حوار مع سيدة بهائيّة . قيم مطلقة أم قيم إنسانية؟

ليندا كبرييل
2013 / 3 / 10

أحترم كل ما جاد به عقل الإنسان على مرّ العصور من ميتافيزيكيات جاءت لسدّ الخلل المعرفي وعبّرت عن توق الإنسان لاستشراف المستقبل .
الإنسان سؤال .
وحول محور السؤال تصارعتْ على طول العصور تيارات فكرية مختلفة ، قدّمت لنا تراثاً رائعاً كشف عن رؤية الإنسان للحياة ، وسعيه الحثيث لتلمّس مفردات وجوده بوعي ، وبحثه الدؤوب عن الحقائق خلف الظواهر المرئية ، إذ وُجِد الإنسان والشك في ذهنه كنتاج لتفاعله اليومي .
لم يكن هناك منْ يسترضيه سوى عقله المفكر المعبّر الذي لبّاه ، فخاض في غمار التأمل في الكون المحيط والاستكشاف والمعرفة متنقلاً بين مساحة من التوثب وبين مساحة من الجمود والاستلاب الذهني ، ليترك لنا سجلاً حافلاً بالسعي المعرفي تعلّم من خلاله كيف ينتظم في مواجهة الألغاز . قامت على أكتاف ذلك الميراث دراسات اصطلحوا فيما بعد على تسميتها بالفلسفات الإنسانية أو الأديان .
ومع تواضع مقدرتي في شأنٍ يحتاج منْ يعالجه أن يكون متين الخطى ثابت الحجة موفور الأدلة ، إلا أني أغامر وأطرح ما جال بذهني راجية التوفيق .
الدين بكل مداراته موقف من الكون .
بعض المتفلسفين زاد عيار مزاحه عندما حدّد ثلاثاً من الديانات وسمّاها ( سماوية ) ، نافياً القداسة والسمو عن غيرها !
وهم لا يعلمون أن هناك من الديانات التي أطلقوا عليها ( الأرضية أو الوضعية ) وأخرى سموها احتقاراً ( وثنية أو صنمية ) ، ما تتشابه عادات شعوبها الدينية مع عادات المنفردين بالسماء المحتكرين لها .. أي نحن . ويؤمن تابعو تلك الأديان المنبوذة في حكمنا بأن آلهتهم فوق مستوى البشر ، يخدمونها في حياتهم لينالوا رضاها في الآخرة ، وتعيش في مقرّ فردوسي ينتقل إليه الإنسان بعد موته . وأسبغوا على تلك الأصنام الصمّاء في عقيدتنا ، الحيّة الحاملة لعوامل الحياة في عقيدتهم ، أضفوا من التصورات ما يقارب الصفات التي يتمتع بها ( الآلهة ) في الديانات السماوية .
الآلهة ؟؟
أليس إلهاً واحداً للديانات السماوية الثلاث ؟
أنتم تقولون هذا .
وأنا أقول : ليس هناك حقيقة واحدة لأديان مختلفة ، فصورة الله تختلف من دين لآخر ، ليس هذا فحسب ، بل إن مفهوم الله يختلف أيضاً ضمن طوائف الدين الواحد ، لا بل بين جماعاته وفرقه ، وكل تشعّب لها مهما صغر حجمه خلق لنفسه طريقاً إلى ( إلهه ) تميّز به .
أعتقد أن لكل إنسان تصوراً يخالف الآخر عن الله . ولأن كل شيء في هذا الوجود يخضع للتطور ، فإننا محكومون بالتغيرات اللحظيّة والتبدلات المتواصلة ، وسينال التطور من التصوّر الذي يحمله الإنسان ذاته !
يتعدّد الله بتعدّد البشر وتعدد العقول . ولعلها أكبر خدعة في الوجود أن نقول إن الله واحد ! صدّقها الناس دون أن يتفحصوا معناها ، إما لخوف قابع فيهم ، أو لكسل فكري .
هل تقبل بإله المسيحيين الذي يعبدونه أيها المسلم ؟
هل تقبل بإله المسلمين أيها المسيحي ؟
هل تقبلان بإله اليهود ؟
ولن أناقش الخلافات الحادة العميقة في الدين الواحد وانشطاراته واختلاف تصوراته حول المقدّس واتخاذ كل فريق أسماء المؤسسين الجدد لا اسم المؤسس الأول ، كالجعفريين والاسماعيليين والبرهانيين والشاذليين... واللوثريين والوسليين والمعمدانيين والكالفينيين ...
وما بين أورثوذكس وسنة وكاثوليك وشيعة ودروز وبهائية ومورمون وشهود يهوه ...... ضاع الله وتناثر على أيدي خليقته إلى ألف شقفة وشقفة لم تعد تدري أيها الأصوب بينها ؟؟
حيال تشرذم وتشظي الأديان لم يحرك الواحد الجبار ساكناً ..
ولن ..
الجبهة اليهودية أهدأ الجبهات ، وفّرت ( كالعادة ) جهودها مع الخلافات لدعم وطنها والعمل على الدفع به إلى مصاف الدول المتقدمة .
وهنا أثني على نفسي أني أقدمت على التصدّي لقلم سيدة قديرة لها باع طويل في ميدان الدعوة البهائية .
أقدّم لكم الأستاذة راندا شوقي الحمامصي المحترمة ، في مقالها المنشور عن تعدد الأديان وسبب الاختلاف بين أتباعها في هذا الموقع الكريم . هذا رابطه :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=347989

نقاش هادئ ولغة مسالمة تشفّ عن طبيعة إنسانية راقية تتوق للتآخي مع الآخر .
( البهائية دعوة للتصديق بالكتب السماوية والإيمان بالرسالات السابقة دون تفريق ، وتحقيق نظام عالمي يسوده الوئام ، تنصهر فيه الشعوب في اتحاد سلمي يهيّء لحضارة إنسانية تحت ظل المساواة في الحقوق للجنسين ) .{ من غوغل }
كلام جميل حقاً ، يدلّ على أخلاقيات تهفو لتعمير الكون .
ذلك أن كل الأديان قامت على نفي الآخر السابق واللاحق ، فلو جاءت مماثلة لِما سبق لانعدم مبرِّر وجودها .
فأحاديث المحبة والرحمة والترفّق والسلام والتسامح والاتحاد ... تعجّ بها الكتب المقدسة . إلى هنا ، المشهد عال العال والجو ربيع وبديع ، إنما .. داخل أفراد طائفة بعينها !
فإن وُجِدت المعارضة ، أو بدأت النفوس تتوق للانعتاق من إسار هذا التخصيص ضمن جماعة بذاتها لمعانقة الإنسانية بحالها ، حصل انقلاب من الآلهة العليا في السماء ، ومن وكلائها الآلهة الصغرى على الأرض .
فمن السماء .. تأتي الأوامر الميتافيزيكية من القيادة الكونيّة العليا بالتحرك للقضاء على هذه الحركة الشائنة ، وتبدأ كتائب الجيوش في العالم السفلي بإمرة الألوية - الظلّ المقدس على الأرض - ، وبعد استعانة كل منها بإلهه وبقوة سواعد الرجال من شبيحة ومترصدين ، تبادر بشنّ هجوم على الخاسئين ممنْ سوّلت لهم نفوسهم بالتعرّض للمبادئ العظمى أو بتهديدها والخروج عنها ..
وكان شحذ السكاكين وكانت الحرية الحمراء .
وما أشبه هذا الحال بواقع الأحزاب والانقلابات في بلادنا !
لكن الأستاذة الحمامصي تقدّم لنا طرحاً جديداً مخالفاً لما عهدناه .
إنها تطالبنا بالاعتراف بتعدد الأديان وتوالي الشرائع لأن العليم الخبير أدرى بمصلحة عباده وفهم احتياجاتهم ، فما علينا إن كنا مؤمنين بحكمة الله عدم الاعتراض على مشيئته في تتابع الشرائع السماوية مهما كانت متباينة في الظاهر ومهما اختلفت هيئات الرسل ومهما تباعدت مواطن ظهورها لأن المرسل هو الحكيم الجبار فهذا مقام العبودية لله الحق ، والتنفيذ والطاعة هما أساس وجود البشر وحقيقته !
شخصياً إن كنت أرى سبباً أودى بشعوبنا إلى الانبطاح والتسطيح الفكري طوال أكثر من عشرة قرون ، فهو ما عنتْه الأستاذة في تعبيرها الأخير : أن هذا مقام العبودية ، والتنفيذ والطاعة دون اعتراض هما الحقيقة والأساس لوجودنا .
إذا كانت الملائكة قد جادلت الله وتساءلت عن خلافة آدم في الأرض وأجابها على تساؤلاتها ، فكيف تحرمينا من حق الاعتراض ، المقدس من السميع المجيب ذاته ؟؟ وإلا .....
وإلا سيكونون مستحقين لعذابه وسخطه !!
حضرتك أيضاً تلجئين لإسطوانة العذاب المشروخة ؟
عذاب في الأرض .. وفي القبر .. وفي الجهنم . أية عذوبة في هذا الموّال ؟
الحياة عذاب ؟ أم العذاب حياة عندكم ؟
على الأقل إن كانت الحياة عذاباً فهناك ذوو الضمائر الحيّة يخففون من عذابنا .
هل محتم علينا أن نخضع لما جاءنا من السماء دون أن نعترض ، فقط لأن الله هو المرسل وهو الحكيم الخالق الجبار كما ذكرتِ ؟
إن عدم اعتراضنا هذا لا يعني أكثر من تقبّل كل المغالطات والمتعارضات التي تحول عيوننا حولاً عظيماً لو أجبرنا أنفسنا على قبولها جميعاً .
المنتشون بالكلام البياني الإلهي تعشش رقائق التزمت في طبقات شخصياتهم ، فلا يلتفتون إلى كلمة عدل إلا من زاوية نظرهم فحسب .
اللايقيني المتشكك له تقدير في نفسي ، لأنه انعتق من البرمجة العقلية وتمكن بجهوده من استخدام حقه في البحث والاستنتاج .. متميّزاً باستعداده المتواصل للتمرّد الفكري .. متّسماً بالتحدي للأجوبة الجاهزة التي أتت بها الأديان والفلسفات القديمة ، فلا يقرّ له بال وهو يتساءل عن مغزى حضورها وجدواها للإنسان .
حضرتك تناقضين نفسك عندما تدْعين إلى استيعاب كل الأديان في بوتقة واحدة والتآلف وقبول المختلف . . . . وأنت ترددين الشعارات الدينية المميِّزة بين الناس تمييزاً فجاً !!
فتلقين بحكمة ألهمك إياها الله مستشهِدةً في نهاية المقال بآية قرآنية أقلّ ما أقول فيها إن العدل الرشيد لم يعدل مع خليقته وأضاعت رُشْد البشر وصوابهم في تلمّس طريق الألفة والسلام ، فتقولين :
" لكنهم – أي النصارى - عاندوا مثل سابقيهم – أي اليهود - في قبول رسالته ( إلا قلة منهم ) وفشلوا في إدراك الحكمة الإلهية من التغيير والتجديد ورفضوا الانصياع إلى أوامر خالقهم مما أدى إلى اختيار الله قوماً غيرهم فوقع الاختيار على ملة العرب وأصبحوا فيما بعد خير أمة أخرجت للناس "

هذا استعلاء مرفوض واعتقاد خطير بتفوّق شعبٍ ودين على آخر ولن يقبل بهذا أي دين في الوجود .
لم يتمكن الإله من جمع البشر حول ديانة واحدة صحيحة رغم أنه القادر على كل شيء ، وإن المهدِّد بالعذاب لمنْ لا يصدّق الشرائع رغم تباينها في النصوص والأحكام .. إنسان لا يعرف قيمة العقل ، وقيمة الاختيار ، وقيمة التفكير .
هذا منطق لاغ لحرية الإنسان . أقدّر دعوتك السلمية لكني أفهم أيضاً أن الاختلاف نضج .
حسناً ..
ما دمتِ تستشهدين بالقرآن فلأستشهدْ معك وأذكّرك أن المعزّ المذلّ قد اصطفى المسلمين على العالمين :
" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه "
عندما تطالبينا بالاعتراف بكل الرسالات ( السماوية فقط أم من بدء الفلسفات ؟؟ ) علينا أن نؤمن بها كلية ، من الجلدة للجلدة ..
من العهد القديم بكل ما فيه من تناقض مع دعوتك إلى نهاية العهد الجديد ..
ومن العهد المكّي إلى العهد المدني القرآني الذي لا يلتقي مع تطلعاتك ..
إلى ضرورة تصديقك والبصم بالعشرة على كتب فوق النقد أي مقدسة ، تتعارض مع مبادئكم وعلى رأسها مبدأ مساواة المرأة بالرجل :
من السيرة ، والأحاديث ، والتفاسير ، وشروح التفاسير ، وتفاسير الشروح ، وشروح تفاسير الشروح ، وتوضيح تفاسير شروح التفاسير ~~~~
وهذه كلها أصبحت من المعلوم من الدين بالضرورة . وفي ظل دعوتك بقبول ما سبق من شرائع ، لا يحقّ لك تجاوزها أو غض النظر عنها مع كل تناقضاتها .
الإسلام الدين الحق . لا يقبل الرحيم القاهر من عباده سواه ، إذ ما عداه من الدين باطل وضلال : ( إن الدين عند الله الإسلام ) .
لا البهائية !
لا البهائية ، ولا المسيحية ، ولا اليهودية .
أنتَ اسكتْ ! وأنت كمان !!
يا شنتوي يا مُجِلّ الوثن .. يا بوذي يا عابد الصنم .. أنت وهو إلى ستين جهنم !
أنتَ ؟؟؟ اصمتْ أنتَ !
أنت كبقرتك ستشوى في النار وإلى دار البوار وبئس القرار يا عابد الأبقار !
هو هو نفس الله الخالق لنا جميعاً !
وهو الذي تتطلّعين إليه وتستشهدين بأقواله وستجدين ما ينقضها في مكان آخر من الكتاب نفسه فكيف الحال في الكتب المقدسة الأخرى ؟
وتحت عينيه جرى خلق عشرات التعاليم الجديدة يُسأل فيها الله الذي ( تدارك ) في وقت لاحق ما حجبه من تشريع للسابقين ، فأجرى على لسان المرسلين الجدد قيماً مستحدثة ، وعلى أيادٍ بشرية من الكتابات أصبحت مع الزمن الخليفي ركناً أساسياً في الدين وارتفعت إلى مصاف الكلام القدسي ، كما رُفِع أصحابها إلى مرتبة لا تقلّ عن مرتبة الأنبياء مع كل ما شاب سيرهم من مثالب .
أنت البهائية لستِ من ملة خير أمة يا سيدة .. إلا إذا كان من أهداف دينكم المخفية عن الأفهام أن تحشروا أنفسكم بالعافية مع منْ اصطفاهم الله لتجدوا لكم مكاناً في هذا العالم ، وهذا ما لا أخالفك عليه لكني أنشد وضوح الأهداف .
وأنا أتقصّد استعمال عبارة ( تحشروا أنفسكم ) لأن الإسلام يرفضكم .. يرفض الجميع إلا إذا انضوينا تحت رايته من منظوره لا من منظورنا .
أسألك هنا : هل دينكم يعترف فقط بالشرائع السماوية الثلاث وما تفرّع عنها من عشرات الفرق ؟
أم أنكم تشملون برعايتكم أيضاً الأديان الوثنية الصنمية الوضعية ؟؟
وأياً كان الجواب فما تقدمينه لنا عبارة عن خبيصة دينية محشوّة بالشعارات التمييزية مرشوشة بسكر من ناعم الكلام !!
لأن التصديق بما في الرسالات معناه اعتناق العقيدة بدقائقها .
اختلافي معك هنا حول قصدك من عبارتَيْ : جوهر الأديان . أحكام الأديان .
فأنا أرى عكس ما ترينه تماماً .
برأيكِ
أن مشكلة اختلاف الناس حول تعدد الأديان يعود إلى رفضهم الأحكام المتغيرة التي تأتي بها الشرائع الجديدة حسب مقتضيات الزمان والمكان ، وعلينا القبول بالتغيير كحتمية لتطور المجتمعات .
برأيي
أن الأحكام ليست المشكلة مع كل ما تسببه من مشاكل اجتماعية ، وهي قاطعة لا مجال لزحزحتها ، مثل أحكام النساء والطلاق والمواريث والقصاص والطقوس .... ولا أحد سيرتضي بالاجتهاد فيها .
هذه المشكلة لها حل وحيد : ستزول مع تطبيق القانون المدني .. إذا طُبِّق !
أما المشكلة الحقيقية في نظري فهي ما تعتبرينه جوهراً لا يتبدّل ولا أراه كذلك .
القيم التي جاءت في كل الشرائع المعروفة أعتبرها قيماً إنسانية متحركة تتغيّر بتبدّل الظروف والأماكن .
الخير ، العمل الصالح ، الصدق ، الشرف ، الاتحاد ، الإحسان ، السلام ... وغيرها كانت فوائدها على طول تاريخ الأديان محصورة ضمن الجماعة ذاتها لا لغيرها من فئات البشر إلا إذا انضووا تحت راية الأحكام : جوهر الدين الحقيقي .
خلافنا على ما تظنينه جوهراً .. وهو بالواقع قيم نفعية !
الإسلام الذي تودين ضمّه إلى جديلةٍ فكريةٍ واحدة ، لا يحتوي كفكر قوانين تتوافق مع حقوق الإنسان ، ويرفض مبدأ المواطنة ، ومبدأ حرية الاعتقاد ، ويريد فرض رؤيته على كل أطياف البشر .
أما دعوة البهائية للسلام وقبول المختلِف في رحابها الذي حوى الجميع ، فهي تشابه دعوة السيد المسيح السلمية لإدارة الخدّيْن للضارب .
أظنّ أنها دعوة مثالية ، مسالمة لا مجال لتطبيقها في عالم يغصّ بشرائع دوّختْ البشر لشدة تباينها . الفكر البهائي مثالي طوباوي لا أدري كمْ سيُكتَب له النجاح في عالم يموج بالواقعية السياسية والاجتماعية لا يقوم على ركائز دينية ..
نحن أبناء مجتمع يتبنّى علناً ثقافة إقصاء الآخر المخالِف ، ولا يرى أي استهجان فيها بل هي واجب عليه ، وكل ما تفعلينه يا أستاذة أنك ( تلتفّين ببراعة ) على هذه الثقافة في حركة ماهرة لتجدي لتعاليم الوفاق في ديانتك مكاناً تحت الشمس .
لا أنفي حقك في هذا المسعى ، ولا أخال أحداً سيرفض دعوتك لو وقفتِ عند شعارات الاتحاد والتآخي والمحبة ... ، لكنكم تعلمون تماماً أنكم لو وقفتم عند هذه الحدود فلن يُكتب النجاح لنظريتكم ، وكان لا بدّ من عامل مميز لجلب الأتباع في عصر يتفجّر بالعصبيات والكراهية المتبادَلة بين الأديان والأثنيات ، وكانت خطوتكم غير المسبوقة في تبنّي كل الأديان ..
المسالِمة والمحارِبة ، الناهِضة والمناهِضة ، بكل تراثها القوّام منه والهدّام ، فرفعتم الصوت المسالم إلى أقصى مدى لتضمنوا الحد الأدنى المطلوب وهو حقكم في الحضور .
منْ يرفض لغة السلام الراقية هذه ؟؟ لكنك مع استشهادك بشعارات لا تتوافق مع حقوق الإنسان يجعلني أشك في غايتك .. نعم أشكّ .
ليس هذا فحسب ، بل أرفض من حضرتك والأساتذة الكرام عندما تتأستذون علينا وتلقون محاضرات في المعاني التي أرادها الله .
ها أنت تقررين :
" مع لحظة ظهور الإسلام انتهى منهج الإنجيل السابق ولزم على أتباعه الانتقال إلى المرحلة الجديدة والإيمان بها وبرسولها " .
لمَ ؟؟ إللي فينا كافينا ، وكأني بك تقولين :
( مع لحظة ظهور البهائية انتهى منهج الإسلام السابق ولزم على أتباعه الانتقال إلى المرحلة الجديدة والإيمان بها وبرسولها ) .
أم أني مخطئة ؟
يبدو لي أن الدين البهائي استفاد من سلبيات الأديان ووعى دروس الحروب والصدامات عبر التاريخ وهو يرسي لبناته الأولى ، فقام بتكتيك بارع حقاً !
فالاعتراف بكل الرسائل الإلهية والشرائع وسيلة لحماية الذات من كل نقد متوقَّع منها . إنكم بهذه الخطوة أبقيتم على كل الديانات وتناقضاتها ثم اعتليتم عليها جميعاً ، وهذا نوع من الوصاية الأبوية العطوف ، وتكريس للتمايز والسيادة مؤطّر بشعارات دينية غير معرضة للّوم من أي طرف .
ينتفي اتهام الدين بالتمايز والرغبة في السيادة عندما يتعرض للنقد .
أما تشبيهك في مقالك للبشر على أنهم مثل طلاب في مدرسة واحدة :
" ذات نظام واحد ومدير واحد ومنهاج واحد، الا ان مناهج الدراسة وكتبها تختلف باختلاف مستوياتهم، فمنهج الصف الأول غير منهج الصف الثاني، والثالث غير الرابع وهكذا، فلا قدرة ولا قابلية للتلميذ وهو في مرحلة معينة على ترك مستواه الدراسي والانتقال الى مستوى آخر أعلى منه "
فكلامك يذكرني بالهيكل الحزبي ، فهو ذات نظام واحد ، يديره أمين عام واحد ، وللحزب منهاج واحد يدرّس لطلاب المدرسة بمستوياتهم المختلفة ، منهاج نصير درجة أولى غير منهاج درجة ثانية ، ومنهاج نصير درجة ثالثة غير تدريب عضو تحت التمرين ، ولا قدرة لأمين فرع أن ينتقل إلى مرتبة أمين شعبة إلا بأمر من القائد الأعلى الأمين العام .
وبعكس ما أوحيتِه لنا من ميل سلمي لتآخي الأديان فإن تقسيم المجتمع كما تفضلتِ حسب الرؤية البهائية إلى طبقات ومستويات خطير ، ينتهك التعايش الإنساني بين البشر يا سيدة ، ويتعالى على الآخر وينال من حقوقه عندما يمدّ دينك مظلته ليحتوي هوية الآخر الذاتية فيسلبه استقلاليته وتفرّده تحت زعمٍ مسالم هو الاعتراف بالآخر .
هذا نظام ديني هرمي تنحصر القوة في رأسه غير مقبول أبداً ، يكشف حقيقة الشعور الباطن في التميّز عن الاخرين . حضرتك تترجمين رغبة جماعتك الدينية الباحثة عن تأكيد الحضور بين ديانات كثيرة تتناطح لتتبوأ مكاناً على المستوى الدولي .
المحرومون ، المضطهدون وكل من تعرضوا إلى نفي ، أوجدوا أفكاراً مبتكرة لترسيخ شعور الحضور المتميِّز في الحياة كصراع من أجل البقاء ، ولا أستبعد أن يكون التفافكم على كل الأديان مجتمعة ، واحدة من الأفكار الإبداعية التي تنتظر الظروف المناسبة لتنتشر وتترسخ . الأيديولوجيات المغلّفة بالشعارات الدينية البراقة مخيفة ..
نعم يخيفني منطقك !
لأنه يُرسّخ قيمة التعالي والتمييز بلباس حريري مقدس .
أنا لا أهاجم دينك ، بل أنتقد هذا التقسيم الفجّ لبني البشر ، وترديدك المقولات الاستعلائية .. حتى لو كانت مقدسة .. حتى لو كانت من الله نفسه .
ما أوسع الذمم الإلهية عند المصالح ، وما أعدلها عندما تخضع للقانون البشري !
والمعذرة لو قلت لك صراحة : إنه في ظل الظروف العصيبة الراهنة التي يعيشها البهائيون ، لا أستطيع توقّع مستقبل دينكم إن كان سيبقى مسالماً مكيّ الطابع فيما لو أتيحت لكم حرية نشر عقيدتكم .
أي جديد أتتْ به الأديان ؟
إنها صورة طبق الأصل عما دار في مخيلة الإنسان القديم ، وهي ( صدى ) للثقافات السابقة على حضورها .
الفعل للماضي والصيت للحاضر !
حضرتك تغضّين البصر عن تعاليم لا تتوافق مع الإنسانية .
تذكرين فقط المحاسن وتقولين بلسان كل أتباعها : انظروا هذا هو الدين القويم . لا تلتفتين إلى التخبّط والتناقض في الرسالات الإلهية ، وإلى ما خالطها من سلبيات كانت على مر العصور العامل الأول في الحروب والمذابح كلما أتيحت لها الظروف ، والمضحك عندما يقولون لنا إن أتباعها لم يتفهموا مراد الله فخالفوا ما أُمِروا به ، وحُقّ عليهم أن يأتي الله بشريعة جديدة ترشيدية مقوِّمة !
هل سمعت أن تاريخ ملّة العرب أنجب إلا السفاح ، الجزار ، قاطع الرؤوس والأطراف ، ممزق القرآن ، ضارب الكعبة ؟
لغتنا العربية التي احتكرها الدين تتميّز بين لغات العالم بالحرفين : ض – ط . وقد ( ضربتْ ) لنا أروع الأمثلة في المدرسة وفي الحياة ، وشرحتْ لنا بالتفصيل روايات طويلة عن الدماء والضرب والضبط والضغن والضن .
تاريخنا ينحصر من بدايته ب : طاق طيق الحروب ، وطاخ طيخ السجون ، وطار طير حكام ، وطاح طيح رؤوس وانقلابات ، وطاع طيع خرفان الشعب ، وطاك طيك تكسير عظام وكرامة ، وطال طيل عمر الملوك ، وطاب يطيب مقام الخلفاء على العروش ، وطاش يطيش الدعاة المنادون بالعودة إلى القرن السابع وتفعيل قانون الجواري !
وكل هذه الأحداث جرت تحت اسم الأديان المسالمة الداعية إلى إعلاء كلمة الله !!
حضرتك أستاذة الحمامصي تجرّينا إلى حوار أخلاقي مبنيّ على خلفية دينية ، مرتهِنة الخير والعمل الصالح والمحبة والصدق والشرف وكل هذه المفردات الأخلاقية لوصاية الدين ، وتعتبرين أن الله الأعلم والأكثر دراية من عبيده في فهم مصلحتهم .
هذه قيم إنسانية غير مرتبطة بالأديان وإن كانت تلتقي معها ، وغير متوقّفة على تفسيرات القائمين على الدين المؤوّلين له اللاعبين على موائده .
وإلا .. فإني أسألك : عن موقف الرشيد الهادي من الكم العنيف في التراث الديني ..
وأين ذهب علم المقتدر بما حصل من حروب إبادة للثقافات الأولى بدءاً من الجزيرة العربية وانتهاء بالصين ؟
أوليس نابليون الذي أنهى عصر الحريم الجواري ؟
وهل تعلمين أن الجزية ألغيت من قبل إنسان ، وذلك في عهد الخديوي سعيد بن محمد علي عام 1855 وكان هذا القرار يعني مساواة الأقباط بالمسلمين في الالتحاق بالجيش ، تلك الجزية التي كانت تطعم شيوخ الأزهر الذين كانوا يحصلون على رواتبهم من جزية أهل الذمة ؟
كيف أرتضي شريعة الخبير الأعلم من عبيده في فهم مصلحتهم وهو يسمع الدعاء اليومي على أحفاد القردة والخنازير والمغضوب علينا ؟
هي الشريعة نفسها التي تستشهدين بأقوالها القدسية قام إنسان عادي ككل البشر ، لا هو بنبي ولا مصطفى ، فجعل نفسه فوق الله آمراً على المسيحيين ، ذامّاً لهم في وثيقته العمرية من 1400 سنة ؟
أين كان الرحيم في الحروب الصليبية ؟ أين ؟؟
وماذا فعل وهو يشهد آباء الكنيسة يوزعون شهادات الاستثمار السماوي الغفراني في العصور الوسطى ؟
الذي تحرك كان اليهودي الذكي ، فقام واشترى الجهنم وحرّر الناس من الأوهام .
الذي تحرك كان آباء النهضة الأوروبية التي أعادت للإنسان كرامته .
وما دمتِ تسلّمين بأن تطور المجتمع البشري وتقدمه ورقيه الفكري يلازمه تغيير ضروري في الشرائع فإني أدعوك لتبني ديانة أكثر رحابة من كل أديان الأرض مجتمعة ، يلتقي الجميع في رحابها الجليل .
إنها شريعة حقوق الإنسان .
الابنة الشرعية لأبيها العقل وأمها الثورة . حيث ستجدين كل ما حوته الأديان من قيم إيجابية ، يضبط القانون الحديدي كل منْ تسوّل له نفسه المريضة تجاوز النظام حقيقةً لا بالتمني ، بالواقع لا بالمثاليات ، تشريعاتها الحضارية الراقية لا يتسرّب إليها الشك ولا تحتمل التأويل والتفسير . فيها اجتمعت جهود المصلحين الإنسانيين ليصطفُوا لنا خير ما وصل إليه الإنسان فكرياً .
هذا إن كنت تؤمنين بالتطور حقاً لا قولاً فحسب ، وأيضاً إذا كنت تبغين العيش المشترك لا الانضواء تحت خيمة البهائية ، أو الإسلام ، أو المسيحية ... وأيضاً إذا كنت تَسعين إلى خدمة الإنسانية وتعمير الكون .
ذلك أن الرهان على الأديان في هذه النقطة بالذات يطاله شك كبير وطعن مرير . فكل طائفة ، فئة ، تحتكر قيم الشرف والخير والحلال والحرام والتسامح والمحبة ، وترى في نفسها جدارة قيادة العالم الكوني الأعلى ، ولم تألُ جهداً في قيادة العالم الأرضي الأسفل وتعمّقت في الجذور حتى وصلتْ إلى القبور .
نحن في خلافات حارة واحدة من أصغر قرية عربية لا نستطيع إدارة النقار والنقير حتى يلحقونا بناكر ونكير إلى القبور.
هناك ، في رحاب حقوق الإنسان ، لا مجال للطعن ، والأخذ والرد ، ووسْم أصحابها بالصفات المشينة التي توجّه لأنبياء زمن سحيق عملوا بظروف تلك الأيام .
يوم وقفت أوروبا تناقش بكل جرأة الخير والشر في تعاليم الله وعرفت كيف تناقش الصح والغلط بالعقل ، كان المجد ينتظرها ، وكان سوء المصير ينتظرنا نحن الشعوب السادرة في الحلال والحرام والأوهام والاستسلام لأوامر إلهية دون اعتراض ولو على طريقة الملائكة .
منذ الأزل قدّمت الأديان عمراناً فكرياً متضارباً وجد على طول التاريخ وعرضه من وقف ضده وفنّده .
الاعتراض هو الأساس وليس الانبطاح والاستسلام .
وأنا أعترض على نظريتك في الحياة .