وانتصر سامر على السجان..وانتصر سامر على الموت

معتصم حمادة
2013 / 4 / 25

■ وأخيراً انتصر سامر على السجان.
لم يكن الصراع حول إطلاق سراحه. فقد قدمت له عروض قبل الآن، ورفضها، لأنها كلها لا تعيده إلى منزله في القدس.
عرضوا عليه أن يطلق سراحه، وأن يذهب إلى القاهرة أولاً، حيث يقضي هناك ستة أشهر، مبعداً، لكن بذريعة تلقي العلاج بعد طول الإضراب عن الطعام.
رفض سامر هذا العرض، وقال أواصل الإضراب السياسي عن الطعام، إلى أن توافقوا على عودتي إلى منزلي. إما تحدي الموت هنا، أو العودة إلى البيت، في القدس، وليس في أي مكان آخر. كما أن خبراء السياسة الذين يعرفون الإسرائيليين جيداً، نصحوا سامر برفض العرض الإسرائيلي، لأنه، وبعد مرور الأشهر الستة التي اقترحتها تل أبيب، ستبدأ مفاوضات مريرة، مع الإسرائيليين، لتكون فيه الكفة قد رجحت لصالحهم بعد أن يكون سامر قد أصبح خارج السجن. عندها بدلوا الاقتراحات. قالوا له توقف عن الإضراب عن الطعام، ونحن نطلق سراحك إلى رام الله لمدة ستة أشهر، تنازلوا بعدها وقلصوها إلى أربعة، بذريعة تلقي العلاج، بعدها يسمحون له بالعودة إلى بيته في القدس. رفض سامر العرض، وأصرّ على القدس أو لا غيرها.
وجود سامر في السجن، كان قيداً على السجان. كان سجناً للسجان. وإضراب سامر عن الطعام كان اعتقالاً سياسياً للسجان. اعتقله سامر بالجرم المشهود، باعتبار الاحتلال، ودولة الاحتلال، دولة سجون، واعتقالات، بلا قوانين، ولا ديمقراطية. بل تستمد قوانينها من الدفاتر القديمة للاستعمار البريطاني المرذول ومن الدفاتر القديمة للنظام العثماني البائد، كيف تكون إسرائيل دولة تمثل الحضارة الأوروبية في الشرق الأوسط، كما تدعي، وتمثل الديمقراطية الغربية في الشرق الاستبدادي، كما تدعي، وهي تبني سجونها وفق الأنظمة المستمدة من القرون البائدة.
إسرائيل كلها كانت أسيرة لدى سامر عيساوي، ولم يكن سامر هو الأسير.

قال لهم أعود إلى بيتي في القدس. قالوا القدس عاصمة دولتنا، فكيف يكون لك فيها بيت، وكيف نسمح لك بالعودة إليها. قال القدس مدينتي، وعاصمة دولتي المستقلة كاملة السيادة. القدس باقية وأنتم زائلون. وتحداهم .لمن ستكون القدس. المعركة لم تقتصر على مسألة أن يعود إلى بيته أو لا يعود، بل كانت ــ أيضاً ــ حول لمن هي القدس. وهل للفلسطينيين بيت فيها. أخيراً. انهارت إسرائيل أمام صمود الأمعاء الخاوية لسامر، ورضخت أن يعود إلى منزله، فالقدس هي مدينة الفلسطينيين، وفيها بيت سامر.
عيساوي، خضر، شلبي وآخرون. أسماء تضاف إلى السجل الخالد للحركة الأسيرة الذي يبدأ باسم عمر القاسم. المعجزة التي بدأ الأسرى يحققونها، تؤكد لنا أن الحركة الأسيرة، التي كانت تتكئ على الإسناد من الخارج، باتت هي، في يوم من الأيام، رافعة سياسية لاستنهاض الحركة الشعبية في الخارج. الإضراب الطويل عن الطعام (أكثر من تسعة أشهر) فعل فعله في صفوف الحركة الشعبية فصار سامر رمزاً من الرموز الوطنية التي تشكل مفخرة، ليس لآل عيساوي وحدهم، ولا للقدس وحدها، ولا للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وحدها، بل لكل الشعب الفلسطيني، ولكل القوى الديمقراطية والإنسانية المحبة للسلام وللحرية وللعدالة، والمعادية للاستبداد والظلم والفاشية ولكل أشكال القمع الفكري والمعنوي والجسدي. وإذا كان سامر سيغادر سجنه يوماً ما عائداً إلى القدس، فإنه يخلف وراءه إرثاً غنياً، للحركة الأسيرة، سوف يبقى منارة. يهتدي بها رفاق سامر وإخوانه.

عندما بدأ إضرابه عن الطعام أفتى أحدهم بتحريم الإضراب عن الطعام باعتباره شكلاً من أشكال الانتحار. جاءت الفتوى، في إتجاه معاكس لكل الحالة الشعبية ونهوضها السياسي. ولو ترك للفتوى أن تفعل فعلها لقادت إلى شق الصف الوطني بين من هم مع سامر ومن هم ضد سامر، ولجرى تحييد الاحتلال وإعفاءه من المعركة.
الآن، وقد تحقق الانتصار يمكن القول رداً على الفتوى إنها كانت متعجلة وإن الذين أفتوا بها أخطأوا في فتواهم.
لقد انتصر سامر على الجلاد، فرضخ الجلاد ووافق له مرغماً على العودة إلى بيته في القدس.
كما انتصر سامر على الموت ــ تحدى الموت ــ ليس لأنه أقوى من الموت، بل لأنه يحب الحياة. لأننا نحب الحياة. الحياة الكريمة. ■