كلام في الخمسين

محمود كرم
2013 / 4 / 20

ها أنا ذا الآنَ في السنة الثانية بعد الخمسين من عمري . أقفُ برهافة الخمسينيْ ، محدقاً في الماضيات من سنيني ، وهنَّ يتناثرنَّ أمامي ورقاتٍ هنا وهناك في منحنيات الذاكرة . كيف عبرتني كل تلك السنون ، ولا تزالُ تصرُّ أن أسابقها وتسابقني في خطواتنا المحمومة بالشغف والتطلعات والأفكار والتمنيات . وكم سأبقى بعد عمري هذا ، لا أدري . كل ما أعرفهُ أنني في لمحةٍ مشهدية عابرة ، أحسبُني وكأني قد طويتُ خمسيناً من الأوهام والخيبات والخسارات ، وخمسيناً من النزوات والأحلام والأمنيات ، وخمسيناً من الذكريات والأوجاع والتلويحات والبهجات ، وخمسيناً آخر من العشق والحب والجنون ..

فيما مضى من أيام سنيني ، لم أكن أفكر نهائياً كيف عليَّ أن أستقبل المرحلة الخمسينية من عمري ، استعداداً لمرافقتها ومعايشتها والتواطؤ معها كما يجب ، وما هي أساليب الاحتفاء بهذه المرحلة العتيدة ، وهل عليَّ أن أبادلها الحميمية والود ، أم يجب أن أحترز من جديتها وأثقالها واكراهاتها من حيث كونها ربما هيَ مرحلة صارمة في تحديد ملامحها وتكويناتها وفروضاتها . في الحقيقة لم أكترث بكل ذلك ، ولم أفكر به أيضاً . كل ما أشعرُ به الآنَ وأنا في العتبات الأولى من سلّمها الخمسيني ، أني أكثر تألقاً وأكثر تحمساً للحياة ، وأكثر عشقاً للجنون ، وأكثرُ تعلقاً بالعزلةِ والهدوء ، وأكثرُ تلهفاً للموسيقى والحب ، وأكثر ارتياداً للكتابة والأفكار والقراءات . وليسَ كل ذلك لأني أصبحتُ أشعرُ بأن العمر أخذَ يتسربُ من بين أصابعي ، ولا لأنني اقتربتُ من الموت أكثر ، بل أفعل ذلك ، لأني ربما لم أشعر بالهزيمة بعد أمام تراسل السنين ، ولم يتوقف ومض الحياة في أعماقي ، وربما لأنه لم أعد أتحسَّرُ على ما فقدتُ من الآمال أو الأمنيات ، وربما لأنني لم التفت للانكسارات والندم في ما سبق من حياتي ، وربما لأنني على موعد لاحق مع الانتصارات والمسرّات والغوايات ، وربما لأنني أخذتُ أستوعبُ أكثر بأن الحياة نريدها كما نريدها أن تكون دافقة في أعماقنا نهراً من التجدد والتوثب والاشتهاءات ..

لا أدري ، ولكني أصبحتُ أشعرُ الآنَ أنني أقترفُ سنيني الخمسينية من عمري بمزيدٍ من الهدوء والتأمل والتذوق والتفلسف ، وربما بمزيدٍ من الشغف والتواصل الحميمي ، وربما أصبحتُ أبادلها بمزاجية متنرجسة ، تلك المزاجية الفارهة التي تؤثث أيامي بالهدوء والانسيابية والإحساس والتودد ، وذلك الهدوء الذي أشعر معه بسلاسة التناغم مع ذاتي ، والاشتياق لمعاودة التواصل معها بذات الشغف المتوقد . إنه الهدوء الذي يوفرُ فرص التحاور مع الذات في مناخات صافية ونظيفة ورحبة ، ويمنحها تالياً طرق التفكّر بسلاسةِ وعمق ، وليسَ الهدوء الذي يحبسني مطمئناً في يقينيات تفكيرية أو في شرنقة الأبديات اللازمنية ، بل هو الهدوء الذي يأخذني لمساحةٍ أرحب من التفكير ، ويدفعني لمعاقرة الفكر بالسؤال والبحث والمتابعة والترصد ، ويلهمني مقارعة الحياة بالجديد من الخيارات والأفكار والفلسفات والانشغالات والمغامرات ..

هل عليَّ الانَ أن أتباهى بأنني الخمسيني العتيد ، أخطو في الحياة مزهواً بانتصاري على الوهم ، أم على العكس من ذلك ، أن أحمل فوق كاهلي خيبتي معترفاً بهزيمتي أمام الحقيقة ، لا أدري . ما أشعرُ به الآنَ أنني أحتفي بذاتي الخمسينية وهي لا تزالُ تدفعني مراراً وتكراراً إلى مزاولة الحياة بالشغف والجنون والأفكار والاشتهاءات والمحاولات والتعثرات . وأحتفي بذاتي التي تضعني دائماً على قيد الاشتغال بحقيقة كوني أني نفسي ، ولستُ أحداً آخر . فلم تعد تشغلني تلك المعارك الخاسرة التي تتعمّد أن تشوّه صفاء الذات في تجاربها ومغامراتها ومجازفاتها وتصوراتها وانشغالاتها الخاصة ، وأمضي ضاحكاً من كون الآخرين لا يزالون يبحثون عن هويةٍ تطمسُ الإنسانَ في أعماقهم ، ويخالون أنهم بذلك يحققون لذواتهم انتصاراً على الأوهام والضياع والتشظي ..

أعترفُ بأنني الخمسينيُّ الحالمُ والرومانسيْ ، فما زلتُ أتشبثُ برغباتي الوقادة في أن تكون الحياة محض إنسانية ، تنتصر للإنسان في الإنسان . ولا زالَ يستهويني من الحياة ذكاء الأنثى ، ويسحرني منها اعتدادها البهيْ بشخصيتها وحريتها وأنوثتها ، ويأسرني فيها ذلك العري الشفيف المترع بالفتنة والألق . ولا يزالَ الطفلُ في كل مكان من العالم يُبهجني بضحكتهِ الساخرة من عبثية الحياة . وما زلتُ في سنيني هذه أعشق ذاتي ووسامة عقلي وأناقة منطقي وبهاء تمردي ، ولا يعني ذلك أنني بالغ المثالية ، أبداً . فقط يدفعني ما أنا عليهِ إلى أن أقف دائماً أمام ذاتي متيقناً من وجود الإنسان في أعماقي ، محاولاً أن أرعاهُ بمزيدٍ من الأخلاق والإنسانية والقيم ، وأن أحرسهُ بالانتباه والاهتمام والترويض ، وأبقى متأكداً من استمراري في إنسانيتي ، عاشقاً لحرية خياراتي في هذا الاتجاه ..

أعترفُ بأنني الخمسيني الوفي لعاداتي المتجذرة ، فلا زلتُ أحبُّ ممارستي للمشي في الليل ، أخامرهُ بهذياني وجنوني وحتى ثمالتي . ولا زلتُ أتغزلُ بزوجتي ، وأترصدها شغوفاً في موعد غرامي . ولا زلتُ أحترمُ طقسي المسائي المعتاد في الانعزال بالكتاب الورقي ، أحضنهُ في شغفي وأهيمُ به عالماً من الأفكار والتصورات والتخلقات . ولا زلتُ أعشق الصباحات المشرقة ، مستمتعاً برفقتها الأنيقة وانسيابها الرشيق واستحواذها الناعم على بقية يومي . ولا زلتُ وفياً لسيجارتي ، لم أتخلَّ يوماً عن مرافقتها ، تبادلني الهمسات والاحتراق الشهي ، وكأنها تمارسني وجوداً في رابعة الهذيان والجنون . ولا زالت الموسيقى تأخذني عاشقاً متلهفاً في صباحاتي ومساءاتي إلى ايقاعاتها المتخمة بالاشراقات والأنغام الساحرة ، تتركني متيَّماً للحظةِ حزن شفيف ، أو لفرحةٍ غامرة ، أو لتلهمني خيالاتٍ غارقةٍ في أمل بارق ، أو لتغمرني بإحساسها المترف كأنثى فارهة الحضور ..

وأنا الخمسيني الآن ، أصبح لا يعنيني أبداً ما أسمعه عن أزمة منتصف العمر ، وهل هناك ثمة أزمة حقيقية ستعترض حياتي الخمسينية ، وحتى أني لم أفهم ماذا يعني أن يُصاب الإنسان في هذه المرحلة بأزمةٍ عمرية . لم أشعر إلى الآن بأي أزمةٍ قد أصابت سنيني الحالية بالعطب أو الوهن أو التراجع أو الخوف ، فكل التفاصيل التي كنتُ أحتفي بها سابقاً ، لم تزل كما هيَ تتجمهرُ أمامي ومن حولي ، وتتدفق في يومي ، وتأخذني معها إلى تلويناتها واشراقاتها وتقلباتها وحتى تناقضاتها . فلم أزل أمارس سنيني الخمسينية بأفكار وتعالقاتٍ متجددة ، وأمارسها أيضاً بتجاربَ جديدة ، ولم تزل رغباتي الكثيرة تُشحن أيامي بالحميميةِ والاشتهاءات والحلم . ربما قد يُصاب الإنسان بأزمة منتصف العمر كما يقولون في المرحلة الخمسينية ، حينما يخالها رقماً عددياً يُضاف إلى عداده الرقمي العمري ، وهنا قد يدخل الإنسان في حسابات الربح والخسارة وفي حسابات العد التنازلي وفي حسابات الظفر بما قد يتبقّى من سنين العمر ، ليبقى متعثراً في شرنقة التأسفات والندم على ما فات من سنينه وعمره ، وقد يبدي البعض إنزعاجاً وتذمراً من بعض الشيب الذي أخذ يكسو شعر رأسه ، ومن بعض التجاعيد التي أخذت تأكل من وجههِ ، فيشعر معها بأزمة منتصف العمر ، فهولاء دائماً ما يجدون في تقادم العمر عبئاً نفسياً وجسدياً عليهم ، يُفتتُ أجزاءً من أرواحهم وإرادتهم وحماستهم ورغباتهم ..

في الحقيقة ، لا أعرفُ ما الذي ينتظرني في الغد ، ولكن أحسبني قادمٌ من الغد ، وذاهبٌ إلى ما يليه من غد ، فلا أريد أبداً أن أكون قادماً من الأمس . فقط أستطيع أن أؤكد أمام ذاتي في مشهدية الأمس والغد ، أنني أجتزتُ فيما سبق من يومي هذا بشيءٍ من الجنون والحب والاشتهاءات خمسيناً من الخطوات والعثرات والهفوات ، وخمسيناً ربما من الانتصارات الصغيرة . حتى انتصاراتي الصغيرة تولدُ عادةً من اشتياقي لمصاحبةِ نهاراتي القادمة بالجديد من الأفكار والترصدات والخيالات . ففي غدي يشغلني الرحيل إلى ما يتراءى لي من خلف الغياب ، وما تتراءى لي من سفوحٍ مشرعةً على غواياتٍ تقترفُ ترف البوح الشهي . فهل أدركتُ من الحياةِ شيئاً من شهواتها الدافقة بمذاقات اللذة والجمال . لستُ أدري ، فقط أعرفُ بأنني أدركتُ منها جمال حريتي ولذتها المُلهمة وفتنتها المفعمة بالإبداع والألق والضوء . أهيمُ بها معراجاً يأخذني إلى شرفاتهِ السابحة في رحابةٍ لا تنتهي ، ويسير بي آفاقاً مضيئة ، لا تنكفأ في أسوار موصدة ، ولا تتحشرجُ في مسالكَ ضيقة ، ولا ترتادُ دروباً خانقة ، ولا تتمزقُ في أغلال مُظلمة ..