رؤية للخلاص الوطنى فى مصر

أمين المهدي سليم
2013 / 6 / 22

بقلم: أمين المهدى

كان لثورة يناير المصرية إيجابيات هائلة ولكن كان لها أيضاً سلبيات كارثية، وكان من إيجابياتها تفكيك حاجز الخوف فى العمق النفسى الاجتماعى للمصريين، وكشفت وهن وفشل الدولة المركزية العاتية، وعرت وفضحت سطحية وخيانة اغلب النُخب السياسية والثقافية والدينية المصنعة فى مراكز الامن والسيطرة فى ظل الجمهورية الفاشية العسكرية الدينية على مدى 6 عقود كما أظهرت قدرة المصريين على التضحية على نحو باهر ومتمدين.

غير أنها لم تحقق هدفها الأساسى وهو الدولة المدنية الديموقراطية، ليس فقط نتيجة ترصّد واشنطن والمجلس العسكرى والإخوان وعداء هذا الثالوث لها فى ظل طوفان من الأكاذيب والخداع، ولكنها خدمت مخططهم لانها لم تميز أعدائها نتيجة خيانة النُخب الرسمية وكلاب الحراسة وبالتالى غابت الرؤية النقدية للأوضاع المصرية، وبالطبع لم يكن لها أُفق معرفى للتغيير وجانبه الجوهرى وهو "التصور الاقتصادى" ، وهكذا أثبتت أن قوة الغضب وشجاعة الجسد لا تكفيان دون مساندة شجاعة العقل.

لو تجددت الثورة فى "30 يونيو" ستكون معجزة تحدث فى التاريخ الإنسانى لأول مرة وهى أن "تُصحح ثورة مسار ثورة أخرى" ؛ فهل يفعلها المصريون ؟ وحدها الأيام ستجيب علي ذلك.

محاولتنا هنا هى تقديم تصور نقدى وبعض الدروس المستفادة داخل أفق معرفى وتصور لفلسفة بناء دولة المجتمع الحديثة ومن ثم يمكن البناء عليه لتلافى تكرار الأخطاء وكشف محاولات التلاعب بمصير المصريين كمجتمع ووطن فيحال تجدد الثورة وفى مقدمتها أنه لا يجب الثقة أو الاعتماد إلا على المجتمع ومن بعده مساندة شعوب العالم المتقدم والمتضامن ، لأن كل المبانى والهياكل الرأسية فى الدولة المصرية مبانى تسلُطية مثل: البيروقراطية العسكرية والأمنية والإدارية وكل المؤسسات الاقتصادية والدعائية والدينية والمعرفية ، وكل التفسيرات التطبيقية للتشريعات والقوانين ، كل ذلك تشكل حول أهداف ومصالح معادية للمجتمع ولتقدمه وحرياته فى ظل دولة مركزية تاريخية شرسة وثرية وفاشلة وفاسدة تنحدر كل يوم إلى خدمة نفسها فقط وتنحصر وسائلها فى التخويف وتزوير المشاركة الشعبية وتفكيك المجتمع واضعافه بغسل الأدمغة بالأفكار العنصرية وبالإختراقات الأمنية وشراء الذمم والتديين التخديرى حتى أصبح الحزب الوحيد الذى يعمل بفاعلية في الشارع بجوار العصابات الطائفية هو حزب الجمعة وميكروفونات الكراهية والجهل ، إلى أن أصبح المجتمع فقيراً وضعيفاً اختصرت كل أماله فى التسول من الدولة أو الهرب منها ، وحتى أصبحت مصر أكبر مُصدرى الإرهابيين والجياع.

بعد انقلاب العصابات العسكرية الإخوانية فى 1952 أصبح النهب والفساد هما وسيلة صناعة الولاء لنظام منزوع الخُلق والمعرفة والسياسة ، وليس له "تاريخ عسكرى" يُذكر إلا فى الأغانى والأكاذيب وحتى الآن يشمل ذلك أكذوبة "نصر أكتوبر" وتسمية الجلاء التفاوضى السلمى عن الأراضى شرق وغرب القناة بتحرير سيناء (كتاب "الفرص الضائعة" للواء أمين هويدى وقد صودر فور نشره).

بدايةً نهبوا القصور الملكية وممتلكات العائلة الملكية ، ثم ممتلكات اليهود وبعدها ممتلكات كل الجاليات المتمصرة ، ثم حل موعد التغطية الأيدلوجية للنهب مثل التمصير والتأميم والحراسات و "حماية الثورة" ، وخلال ذلك كانوا يطردون اعضاء الجاليات أو يجبرونهم علي الهرب ومعهم أرباب الصناعات والبنوك وأكفأ الحرفيين والناشطين الإجتماعيين والمبدعين وأرقى المهارات الاجتماعية والفكرية والفنية ، وطبعاً فتحت لهم الدول المتقدمة أحضانها ، وكان نهب منازلهم عملاً منظماً ومتفقاً عليه (فى يوم واحد باسم التطهير طرد 440 أستاذاً جامعياً من خريجى أرقى جامعات العالم وحائزين على أعلى درجاتها العلمية) وجلس مكان معلم الأمة "طه حسين" ضابط إخوانى قروى صغير حائز على الابتدائية وراسب ثقافة ، وفى يوم واحد أيضاً قبض على 30 ألف فنان شعبى بتهمة التسول كانوا ينشرون الفرح والبهجة فى شوارع مصر.

حدث الأمر نفسه فى كل مناحى الحياة المصرية، وهكذا جُرِّد المجتمع من كل قواه الاقتصادية ومن عناصر التنوع الثقافى والاجتماعى ، ولم تسلَم معتقداته وأخلاقياته وبهجته من هذا الإحتكار الهمجى لحساب دولة العسكر المركزية الجاهلة والتى باتت تملك كل موارد الوطن المادية والمعنوية وهكذا أصبحنا نعيش فى ظل اقطاع عسكرى له خطاب دينى متطرف، بعدها حول الخدمة الوطنية لشباب مصر إلى سُخرة مجانية أو بأجر تافه فى اقتصاد هذا الاقطاع.
يقدر كثيرون فى الداخل والخارج اقتصاد العسكر بين 30 % و 40 % من الاقتصاد المصرى خارج كل أنواع الرقابة والشفافية تحت استعمال مزيف ومغرض لمفهوم الأمن القومى، ولكن هذا فقط جزء من المصيبة ذلك أنهم هيكلوا الدولة ونظمها السياسية والاقتصادية والقانونية وعلاقاتها الخارجية لخدمة هذه الغنائم والإمتيازات فوصلت كل انشطة الدولة والمجتمع الذى أدمج فيها إلى حالة من الشلل ورفض التغيير، ولأن الدولة دائماً مدير فاشل وفاسد، تدهورت كل الخدمات المقابلة لفقدانه حريته وكرامته إلى شبه خدمات، وأصبحت تؤدى عكس دورها في تسهيل الحياة، وهكذا نشأت الحاجة إلى الحلول الشعبية عير المنظمة بالطبع ؛ فأصبحت العشوائيات هى الحل لانسحاب الدولة من مسؤولية الإسكان، والدروس الخصوصية بديلاً عن انهيار التعليم، والمستوصفات الدينية بديلاً عن انهيار العلاج الطبى، وتجارة الأرصفة بديلاً عن التجارة المنظمة، والبلطجة والحلول العرفية بديلاً عن القانون والتقاضى.... وهكذا.

لضمان استمرار استعباد المصريين، كانت جماعة الإخوان الإستثمار السياسى الإستراتيجى لحُكم الاقطاع العسكرى بالرغم من جدل الغرام والانتقام بينهما إلا أن أهدافهما واحدة وقسم كبير مصطنع ودعائى للتغطية (كان ما يسمى بمجلس الثورة 12 عضو وتنظيم الضباط 399 عضو ليس فيهما عضو واحد مسيحى)، ولحساب هذه العصابات الطائفية اخترقت أجهزة الأمن وجمدت كل الأنشطة النقابية والسياسية، ولنفس الهدف ومنذ 14 سنة كانت منتجات الاقطاع العسكرى "الرخيصة" هى سلع يستعملها الإخوان لشراء أصوات المحتاجين والفقراء، أى أن المافيا الاقتصادية سرقت القرار السياسى لحسابها، أضف إلى ذلك أن مجرد وزير واحد هو وزير الدفاع لديه جهاز قضائى يمكنه دستورياً وواقعياً أن يحاكم كل المصريين فى أى نقاط تماس مع العسكر، أى أن المجتمع المصرى حوصر بين محاكم الاقطاع العسكرى ومحاكم التفتيش الدينى، ويجب أن لايفوتنا أن الاقطاع العسكرى تواطأ مع الإرهابيين عندما قتلوا وخطفوا الضباط الشباب والمجندين بالتستر على تحديد المجرمين وافلاتهم من العقاب.
ولا يفوتنا أيضا تذكُر أن جنرالات ماسبيرو وهتك العرض سجنوا شاباً مصرياً شجاعاً تحدث عن المحسوبية فى الكلية الحربية قبل الثورة، ثم تراجعوا على نحوٍ مُهين أمام زعماء الإرهاب عندما إتهموهم بالخيانة وجعلوهم هزئة.
بين الوجاهة العسكرية والدينية ضاعت كل قيمة للإنتاج الإجتماعى وللمهارات الإجتماعية، أى أنه كلما كانت القوى فائضة عن الحاجة ولا تصلح للإستخدام الإجتماعى كلما ازدادت وجاهتها الاجتماعية، وهذه هى مأساة مصر المختنقة بين القلعة والمعبد. هكذا تلاشى الوكلاء الإجتماعيون وحل محلهم ضباط متقاعدون ومُخبرون وتجار سوق سوداء ومضاربون ورؤساء عشائر ورجال دين، وهكذا انتشر الجهل والقُبح وأخلاق الجسد البدوية الفجة وضاع الضمير الحضارى والأخلاقى الإنسانى والنقد العقلانى والمعارف العلمية وقيمة المجهود الإنسانى.
قد يصل هذا الخلل التاريخى بهذه الدولة إلى الذهاب فى عملية اضعاف المجتمع إلى السعى إلى الحرب الأهلية، وهذا تدعمه أفواه واشنطن القذرة ودول عربية بهدف تقسيم مصر على النمط السودانى والعراقى واليوغوسلافى ومن قبلهم الاتحاد السوفيتى، وفى كل الحالات أستعملت الإرهاب الإسلامى.
قالت المفوضة الأوروبية "كاترين اشتون": "الفساد فى مصر التهم 5 تريليون دولار خلال 15 سنة الأخيرة"، وقالت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الامريكية الأسبق: "مصر من أغنى دول العالم ولكن الموارد لا تجد طريقها إلى الشعب".
تجاوزت الديموقراطية مفهومها القديم أى حُكم الشعب لنفسه، وارتقت إلى أن يدير الشعب نفسه عن طريق وكلاءه الاجتماعيين المنتخبين وهم البيئة الوحيدة التى تُنتج الوكلاء السياسيين.
لأن الكلمة المفتاح فى مصر الآن هى الإنسداد الكامل أمام أى احتمال للتغيير حتى لو افترضنا سقوط حكم الإرهاب وتقلصت بالتالى أدوات المافيا العسكرية، مع ضعف احتمال استمرار الحرب الأهلية وتحولها بالضرورة إلى معركة مع الإرهاب سيكسبها المجتمع مهما حدث من تواطؤ بين أطراف التحالف الفاشى العسكرى الدينى ؛ فلابد هنا من اللجوء للعقل العلمى ومعه تجارب الجماعة الإنسانية التى نحتل فيها الآن مرتبة القاع، وهو ما يفرض حلولاً حرجة قد تصدم البعض، وبناءً على ذلك أقترح الآتى:

أولاً: أن يخرج العسكريون من الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية ويمكن أن ينخرطوا فيها بعد 5 سنوات من تقاعدهم.
ثانياً: السبل متعددة للتوصل إلى دستور مدنى تعاقدى مع المواطن الفرد بمجرد ولادته وقبل تحديد جنسه أو دينه أو لونه أو عرقه أو طبقته الاجتماعية.
ثالثاً: تقليص الدولة إدارياً وتغيير وظيفتها إلى التنظيم والخدمات وبنسبة موظف واحد إلى كل 70 مواطن فأكثر (النسبة الحالية 1 إلى 9 ) على أن تقوم البلديات والمحافظات المنتخبة بإدارة ما يتعلق بأحوال الناس باستثناء النواحى الإستراتيجية مثل: الكوارث والجرائم الكبرى والمتخصصة والعلاقات الخارجية والسيادة على الحدود ومسائل الدفاع.
رابعاً: أن تخرج الدولة من كافة الأنشطة التجارية والاقتصادية المرتبطة بالأسواق المحلية والعالمية وأن تفكك بنيتها الاقتصادية وتلحق بالرأسمالية العالمية، مع استبعاد التخلف العربى الثرى، وهو شرط رئيسى لتحقيق التقدم فى الخبرات واحداث التراكم الرأسمالى الأول، ويجب أن يُدار ذلك طبقاً للمعايير الدولية وسابق التجارب فى أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
خامساً: تُستعمل العائدات فى قروض طويلة الأجل بدون فوائد وبمصاريفها فقط للشباب والنساء ومن يتم الإستغناء عنهم من العمالة بهدف ضخ الموارد الاقتصادية للوطن فى الأوعية الإجتماعية لإستعادة المبادرة والإبداع الفردى الإجتماعى مع التركيز على الصناعات الصغيرة المتكاملة، وذلك هو التراكم الرأسمالى الثانى.
سادساً: ضرورة التأهيل الاجتماعى والقانونى لكل من يحصل على القروض خلال اجراءات تنفيذ القرض لتلافى التشوهات الثقافية الاجتماعية ومنها التفسيرات الغيبية المُعطلة للمسؤولية الفردية والاجتماعية.
سابعاً: الاحتفاظ بهامش اقتصادى اجتماعى للعجزة والعاطلين وعلاج المعوزين واللُقطاء وضحايا الكوارث والجرائم وذوى الإحتياجات الكاملة على أن يُدار ذلك ويراقب بواسطة المشاركة التطوعية والشعبية.
ثامناً: تؤسس مجالس برلمانية تطوعية منتخبة من مستوى القرى والمدن وحتى مستوى المحافظة كى يتحصل المجتمع على ثقافة العمل الديموقراطى.
تاسعا: إلغاء وزارة الأوقاف وضم الأوقاف إلى وزارة الشئون الاجتماعية، أما المساجد فتصبح تحت إشراف مشترك للأزهر والداخلية. وإلغاء وزارتى الإعلام والثقافة وإلحاق المراكز الثقافية بالبلديات أما المركزى منها يصبح تحت رعاية لجنة خاصة منتخبة.
عاشراً: المجتمع هو الضامن والمستفيد الوحيد من التغيير والتقدم، ولذا أعتقد أنه يجب على التنظيمات الشبابية وحركة تمرد وشباب الأحزاب تشكيل لجان شعبية من مستوى الشارع وحتى مستوى الجمهورية لمواجهة معركة الإرهاب وضمان الإتجاه إلى التغيير الإيجابى.

نهايةً أُعلن ثفتى فى الدكتور "محمد البرادعى"، لأنه جاء من خارج النظام، ولا أثق فى أحد آخر، ممن باعوا الثورة الأولى ويستعدون لبيع الثورة الثانية فى سوق نخاسة الإقطاع العسكرى.

المجتمع الحر هو المالك الحقيقى للوطن.
المجد وكل العظمة لشهدائك يا مصر من أجل الحريات المدنية والعدالة والتقدم.


الكاتب: أمين المهدى
الإسكندرية فى 22 يونيو 2013
Twitter: http://www.twitter.com/AminElMahdy

درسات لها علاقة بالموضوع:

عندما مارس عبد الناصر ‘الانقلاب الديني‘ بعد الانقلاب العسكري (الحياة اللندنية 22/12/1999)
حرب العرب الحقيقية كانت ضد الحرية والحداثة ! (الحياة اللندنية 11-02-2000)