منظمة و غير منظمة ترتكب في واضحة النهار و في أكبر شوارع المملكة، و من انتشار رهيب لكل أصناف المخدرات و الممنوعات، فضلا عن ظواهر "شاذة" كالانتحار بحرق الذات لأسباب اجتماعية، و انتحارات أخرى "قطاعية" كالتي أقدم عليها بعض رجال جهاز الأمن المكلف بحماية أمن المواطن و الوطن، أضف الى ذلك، كل تلك الانحرافات السلوكية الخطيرة التي اجتاحت المدن و لم تسلم منها حتى حرمات المؤسسات التعليمية و "التربوية"؛ الشيء الذي أصبح يهدد الاستقرار العام، و لعل ما حدث يوم 11 ابريل/ نيسان2013 (الخميس الأسود) على خلفية مباراة لكرة القدم؛ لدليل على تعمق الأزمة المجتمعية و تغولها، بل و بلوغها مرحلة متقدمة من الخطر؛ و التي أمست تستدعي ايجاد حلول ناجعة و جذرية من أعلى مستوى، بعدما أعلنت الحكومات و على رأسها الحكومة الحالية، فشلها الذريع لأسباب عديدة؛ جزء منها تتحمله الحكومات و الأحزاب، و الباقي تتحمله الدولة كمؤسسة شاملة.