مصير وطن غلبان

محمد طلعت
2013 / 2 / 2

عنف ودم وفوضى ولا مبالاة اختلط فيها الحابل بالنابل، وكثرت المطامع والغنائم وبعثرت فيها أوراق الشعب مع الاحتفاظ بالكارت الرابح بيد من يملك قوت يوم الغلابة فى مصر. الغلبان الذى كان بالأمس سيد الصندوق والمنعم والمتفضل بصوته للإخوان فى السباق البرلمانى والرئاسي بات اليوم يداس تحت أحذية السلطة التى كانت تتملقه و(تبوسه من بؤه) وتغريه ببعض المعونات الغذائية. اليوم تسحله وتتهمه بالشذوذ بعد اتهام الكفر الذى فقد بريقه من كثرة تكراره. الإبداع الوحيد للنظام المتسلط السادي هو ابتكار مفردات من الممكن أن تضعهم فى موسعة (جنس للقباحة العالمية!). ذلك النظام الذى يهوى لحظة التشفي فى تعذيب مواطنيه ما هو إلا نظام عاجز نفسيا وعقليا، فيتحامق باستخدام أدواته الباطشة الغليظة التى تغطى على رداءة الأداء والضعف العام لديه.

إنهم يتلاعبون بمصير وطن الغلبان غير مدركين أن اللعب بهذا الكائن المصري النادر فى صفاته وقوة احتماله على الصبر قد يفلت ويجرف الأراضي التى اكتسبها النظام على صبر هذا الغلبان.. وإذ هب هذا الكائن فلن يعود إلا بعد أن يبور كل الأراضى التى سرقت منه ويجعلها خرابا حقيقيا على نفوخه ونفوخ الكل. لا تستهينوا بضعف وصمت الغلبان.!

سالت الدماء في كل ميادين المدن المصرية لدرجة تشويه الأمل فى الحرية، مما ضاع صبر الغلبان الذى رأى دمه وعرى ابنته وأخيه مباح للشرطة وكلاب النظام. ضاع صبر الغلبان فى عودة مصر التى رآها فى ثراء وجوه السادة المنتفخين أصحاب سلطة اليوم.. أصحاب الوجوه التعيسة المسجونة إخوان الأمس. اعتقد الغلبان أنه ذات يوم قد يتحقق العدل ومظلوم الأمس قد ينتصر اليوم. آخذين مرسى رئيس اليوم قدوة لهم بعد أن بانت عليه ثراء الملك وفخامة الرئاسة والوجه النضر بعد التقشف والضنك وصفرة وتسوس الأسنان.!

انشغل غلبان الأمس بعلاج نفسه وتبيض أسنانه وتخسيس كرشه ليظهر أكثر رونقا.. مودعا "بدل المحلة" لابسا "بدل مبارك" الفخمة.. ونسى الأصل والفصل والمدق الطين الذى طالما مشى عليه فى قريته وأمراض قريته. فماذا فعل متأنق اليوم لرفقاء التعاسة بالأمس واليوم؟. تنصل منهم.!!

التنصل عن الوعود الانتخابية وإجادة فن التلوين وتغيير الجلد كما الأفاعي بل واحتكار صفة الوضاعة سمة تميز بها غلبان الأمس ليسطع نجمه النصاب اليوم فى هيئة رئيسا ليضيع فى وجوده الأمل في التغيير الذي يطمح فيه الغلابة من المصريين أن يروا نعمة الثورة عليهم مثلما بدت على رئيسهم اليوم.

فماذا يفعل غلبان اليوم الذى خرج من ثورته بـ(البلاك بلوك) أي المسحة السوداء من الواقع بلغة الفيس بوك؛ لتحوله من كائن حقيقي ذي اسم وهوية على عالم الثورة المتخيل بالأمل العريض إلى كائن افتراضي عدمى كما السديم معلق فى الفضاء بلا هوية ولا وجود.

فماذا بقى للغلابة من ثورتهم ومصرهم ودولتهم بعد تدهور كل أركان الدولة ومقوماتها الأساسية فى منظومة الصالح العام؟ حسب بعض الاحصائيات التى تنذر بنضوب المخزون الاستراتيجى من القمح وعليه حددت الحكومة المصرية بونات خاصة بتحديد الاستهلاك من رغيف الخبز الذى لا يتعدى 3 أرغفة لكل مواطن فى اليوم. وأضف إلى ذلك أزمات السولار المتكررة واختراع بونات الصرف أيضا لها، مع تفاقم نسبة البطالة، مع سوء الخدمة التعليمية فى المدارس التى غالبا تغلق أبوابها فى وجوه التلاميذ نظرا لحالات الشد والجذب والصراع والأمن غير المستقر فى مصر. فكيف فى ظل كل هذا تريدون لمصر أن تحيا يا حكام مصر؟ هل فقدتم البوصلة ؟ أم انعدم بداخلكم الضمير وتضخم مكانه المصلحة الشخصية؟

وربما بعد قليل سوف تتحول الثورة السلمية للغلابة إلى حرب عصابات وحرب شوارع، فمنظر الرجل المسحول عند الاتحادية على مقربة من شرفة رئيس الإخوان غير المصريين وقوات شرطته التى بدأت تمارس شذوذ رقصة السادية فى هتك عرض رجل لا حول له ولا قوة سوى(...) إننا ولحد الآن لا نعرف هويته غير أنه إنسان. هذا المشهد كفيل بأن يحرك الفقراء غضبا. يحرك الصامتون إلى طوفان تعصب وتطرف، لماذا؟ ببساطة لأن الصامتين سوف يدركون أن الدور قادم عليهم فـ(بيدى لا بيد عمرو)، خاصة وأن الصامتين من أبناء الشعب الصابر. رأى وشهد سخرية قطيع كبير من مؤيدى الحاكم والسلطة فى مصر تُعرض بكرامة الرجل وتشجع على فعل سحله وخلع ملابسه، فضلا عن ترويج الخيال المريض بأن الرجل هو الذى خلع ملابسه بنفسه وطلب من الجندى ممارسة اللواط معه حتى يتركه.! وفى قول آخر إن هؤلاء الجنود هم من جبهة الإنقاذ ومتنكرين فى زي الشرطة أو من عسكر الجيش لتوريط الشرطة والسلطة الحاكمة.! خيال ما بعده خيال لا يمت بأى صلة للواقع السياسي سوى الواقع النفسى المختل لصفوة الحاكمين فى مصر. لذلك لا نستبعد غضبة رجال مصر ونسائها وأطفالها. وجوه أخرى جديدة سوف تخرج للشارع المصري غير الوجوه المعروفة للجميع، وحينها سوف يقتص الغلبان لنفسه بيده وبعدله بعد أن فقد الثقة فى عدل الحاكم بعد أن طال انتظار عدل السماء.!

ولعل ظهور الصامتين في المشهد الثوري وخاصة الصغار منهم الذين يكتبون وصاياهم الأخيرة لأهلهم فى جيوبهم حتى يتعرف أهلهم عليهم بعد تشويه اجسادهم وموتهم، أبلغ رسالة للنظام الحالى بأن الشعب المصري فقد الإيمان بكل القيم الحياتية ويقبل على تحرير وطن غلبان خذله الكبار بطمع الصفقات والتآمر والتكويش مع الكثير من التعريص.

انقسام الغلابة الظاهري خاصة بعد تصدير لهم طيلة الوقت صورة أن المنتقدين سياسة الإخوان ما هم إلا خارجون على الحكم الرشيد. كارهون للإخوان، وما هم إلا خارجون وكارهون للإسلام.. وبرغم ميل الغلابة لفكرة الإسلام فى المطلق التى استخدمها الإخوان بضاعة رائجة لهدم خصومهم السياسيين إلا أن الغلابة بدأت تدريجيا تفيق وترى الصورة الحقيقية وتفصل بل وتفسخ عقد الاحتكار بين الإخوان والإسلام وتنزه الإسلام بعيدا عن نخاسة الإخوان السياسية.

وبدأ الصراع والتمرد الشعبي الذى اجتهد قطيع الإخوان أن يعطى لهذا التمرد تمردا على الإسلام مرة أخرى لترويع الناس. لكن حين تجوع البطن ويتعطل البدن عن العمل والعقل عن الفكر ويسيل دم المواطن بلا قصاص ولا عدل، فعذرا( يرتكن الدين أي دين على جنب) ويتنحي أى عقل وأية حكمة ويتلاشى أي حظر أمام ثورة القهر والدم والجوع.

كل هذا الخضم والغليان نجد رئيسا مغيبا غير مدرك للحظة التى يقف فيه.. رئيس كذاب لا يجيد فن وأسس الكذب الرئاسي المحنك الذى يجعل من الجماهير تهتف باسمه مدى الحياة.!
ويعبر عن ذلك مشهدين غاية فى الدلالة يحكمان مصر الآن، وهما وقعا فى المانيا أثناء زيارة الرئيس لها.المشهد الأول حين نظر فى ساعة يده ولما لها من دلالة نفسية تعكس خواء الباطن الذى طفح على الظاهر وواقعه المختل بأنه يفقد آلية الإقناع والثبات والشكيمة والحنكة فى الخروج من المواقف المتأزمة منتصرا زعيما. المشهد الثاني حين جلس مع المصريين والمستثمرين فى قعدة خاصة يتسامر فى قصص وأوهام سينمائية بأن شخص ما وقف فوق السجن ببورسيعد ومعه صاروخ كبير وكان يهدد الطائرتين الحربيتين التى رصدته من فوق السطوح..! ولا تعليق لنا غير أن هذا الكلام لا يليق لرئيس مصر.! لذلك قام بفرض حظر التجول والذى جاء بناء على مطلب شعبي. وكانت نتيجة زيارة المانيا للرئيس رسم كاريكاتيري ساخر بشع يعبر عن كذب الرئيس. والناظر السياسي للمشهدين سوف يتأكد بأن الرئيس المصري جاء ليحكم مصر من كوكب القردة(الفيلم الذى أشاد به الرئيس من قبل، ويبدو أنه يري نفسه فى دور البطولة).!

كل هذه الدلالات تؤكد على الضعف الإداري لمؤسسة الرئاسة مع عدم كفاءة الرئيس، فضلا عن سوء التخطيط والاتصال بين الأطراف الحاكمة فى مصر وأعنى أعضاء مكتب الإرشاد كل هذا يفقد السلطة الحاكمة مصداقيتها وهيبة الرئيس والجماعة التي ينتمي إليها.

أما المعارضة فهى الأخرى مصابة بداء التفكك وعدم وضوح الرؤية، ويبدو أن خلل النظام الحاكم انتقل بدوره هو الآخر إلى المعارضة. فقد نجح النظام فى تشويه المعارضة بأنها طامعة فى السلطة وهدفها الوحيد هو إقالة الحكومة وإسقاط الدستور وليس لديها أي بديل آخر غير الخراب الذى تحمله جبهة الإنقاذ لمصر.

لكن ماذا قدمت المعارضة لمصر؟! هل صدت الرئيس وجماعة الإخوان عن استمرارهم الناجح والمتزايد فى الاستحواذ على السلطة وعلى المواطن الغلبان؟ طبعا على أرض الواقع فى الشارع بدت المعارضة فى أسوء حالتها لا تملك أية مبادرة للهجوم العقلاني فى استقطاب الشارع. ويرجع هذا لعدم توحد المعارضة فيما بينهم على طرح البديل خلفا لمرسي، بمعنى هل اتفقت جبهة الإنقاذ على اسم معين بينهم بأن يكون هو الرئيس مثلا ويقدمونه للشعب كبديل ثوري؟ هل شكلوا فيما بينهم مجلسا انتقاليا محدد الأهداف والعمل والأجندة التى تخرج بناء على الظروف الراهنة وتخطيها. هل قدموا النصح والإرشاد للمواطنين.. هل نزلوا للغلابة حيث العشوائيات والقرى والكفور والنجوع وتحدثوا معهم؟ بالطبع لا، والنتيجة نجاح مرسي وجماعته فى تلفيق العديد من التهم إلى جبهة الإنقاذ والمعارضة، وليس مستبعدا استخراج أمر بالاعتقال لبعض رموز المعارضة.

أزمة معارضة مصر أنها لا تجيد فن الكلام ولا فن العمل. ولا تعرف لغة الخطاب حتى تلتحم مع حلم الغلابة.

يوجد بين صفوف المعارضة رجال أعمال كثيرون، فهل تبنوا مشروعا قوميا موازيا لتشغيل الغلابة والقضاء على البطالة حتى يكون لهم فيما بعد سندا قويا فى المظاهرات الحقيقية للمطالبة بالحق فى عودة مصر للمصريين.؟ بالطبع لا.

ويبقى السؤال الأساسى، ماهو مصير وطن غلبان عاري البدن خاوي البطن أجوف العقل مغيب النفس والروح؟