إعادة تعريف ألازمة السياسية العراقية / اعباء الخارج

ياسين البكري
2013 / 5 / 14

تُطرح الازمة السياسية العراقية كبناء فوقي مكتمل ، وما زالت تعيد انتاج نفسها منذ العام 2003 ، في حركة دائرية مع تبادل في شدة سخونتها دون القدرة على الخروج منها .
فهل هي عجز اللاعبين السياسيين عن ادراك الحل أم هي رغبة منهم في الاستغراق بها واغراق الاخرين لغاية يعلموها ؟
لا مناص من ان السياسة فن استجلاب المصالح ، ولا غضاضة في ذلك ضمن المستوى الواعي من فعل السياسة والسياسي ، غير ان هناك مستوى لا شعوري بوصفه مخزناً للدوافع والحركة واتجاهها قد يعمل باتجاه استلاب السياسي نحو تعريفات لقواعد اللعبة والصراع وتحديد الحلفاء والخصوم ومن ثم يوجه في لحظات السلوك السياسي نحو فعل صدام لا تحمد عقباه .
لوضع خيارات حل لا بد من اعادة تعريف المشكلة والازمة السياسية العراقية ، فالملاحظ ان المواقف ناتجة ومبنية عن تعريف مسبق ، أو مفروض على الوعي السياسي بصورة بداهة غير قابلة للمراجعة ، وهو ما يعارض حركية السياسة وتنوعها .
لنلاحظ مسألة في طريقة تعاطي القوى السياسية (حكومة ، معارضة) مع كل ازمة خانقة ، الانظار تتجه وتعرف الازمة بأنها اصابع خارجية (لا احد ينكر التأثيرات المتبادلة ما بين الداخلي والخارجي) ، غير ان اعتبار الخارجي هو المحرك للازمة الداخلية كأمر بديهي ومفروغ منه على الدوام فيه اسقاط تعسفي ، او انسياق اعمى لحركة الخارج ونزوعه لخلق مساحة تأثير ونفوذ ومحاولة للتخلي عن الاخطاء وتجسيم مركب شيطاني تلقى عليه التبعة ، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى وفي العمق أللا شعوري والشعوري هي محاولة للتحصن بمركب اكبر ذو دلالة هوياتية لتاكيدها في مقابل هوية اخرى ، فجزء من اشكالية الهوية انها تعمل من خلال تاكيد سلبي يمر بالاخر ، رؤية الذات بمرآة الاخر .

تأصيل التبعية
في عملية تأصيل النزوع للخارجي والقبول بفرضياته على حساب الداخلي يمكن أن نلاحظ انقلاب على الشكل التاريخي لدور العراق وريادته وتأثيره بمحيطها الحضاري ، فأرض الرافدين التي أنتجت الكثير من المدارس في الفقه والكلام والتصوف والشعر واللغة وغيرها ونشرت هذا الفكر الى بقاع اخرى في شبه تبعية لها ، اتى حين من الدهر ودخلنا القرن العشرين والعراق فيه تابعاً دون نسيان مسببات هذه التبعية او عواملها التي نخرت الشكل الحضاري المنتج منذ سقوط بغداد او قبلها وحولته الى شكل اشبه بالبدائي، والنتيجة إن العراق في القرن العشرين وفي مجال الفكر السياسي اصبح تابعا وتتنازعه تيارات فكرية شتى واماكن كانت محجات للنخبة السياسية ، ففي فترة كان السائد ثنائية تضاد موسكو ولندن ، ادبياتنا من هناك والمنفى هناك .
وفي فترة اخرى غير منفصلة زمانيا ومتداخلة مع الاولى كانت المحجة دمشق والقاهرة ، ادبياتنا من هناك والمنفى هناك .
وفي المرحلة الاخيرة وجدنا انفسنا في ثنائية تضاد طهران والرياض ، فادبياتنا من هناك والمنفى هناك.
اصبحنا نستهلك بضاعة الاخرين في توافقاتهم وصراعاتهم ، بعبارة اخرى منفعلين حد الاستلاب لا فاعلين او مكيفين البضاعة الفكرية الخارجية مع الخصوصية الداخلية .
هي ليست دعوة للانغلاق ، فهو موت محتم خصوصا في عالم متصل ومتواصل ، وحتى إن اردنا الانغلاق فأن المحيط الاقليمي والدولي لن يسمح ، وبين حدي المعادلة مساحة لتقيم الذات ومكامن القوة فيها ومنع اسقاطات الاخر علينا ، وأن لا نكون مجرد بيادق في لعبة وضع قواعدها الاخر وأن نعيد صياغة قواعد خاصة لصراعنا وتفاهمنا وحلولنا غير منقطعة حكما وغير مستلبة في عين الوقت .

تمهيد الارضية
المطلوب الان إعادة تعريف المشكلة بتفكيك معادلة التأثير والتأثر من الخارجي الى الداخلي وإعادة ضبطها وبنائها ، فدون معرفة خارطة الازمة وتعريفها وتشخيصها سنكون في داخل دائرة مفرغة ورؤية ذات عين واحدة وزاوية واحدة .
المعادلة السائدة في الحراك السياسي العراقي هي البعد الخارجي والانجرار وراء تحليلاته ومخاوفه واسقاطاته ( سوريا مثالا) ، فتغير الوضع السوري غير الكثير بل قلب المواقف رأساً على عقب (من مؤيد ومٌتهم،الى مُتهم ومؤيد) ، واذا كان البعد الامني جزء من القضية فأن البعد الهوياتي اصدر احكامه قبل النظر بعمق الى الاسقاطات الامنية ، وجاءت التفسيرات لاحقة .
لصياغة عقد عراقي لحل الازمة يجب اولا أن نخرج من هذه المعادلة ونعمل على قلبها وإعادة تأثيث الفضاء السياسي العراقي بمفردات عراقية وتوزيعها بشكل يجسم صورة اخرى ، وبالتالي وضع اواصر جديدة وعلاقات صراع جديدة ترتكز الى بعدها السياسي الداخلي وليس الهوياتي ، ومحاولة اكتشاف الغاطس من عقد الانغلاق الاقليمية لاكتشاف مسارات جديدة للحل .
الطاولة المقترحة في اعادة تعريف المشهد هي طاولة تنطلق من الداخلي الى الخارجي ، وهذه العملية رغم تداخل البعد الاعتقادي المذهبي الهوياتي بها للحد الذي قد يبدوا عصياً على التغيير ، إلا ان اعادة تعريف المقابل ، الاخر في هذه اللحظة وإن كان داخلياً ، تفكيك وتحليل وقراءة الهويات الفرعية العراقية الطائفية والقومية ونزع الاطلاق عن احكام التقيم قد تكون بداية لتغير تصورات عن الذات والمقابل ، فكل طرف من الازمة السياسية لا يتعامل مع كتلة واحدة صلبة بل بها تباينات واختلافات ، فضمن الفضاء الشيعي هناك تدرجات واختلافات وحتى خلافات ، وضمن الفضاء السني هناك تدرجات واختلافات وحتى خلافات .
فائدة هذا التعريف في انه ينفي الصورة النمطية للتشيع في كونه مرادف للصفوية ، وشيعة العراق ولائهم وعيونهم على ايران ، وينفي الصورة النمطية الاخرى في ان التسنن مرادف للوهابية ، وسنة العراق ولائهم او عيونهم على الدول العربية ،
دون كسر النمطية الفكرية هذه سيبقى هناك تغريب للهوية العراقية ويؤدي الى احتكار الوطنية في الذات الجمعي الطائفي ونفيها عن المقابل اي ثنائية (الوطني والعميل)، وبالتالي فأن اي حوار سياسي عراقي سيكون مرهوناً بالمتغيرات الاقليمية ومصالحها ، واي تنازلات من قبل اي طرف ستقرء من قبل المكون على انها تنازلات لاخر وليس للعراقيين .