شاعر يشبه الجنوب

رسمية محيبس
2013 / 3 / 29

شاعر يشبه الجنوب
فولاذك أزرق
ورأسك متوج بالنجم
وحصونك من خبز ممزق
وقاتمة قاتمة تخومك
بابلو نيرودا
مهند عبد الجبار شاعر من الجنوب بسيط وحالم لم تسلط عليه الأضواء فالأضواء ليس لها شغل بالحالمين بل تصاحب المبهورين بها الذين ينتزعونها بقوة ومراس ولديهم حاسة عظيمة في أغوائها وجذبها نحوهم لكنهم غالبا يقعون أسرى تلك الأضواء التي بهرتهم وكشفتهم فصاروا واضحين حالمين بما هو أكثر محاولين العبور الى الضفة الأخرى وقد يقعون في مطب الحقيقة المؤلمة ,حين ينظرون الى صورهم في مرآة الحقيقة فلا يجدون سوى الوهم
مهند عبد الجبار ليس من هؤلاء فهو يكتب بصبر عجيب وإيمان مطلق بأن الأضواء لا تزيد في جسامة الصورة بل تعريها وتنحاز قصائده الى الجنوب الذي يقطنه كما تنحاز الوردة الى عطرها إنه يبني علاقات وثيقة مع الرمال رغم هشاشتها وفي هذا إعراض عن القسوة بوجوهها التنكرية وخيباتها وإنكساراتها
حدود هذا الشاعر مفتوحة على جميع الجهات كما جاء في قصيدته الأولى فهو متهم بقتل البحر الميت ويخاطب شاعر آخر فيقول :
في الذكرى الثانية للألم
لا يسعني الاّ أن أقول
كل قمر وأنت بألف بزوغ
كل لحظة وأنت بألف ظل
كل مدينة وأنت بألف بصرة
هكذا تلاحقه الظلال ويقاتلها بالكتابة والشعر وقلبه الذي لم يقلع عن الأمل وهكذا تتوالد المدن الجنوبية في ذات الشاعر المغروس في الجنوب مثل شجرة تترسخ جذورها بعيدا ولهذا فهو مشغول بهذه المفردة التي تتكرر في قصائده ويتخذ منها عنوانا له إنه يكتب عن الواقع بغموضه وخيباته
يقول جبران على لسان الفلكي (إذا لم تكن المجرة في أعماقي فكيف يمكن أن أراها أو أعرفها ( ومهند يعرف الجنوب ويبدو الليل في عينيه جنوبا آخر فهو يقول :
إن يديّ شجرتان في مهب
تلوحان بإستمرار
الى قمر مجني عليه
عوقب بالظلام المؤبد .
هكذا تتضح معالم الصورة ويكون الجنوب ظلاما مطلقا حكم عليه الآخرون ان يبقى بمنآى عن الضوء لينعموا هم بما فيه من كنوز ويبقى الشاعر معه مسكون بالأحلام والهواجس فهو على شاكلة الجنوب ليس لديه جواز سفر يحمله بعيدا عنه ويقارن نفسه بالجبال المسنة ويحسب عمره بعدد القصائد فيقول :
عمري سبعون قصيدة
في قصيدته المعنونة فصل الحسين يخاطب الشاعر كربلاء
أيتها الأم الخالدة
بترابك عفرنا الجباه
كم تغذيت من رحيق الأنبياء
فالدم في قاموس الشاعر رحيق للأرض التي تكبر به حتى يتحول تاريخ المدن الى كعبة يحج اليها القادمون من مسافات الحلم وتقديس المثل العليا التي ضحى من أجلها الأنبياء والحسين واحدا منهم
يقول
أما نحن فعشاق الحزن
طلقنا تلك الفصول
تيمنا بخامس إسمه الحسين
نحرص على جس نبض الدموع
فلا نجد وسيلة للتعبير الاّ في كربلاء
هكذا يكتب الشاعر قصائده مستلهما تاريخا يعبق بالدم والرؤوس المرفوعة على الرماح في حين يحاول غيره طمس هذا التاريخ والتعالي عليه فيلوذ بشعارات باهتة


ويبقى هذا التاريخ منهلا للشاعر الذي يخاطب بغداد الحبيبة المجروحة بالطغاة والغزاة على مر السنين
حبيبتي بغداد
إن ذراعيك أعظم نهرين
حتى لو بتروا الفرات
تأخذ دجلة الراية
هكذا يتعلق بكربلاء منشغلا عنها بآلاف المدن التي تتوالد في مخيلته لكن تلك الراية الحمراء تلوح له على امتداد تاريخه الذي هو تاريخ المدن التي استوطنته وأدمنت ممارسة طقوسها وسحرها على مساحة روحه المبهورة بالشعر والدم والمدن المقدسة والأنهار
الليل يشبه الجنوب مجموعة شعرية للشاعر مهند عبد الجبار صدرت عن اتحاد أدباء ميسان 2012