انقلاب 8 شباط الفاشي - 1963

جاسم الحلوائي
2013 / 2 / 11


في شهر شباط الحالي عام 2013، يكون قد مر علينا نصف قرن على انقلاب 8 شباط الفاشي الذي وجّه ضربة صاعقة لحلم الشعب العراقي وطموحه في سبيل إقامة نظام وطني ديمقراطي يمهد الطريق لتطور العراق وازدهاره ويوفر لشعبه حياة حرة وكريمة. لقد كافح الشعب العراقي من أجل تحقيق هذا الهدف طويلاً، وقدم ولايزال يقدم في سبيل ذلك تضحيات غالية. فما الذي حدث في شباط 1963؟ وكيف ولماذا حلت بالعراق هذه الكارثة الوطنية. هذه محاولة للإجابة على هذه الأسئلة بشكل مركز.

بعد أن لملم حزب البعث قواه إثر الضربة التي وجهت له بعد محاولته الفاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم في أواخر عام 1959، توّجه للتآمر من أجل الإطاحة بالحكم والسيطرة على السلطة بانقلاب عسكري بالتحالف مع قوى أخرى، قومية ورجعية ومحافظة. والتقت هذه المحاولات مع ما كانت تدبّره الدوائر الأمريكية وعملاؤها في العراق والبلدان المجاورة له. كما تطابقت هذه المساعي مع ما كانت تسعى اليه الجمهورية العربية المتحدة، وتوافقت مع الجهود الحثيثة لشركات النفط العاملة في العراق للتخلص من حكم قاسم، ولاسيما بعد إصدار القانون رقم 80 الذي انتزع من هذه الشركات كل الأراضي التي لم تستثمرها حتى ذلك الحين، والتي تؤلف (5 ,99%) من مجموع مساحة البلاد التي كانت تدخل ضمن امتيازها.

ووّفر حكم الزعيم عبد الكريم قاسم العسكري الفردي، بسياسته المنافية لحقوق الشعب الديمقراطية وانعزاله عن جميع الأحزاب والقوى السياسية الحريصة على الاستقلال الوطني والنهج الديمقراطي، الأجواء الملائمة للنشاط التآمري والرجعي. فتزايدت صلافة القوى الرجعية وتجاوزاتها على حقوق الجماهير التي حُرمت من وسائلها لتنظيم نفسها للدفاع عن حقوقها، وبالتالي الدفاع عن الحكم. وجاءت الحرب التي شنتها الحكومة ضد الشعب الكردي، لتُضعف كثيراً من قدراتها العسكرية، وتُزيد من أعبائها المالية، في وقت كان الحكم يُعاني من ضغط شركات النفط وسياساتها في خفض الإنتاج، مُستهدفة من ذلك إشغال الحكم عما كان يُدبّر له. وجاءت مشكلة الكويت ومُطالبة عبد الكريم قاسم بها، لتزيد من التعقيدات السياسية التي كان يواجهها، وأعطت الذريعة للدوائر البريطانية لنشر قواتها وتحشيدها قريباً من الحدود العراقية. وتهيأ كبار العسكريين المحافظين، على اختلاف ولاءاتهم، والإقطاعيون والأغوات والرجعيون وعملاء الاستعمار، لضم قواهم إلى كل من يبادر إلى عمل مضاد للحكم. وحين انحصر الفعل على البعث والقوميين العرب، استعدوا للسير وراء أي منهما أو كلاهما.

في 3 كانون الثاني 1963 أصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً يُحذر فيه قاسم من انقلاب عسكري يقوم به حزب البعث، وسينطلق من كتيبة الدبابات التابعة للفرقة الرابعة المدرعة في (أبو غريب). وكان يقود هذه الكتيبة يومئذ العقيد خالد الهاشمي، عضو المكتب العسكري لحزب البعث. وكان لدى قاسم المعلومات ذاتها. وقد اتخذ قاسم جملة من الإجراءات بما في ذلك اعتقال عدد من قادة البعث، ولكن تلك الاجراءات لم تكن بالمستوى المطلوب. وخوفاً من مزيد من الاعتقالات، قرر قادة الانقلاب الذين ما زالوا طلقاء تنفيذ ضربتهم يوم 8 شباط، بدلاً من يوم 25 كما كان مقرراً لها.

بدأ تنفيذ الانقلاب في الساعة الثامنة من صباح 8 شباط 1963. وكانت المهمة الأولى أمام الانقلابيين هي شل سلاح الطيران في معسكر الرشيد الذي كان يضم عدداً كبيراً من ضباط الطيران الشيوعيين بقيادة قائد القوة الجوية الزعيم الركن الطيار الشيوعي جلال الأوقاتي. وكانت نقطة الانطلاق في الانقلاب اغتياله. فقامت مفرزة مسلحة من الانقلابيين بمهاجمة جلال الأوقاتي قرب بيته الذي كان تحت مراقبة البعثيين خلال اليومين الأخيرين، وقتلوه في الساعة الثامنة والنصف. وشُرع بقصف معسكر الرشيد وتم تحطيم الطائرات التي كانت جاثمة فيه في الساعة التاسعة، وقتل الضباط الشيوعيون وأعتقل جميع الضباط غير البعثيين. وبعد دقائق شنت الطائرات هجوماً على وزارة الدفاع. كما اتجهت بعض الدبابات من (أبوغريب) نحو مرسلات الإذاعة، وأذاع الانقلابيون بيانهم من هناك. كما اتجهت دبابات أخري نحو دار الإذاعة في الصالحية، بينما اتجهت أربع دبابات إلى وزارة الدفاع.

واستخدم الانقلابيون الخداع والكذب والتزييف منذ بيانهم الأول. وكان قادة الدبابات التي هاجمت وزارة الدفاع يرددون مع الجماهير الغاضبة "ماكو زعيم إلا كريم"، ويرفعون صور قاسم لكي تتمكن الدبابات من شق طريقها وسط الجموع الغاضبة. وراح الانقلابيون يذيعون برقيات مزورة لتأييد حركتهم من آمري الوحدات العسكرية في مختلف المواقع.

اقترح الزعيم الركن طه الشيخ أحمد ذو الميول الشيوعية، ومدير الحركات العسكرية، كما يشير بطاطو، تحريك القوات جيدة التجهيز التي هي بإمرتهم، وأن يجربوا الانقضاض المباشر على مواقع المتآمرين وقياداتهم، في مسعى لتحريك الجنود والضباط المترددين في معظم الوحدات العسكرية، بدلا من أن يقبعوا في وزارة الدفاع وينتظروا مصيرهم، فوزارة الدفاع هي الشرك الذي سيقعون فيه. وألح الزعيم الركن طه الشيخ أحمد على توزيع الأسلحة الخفيفة والذخائر على الجماهير المحتشدة خارج وزارة الدفاع والتي تطالب بالسلاح. ولكن مقترحات طه الشيخ أحمد لم تجد لها صدى وقبول عند قاسم، الذي فضّل خطة دفاعية وهي البقاء في وزارة الدفاع.

الحزب الشيوعي يقف ببطولة
ضد الانقلاب الفاشي

سارع سلام عادل، إلى جمع من أمكن الاتصال بهم من أعضاء اللجنة المركزية في بغداد، ومن قادة منظمة العاصمة لتحديد الموقف من الانقلاب. وقد توصل المجتمعون إلى أن الانقلاب لا يستهدف عبد الكريم قاسم وأركان حكومته وحدهم، وإنما يستهدف كذلك ضرب الحزب الشيوعي والقضاء عليه. اتصل سلام عادل بالجادرجي ومحمد حديد اللذين أخبراه، كل على حدة، بأنهما ضد الانقلاب ولكن ليس لديهما إمكانية للمقاومة. وفي الحال سارع سلام عادل إلى تحرير بيان طلب أن يوّزع بأكبر قدر ممكن، وأن يُتلى على جموع الناس حيث تحتشد، وأن يُلصق في المحلات العامة. وانطلق الجميع لاستنفار منظماتهم والجماهير المحيطة بها. ومما جاء في البيان، الذي ذيّل باسم الحزب الشيوعي العراقي ووزع في الساعة العاشرة من صباح 8 شباط، ما يلي:

" إلى السلاح لسحق المؤامرة الاستعمارية الرجعية!
أيها المواطنون! يا جماهير شعبنا المجاهد العظيم! أيها العمال والفلاحون والمثقفون وسائر القوى الوطنية الديمقراطية!
قامت زمرة تافهة من الضباط الرجعيين المتآمرين بمحاولة بائسة للسيطرة على الحكم تمهيداً لإرجاع بلادنا إلى قبضة الاستعمار والرجعية.... ثم يدعو البيان الجماهير قائلاً: "إلى السلاح للدفاع عن استقلالنا الوطني، وعن مكاسب شعبنا! إلى تشكيل لجان الدفاع عن الاستقلال الوطني في كل معسكر، وفي كل محلة ومؤسسة وفي كل قرية!
إلى الأمام، إلى تطهير الجيوب الرجعية، وسحق أية محاولة استعمارية في أية ثكنة وفي أية بقعة من بقاع البلاد".
وينتهي البيان بالآتي: "إننا نطالب الحكومة بالسلاح!
فإلى الأمام إلى الشوارع! إلى سحق المؤامرة والمتآمرين".

إثر ذلك، اندفعت الجماهير بأعداد هائلة إلى الشوارع، من كل مكان، وخاصة من المناطق الكادحة. وقد أثار حماستها بيان الحزب الذي وزع في الشوارع والأماكن الشعبية، وتوّلى البعض قراءته على الجماهير. وتوجهت جموع غفيرة صوب وزارة الدفاع لدعم القوات العسكرية ولتحصل على السلاح. ولكن قاسم رفض تزويد الجماهير بالسلاح. فأصدر الحزب الشيوعي البيان الثاني في الساعة الحادية عشر، وقد جاء فيه:" ... إننا ندعو الجماهير لمهاجمة الجيوب الرجعية وسحقها دون رحمة وعدم الانتظار. إن استقلالنا الوطني أمام خطر مؤكد... إن مكتسبات الثورة أمام خطر مؤكد... استولوا على السلاح من مراكز الشرطة ومن أي مكان يوجد فيه ... إلى السلاح! إلى الهجوم من كل أنحاء بغداد والعراق لسحق جيوب عملاء الاستعمار" .

ولم تستطع دبابات المتآمرين اختراق شارع الرشيد بسهولة. فقد تصّدت لها الجماهير وعلى رأسها الشيوعيون. فلجأت الدبابات الأخرى إلى الخُدعة، فراح الضباط المتآمرون يشاركون الجماهير هتافهم: "ماكو زعيم إلا كريم"، كما مر بنا. فانطلت الحيلة على الجماهير واستطاعت الدبابات النفاذ إلى داخل الوزارة. ودارت معركة حامية الوطيس في وزارة الدفاع ابتدأت من الساعة الثالثة بعد الظهر من يوم ثمانية شباط واستمرت حتى التاسعة مساء. وقد أبدى العميد عبد الكريم جدة وقواته من الانضباط العسكري، والعقيد وصفي طاهر، بسالة كبيرة في التصدي لهجوم المتآمرين، حتى استشهادهما. وكذلك لعب الرئيس الأول الشيوعي سعيد مطر دوراً بطولياً في المعركة. وحين انتهت المقاومة استطاع سعيد مطر أن يفلت وينضم إلى الجماهير التي كانت تقاتل في حي الأكراد. ولم يبق من المقاتلين الذين كان يربو عددهم على 1500 مقاتل في وزارة الدفاع إلا بضعة أنفار. فاعتقل الانقلابيون عبد الكريم قاسم والمهداوي وطه الشيخ أحمد وتم إعدامهم خلال ساعة واحدة.

وفي الساعة الثامنة والدقيقة العشرين مساء 8 شباط أذيع البيان رقم 13 الذي أباح قتل الشيوعيين "أينما وجدوا". وعلى الرغم من ذلك خاضت الجماهير في محلات عديدة من بغداد معارك مشهودة قادها الشيوعيون. ففي الكاظمية، خاضت الجماهير معركة باسلة كان يقودها هادي هاشم، عضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي والمقدم المتقاعد خزعل السعدي، وعضو لجنة منطقة بغداد للحزب حمدي أيوب العاني وانضم إليهم الشاعر المعروف مظفر النواب ومحمد الوردي. وقد استطاعت الجماهير في المدينة أن تخوض معركة استمرت أربع ساعات مع شرطة النجدة، وأن تستولي على مشاجب السلاح في المركز المذكور، وتتسلح بها للسيطرة على مراكز الشرطة الأخرى، وتستولي على مشاجب السلاح فيها. وقد سيطرت الجماهير على المدينة برمتها حتى جسر الصرافية من جهة الكرخ. واشتدت المعارك في مناطق عمال النسيج في البحية وفي مدينة الكادحين (الشعلة). وساهمت النسوة لاسيما الشيوعيات في المقاومة ببسالة واستشهد العديد منهن في ساحة المعركة، ومنهن الرفيقة مريم رؤوف الكاظمي. واستمر القتال حتى اليوم الثالث.. واستشهد في معارك الكاظمية العديد من أبنائها بينهم شيوعيون معروفون مثل علي عبد الله وناظم جودي وسعيد متروك الذي قام بتغطية عملية الانسحاب لوحده، حيث قاوم لعدة ساعات شاغلاً قوات العدو، حتى تم الانسحاب التام وأطلق آخر طلقة لديه. ولم يصدق المتآمرون أن شخصاً واحداً كان يدير تلك المقاومة، فانتقموا من بسالته بقتله بمنتهى الوحشية .

وفي (ﻋﮝد الأكراد)، في باب الشيخ، قاومت الجماهير من الأكراد الفيليين الذين يزدحمون في المنطقة وكادحي باب الشيخ والتحقت بهم الجماهير القادمة من مدينة الثورة ومختلف مناطق بغداد. وقد قدر عدد المقاومين بأربعة آلاف في اليوم الأول. وقاد المعركة ببسالة واقتدار محمد صالح العبلي، عضو المكتب السياسي ، ويعاونه عدد من كوادر الحزب وقادة منظمة بغداد، من بينهم لطيف الحاج وباسم مشتاق وكامل كرم وكريم الحكيم والدكتور حسين الوردي وصباح أحمد. وكانت الجماهير تتسلح ببعض البنادق والمسدسات والقنابل اليدوية التي كانت مخزونة وفق خطة الطوارئ للحزب الشيوعي، إضافة إلى ما يملكه أبناء الشعب، وبالعصي والفؤوس والأسلحة البيضاء. وقد حاول المقاومون اقتحام مركز باب الشيخ والاستيلاء على أسلحته، ولكنهم لم يفلحوا. وقد امتازت المقاومة هنا بحسن التنظيم، واستطاعت أن تصمد وتقاوم لثلاثة أيام بالرغم من وحشية القوات الانقلابية. وكان سكان المحلات الشعبية المحيطة بحي الأكراد تتعاطف مع المقاومين، وتمدهم بالغذاء والعتاد والأدوية، وترعى جرحاهم. ولما اتضح للقيادة في اليوم الثالث أنه من المتعذر مواصلة القتال، وأنه لم يعد هناك من داع لاستمراره بعد أن استتب الأمر للانقلابيين، أمرت قيادة المقاومة المقاومين بالانسحاب بانتظام، والاحتفاظ بأسلحتهم.

كما زحف سكان العديد من المناطق الكادحة في الكرخ نحو الإذاعة في الصالحية في محاولة جريئة للاستيلاء عليها وطرد الانقلابيين منها. وكان يقودهم شيوعيون معروفون وهم: ليلى الرومي وبلال علي ومتي هندي هندو ، ولكن المحاولة جوبهت بمقاومة ضارية من قبل القوة العسكرية التي تحتل الإذاعة، ولحقت بالمقاومين خسارة فادحة.

وتحركت الجماهير في بعض المدن الأخرى. ففي الكوت تظاهرت جماهير المدينة وتوجهت إلى السجن مطالبة بتحرير السجناء السياسيين، وجلهم من الشيوعيين، الذين كانت تتعالى هتافاتهم مطالبة بإفساح المجال لهم بمشاركة الشعب في مقاومة الانقلاب، وهم يحاولون كسر أبواب السجن. وتحت ضغط الجماهير من خارج السجن والسجناء من داخله، أذعن الحراس للضغط، وسارعوا إلى فتح أبواب السجن. فانضم السجناء السياسيين إلى الشعب الساخط يتقدمهم الكادر الشيوعي الباسل محمد الخضري. وفي البصرة، قامت مظاهرات متفرقة، لاسيما في حي الجمهورية،وتحّشد بضع مئات من الجماهير أمام مقر متصرفية اللواء في (العشار). وتفرقت بعد أن أطلق الرصاص صوبها.

لقد تجاوز الحكام الجدد كل الحدود في تعاملهم البربري مع المناطق التي وقفت ضدهم. ويشير الباحث حنا بطاطو في الجزء الثالث من كتابه الموسوم " العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية" ص 298 – 300 ما يلي: "وعوملت المناطق التي وقفت في وجههم كأنها بلد عدو. وانتشرت قوات الحرس القومي ووحدات من القوات المسلحة تمشط البيوت وأكواخ الطين في هذه المناطق. وجرى إعدام كل شيوعي ـ حقيقي أو مفترض لإبدائه أقل مقاومة أو لمجرد الاشتباه بنيته في المقاومة. وملأ عدد الذين اعتقلوا بهذه الطريقة السجون الموجودة، فتم تحويل النوادي الرياضية ودور السينما والمساكن الخاصة وقصر النهاية، وحتى جزء من شارع الكفاح في الأيام الأولى، إلى معسكرات اعتقال". أما عن القتلى فيقول بطاطو ما يلي: " في تقديرات الشيوعيين أن لا أقل من 5000 (مواطن) قتلوا في القتال الذي جرى من 8 إلى 10 شباط. وقدّر مراقب دبلوماسي أجنبي حسن الإطلاع ولا يرغب في ذكر اسمه أن مجموع عدد القتلى بحوالي 1500، ويتضمن هذا الرقم ما يزيد على مئة جندي سقطوا داخل وزارة الدفاع. (الخطوط ليست موجودة في الأصل،جاسم ).

ومنذ اليوم الأول للانقلاب واستناداً إلى البيان رقم 13، شنّ الحرس القومي حملة اعتقالات واسعة في جميع أنحاء العراق طالت عشرات الألوف من الناس، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ولاسيما في المدارس والمعامل والجيش. إلا أن الجهاز القيادي الأساسي للحزب الشيوعي وما يرتبط به من شبكة كوادر ظل سليماً، بوجه عام. كما سلمت مطابع الحزب ومحطاته الأساسية. ولم تؤد القوائم التي كانت تذيعها المحطة السرية الأجنبية، الغرض الذي توّخاه منظموها، إي اعتقال قادة الحزب وشبكة الكادر الحزبي الذي يرتبط بها. وكانت قيادة الحزب قد عمدت، بعد فشل المقاومة مباشرة، إلى مطالبة جميع القادة والكادر الحزبي بتبديل بيوت سكناهم وأماكن التقاءاتهم. وعمدت إلى تغيير طرائق ورموز الاتصالات ومواعيدها...الخ. وبفعل التعذيب الوحشي انهار البعض، وأدى ذلك إلى اعتقال سلام عادل في يوم 19 شباط 1963 والعديد من قادة الحزب. ولم ينج من الاعتقال في بغداد سوى جمال الحيدري والعبلي وعزيز الشيخ.

الصمود البطولي

بيد أن البعثيين لم ينقلوا لنا في مذكراتهم ، كما يشير سباهي في كتابه الموسوم "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، صور الصمود البطولي، الذي قابل به قادة الحزب الشيوعي ما صُب عليهم من ألوان التعذيب وأفانينه إلا النادر منها. إلا أن ما نقل عن هؤلاء القادة عن طريق من نجا من المعتقلين من الموت بصورة من الصور، يكفي للتعريف بالشجاعة الهائلة التي واجه بها سلام عادل الجلادين وهم يجربون معه كل ما أتقنوه من فنون التعذيب. فهل يتجرأ ممن بقي من سلطة الانقلاب، على الحديث عن هذا الإنسان الكبير وما جرى له من تعذيب يفوق قدرة البشر دون أن يتفوه بشيء؟ وأية كلمة يمكن أن تقال وهم يتلذذون بقطع أوصاله، أو ضغط عينيه، حتى تسيلا دماً وتفقدا ماء البصر.أو كيف قطعوا أعصابه بالكلابين أو كيف واصلوا ضربه على الرأس حتى لفظ أنفاسه؟ والصمود الأسطوري ذاته يتكرر مع عبد الرحيم شريف، ومع محمد حسين أبو العيس وهو يكابد العذاب أمام زوجته الشابة والأديبة الموهوبة سافرة جميل حافظ التي كانت تعّذب أمامه هي الأخرى حتى لفظ أنفاسه أمامها".

ويواصل سباهي "... والثبات الذي لا يعرف الحد للدكتور محمد الجلبي، وهو يتجرع الموت قطرة فقطرة..والحديث يطول عن صلابة نافع يونس أو حمزة السلمان أو حسن عوينة أو صاحب المرزا أو صبيح سباهي أو طالب عبد الجبار أو الياس حنا كوهاري (أبو طلعت) أو هشام إسماعيل صفوت أو محمد الوردي أو إبراهيم الحكاك أو الصغيرين الأخوين فاضل الصفار (16سنة) ونظمي الصفار (14 سنة) اللذين عُذبا أمام أمهما التي كانت "تتسلى" عنهما بالضرب الذي تتلقاه وهي حامل، وفضّل فاضل الموت على أن يدل الجلادين على الدار التي يسكنها زوج أمه جمال الحيدري. لم يكن بوسع أي كاتب، مهما أوتي من براعة التصوير، أن يعرض القصة الكاملة لما جرى في (قصر النهاية) و(ملعب الإدارة المحلية) و(النادي الأولمبي) وبناية (محكمة الشعب) وغيرها من الأماكن التي جرى تحويلها إلى مقرات للتحقيق والتعذيب".

حاول الانقلابيون أن يدخلوا في روع الناس بأن وحشيتهم في تصفية الشيوعيين والقوى الديمقراطية الأخرى كانت بسبب المقاومة المسلحة في بداية الانقلاب. بيد أن الانقلابيين أنفسهم قد فندوا، في أكثر من وثيقة وتصريح رسمي، ادعاءاتهم بأنفسهم، إذ كانوا يؤكدون عزمهم المسبق على تصفية الحزب الشيوعي والحركة الديمقراطية بصرف النظر عن الموقف الذي تتخذه من انقلابهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن الرجوع إلى تصريح ميشيل عفلق إلى جريدة " ليموند" الفرنسية الذي نشر في جريدة "الأخبار" العراقية في 24 آذار 1963، وقد جاء فيه ما يلي: "إن الأحزاب الشيوعية ستمنع وتقمع بأقصى ما يكون من الشدة في كل بلد يصل فيه حزب البعث إلى الحكم". لذلك فلم يكن أمام الحزب الشيوعي العراقي من خيار، لحظة وقوع الانقلاب ، سوى المقاومة، ليس دفاعاً عن النفس فحسب، بل ووفاء لالتزاماته أمام الشعب العراقي بالوقوف بوجه المؤامرات الاستعمارية والرجعية، دفاعاً عن الاستقلال الوطني وراية 14 تموز. فبرهن الشيوعيون كعهدهم دائما أنهم لا يتركون ساحة الكفاح ولا يتخلون عن الشعب حين تهب أعاصير الإرهاب. وقد ساهمت تضحياتهم ونضالاتهم إسهاماً فعالاً في تعرية الحكم الفاشي وعزله داخليا وعربيا وعالمياً والتعجيل بسقوطه. لقد كانت المقاومة مأثرة تاريخية على الرغم من فشلها وقد قيّمها الكونفرنس الحزبي الثالث للحزب الشيوعي العراقي تقييماً إيجابياً.

آخر ما كتبه سلام عادل

بعد أيام قليلة من الانقلاب، قدّم سلام عادل تقييماً أولياً للانقلاب، وُزع على لجان المناطق واللجان المحلية، ودعاه "ملاحظات أولية". وكانت هذه آخر رسالة يوجهها إلى الحزب. ويقول سكرتير الحزب فيها ما يلي: "إن انقلاب (الردة) في 8 شباط قد بدأ فكرياً وسياسياً واقتصادياً منذ أواسط 1959، حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي أخذت تسترجع المواقع واحداً بعد آخر، في الجيش والدولة وفي الحياة الاقتصادية والمجتمع، منذ ذلك الحين فإن الخط البياني لتفاقم التهديد الرجعي وتفاقم أخطار الردة، قد تموج لعدة فترات صعوداً ونزولاً، ولكن كخط عام بقي يتصاعد. وفي 8 شباط 1963 أسقطت الرجعية الفاشية السوداء حكم قاسم واستولت على الحكم... وعندما انفجرت جماهير الشعب الكادح للوقوف بوجه المتآمرين بعزم وإصرار ووعي عظيم، اصطدمت لا بالعناصر الرجعية المتآمرة من أجهزة الجيش والدولة فحسب، بل جابهت قمع عدد غير قليل من أعوان قاسم نفسه ممن كان يعتمد عليهم والذين فضّلوا الركوع أمام الرجعية وتسهيل مهمتها في استلام الحكم والوقوف ضد المقاومة الشعبية الباسلة".

ويفند سلام عادل في ملاحظاته الأولية ادعاءات الانقلابيين ويدافع عن سياسة الحزب ويحدد مسؤولية الأطراف والقوى السياسية المختلفة العربية منها والكردية... ويقول سلام عادل:" إن السبب الرئيسي الذي أدى إلى سيطرة الانقلابيين على الحكم هو العزلة التي أصابت تدريجياً دكتاتورية قاسم عن الشعب وعن القوى الوطنية. ولكن الانقلاب الرجعي الراهن يبدأ بعزلة أشد من تلك العزلة التي انتهت اليها دكتاتورية قاسم. ولابد لمثل هذا الحكم المعزول أن يجابه نهايته السريعة جداً على يد شعبنا المجاهد الباسل، وبتضافر سائر طبقاته وقومياته وقواه الوطنية والديمقراطية وبالدرجة الأولى بتحالف العمال والفلاحين وسائر الكادحين والمثقفين الثوريين عرباً وأكراداً وغيرهما، وبالقيادة الحازمة الواعية للطبقة العاملة والحزب الشيوعي"



المصادر
1- عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الثاني2003.
2- حنا بطاطو ، العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، الجزء الثالث 1990.
3- زكي خيري وسعاد خيري - دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، 1984.
4- جاسم الحلوائي، "محظات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، 2009.