التشكيل السردي في قصص محمد خضير

شاكر حمد خلف
2013 / 1 / 25


1 - إذا كان هنري باربوس قد كتب روايته (الجحيم)على محورين متعاقبين هما الجنس والموت، فإن القاص محمد خضير قد قسم مجموعته القصصية الأولى (المملكة السوداء) الى قسمين هما قصص الدافع الجنسي وقصص الموت و نبوءة الحرب . ومعظمها كتبت في البصرة، بل في غرفته التي كتب فيها ايضاً مجموعته الثانية (في درجة 45 مئوي)

عالم (المملكة السوداء) هو عالم النساء،وفي العنوان دلالة سيميائية مستعارة من أوضاع النساء، ولبس السواد، والحزن الدائم. والنساء في قصص المجموعة وإتصالاتها بقصص المجموعة الثانية ، مطلقات وأرامل ومهجورات وبغايا ويعشن الحرمان والفقر في الظلام ، في السراديب والغرف المظلمة. أوضاعهن نتاج صراعات إجتماعية ظالمة، وحروب محسوسة ضمناً . غياب الرجال الدائم يوحي بالتفكك الاُسري وفقدان العواطف الحقيقية في الحب. وقد شغلت الكاتب قضية المرأة المومس في قصتين هما "المئذنة" في (المملكة السوداء) و"منزل النساء" في المجموعة الثانية. والقصتان تقتربان من مشروعي روايتين من طرازالنوفيلا

2- يفترض بهذه القراءة أن تسلط الضوء على الظاهرة التشكيلية في السرد، والتي بدأت بواكيرها في (المملكة السوداء) لتتحول في مابعد الى مايسميه محمد خضير بالسرد التشكيلي – مقال نشره في مجلة فنارات بهذا العنوان -. غير أن القيم السردية الواردة فيها، والمشتركات الفنية السائدة في القصة الواقعية، تفترض عدم الإخلال ببقية العناصرالمكونة لبنية النص المتكاملة والمتجانسة في منظومةٍ سرديةٍ واحدة . وبزعمي أن تفكيك عناصر النص الأولية وإنتقاء الجزء بعيداً عن علاقاته مع بقية العناصريشبه البناء المعماري بمادة واحدة. فالظاهرة التشكيلية السردية ماهي إلاّ أداة للتوصيل والإبلاغ الشكلاني عن فكرة ذات مضمون بدرجة مميزةٍ من الإقناع .

3 - بدأ القاص رحلته ألأدبية مع القصة القصيرة في العقد الستيني، بمعنى آخر أن محمد خضير من جيل الستينيات، ولكن بلا ضجيج ولا طبول ولامزاعم وخدمته عزلته البصْرية-نسبةً الى البصرة- في ذلك. وبالتالي فهومن جيل التجديد في الكتابة والادب عموماً والقصة والرواية خصوصاً.

4- محمد خضير رسام بوعي تشكيلي لخصائص الحرفة وأدواتها وتطوراتها يفوق حتى ذوي الإختصاص والشهادات. فضلا عن ثقافته الفنية وعلاقاته مع التشكيليين وفعالياتهم ومعارضهم وكتاباته عنهم. – يوم تعرفت عليه عام 1968 زرته في غرفته التي كتب فيها معظم قصصه وخصَّها في مقدمة مجموعته الثانية (في درجة 45 مئوي) وهي معدل درجة حرارة الغرفة لأشهر الصيف. في ذلك المساء أطلعني على كراسة رسم وفيها تخطيطات ورسوم بالألوان المائية ومثلت في ذاكرتي حتى أصدر روايته ( كراسة كانون) عام 2001 وكتبت عنها وقتئذٍ.
5 - تمثل البيئة أهم عناصر البناء القصصي في منظومته السردية. والبيئة الحميمية بالذات . مكان الولادة والطفولة والصبا والمراهقة وأول حب . بعد ذلك الطريق اليومي من البيت الى المدرسة، منذ الطفولة والدراسة الإبتدائية والثانوية ومعهد المعلمين. ثم معلماً في مدارس نائية من الناصرية الى الديوانية الى مدرسة في ناحية السيبة ، وبعدها في المطيحة – البطحاء- والجمهورية . الوصول الى هذه المدارس، يومياً، عبر طرقات ريفية، وبساتين ،وأراضي جرداء، ومقابروإحتمالات مشاهد ،تنطوي على مفاجآت ،وأحاديث رفقة الطريق بسيارات الباص الخشبية . والطريق اليومي من البيت القديم في المنّاوي الى العشار، مروراً بالكورنيش وذكرياته، وهو المسار الذي خططه لسير بطلة قصة "المئذنة" اولى قصص (المملكة السوداء".

البيئة هي المدينة القديمة، أسواقها الشعبية ،وسكانها وسحنات بشرتهم ، وإختلاطات أجناسها. المدينة بتوابلها ودرجات حرارتها الخانقة صيفاً.! ولون مياه شط العرب والجرف الأخضرورائحة المراكب النهرية ورذاذها والموج والرياح الشرقية.

أحياناً ينزاح البطل عن البؤرة الضوئية وتحل البيئة بدقائقها وهندستها و مناخاتها و ازمنتها وتشغل أماكن الأبطال. وفي أعماله الأخيرة اتجه كلياً نحو التنقيب في عوالم المدينة وأسرارها وعمارتها.
علية فالذي يكتب عن محمد خضير كالذي يقرأ له ، يجب أن يتعرف على بيئته تاريخاً وجغرافيا تماماً كمن يريد أن يفهم السياب يجب أن يتعرف على جيكور وما حوله ...وهكذا ارى الدخول الى عالمه ، الى ما قبل وما بعد (المملكة السوداء) من ابوابها السرية. وعلى قارئهِ أن يفهم لغة التصوير والرسم. وعلى ناقده أن يتخلى عن الحجج الجاهزة والمقولات الفلسفية في تأويل مرئياته التشكيلية، في الكتابة.


(1)

"المئذنة "
التشكيل والمضمن الجنسي

تتداخل في بناء القصة ثلاثة تيارات سردية :
- الواقعي
-الرمزي
-المرئي (التصويري)
وتوحي فكرة القصة ومضمونها بطغيان الواقعية ،غير أن نسيج القصة وتلافيفها الداخلية تؤكد بطلان هذا الإعتقاد. فالنص الشامل يتمظهر بالواقعية، كمضمون لقضية مطروحة على الفن، في صيغة البناء الهيكلي الأساسي، أما باقي التفاصيل، وفيها النسيج فتتبع ما نرغب بتسميته – المرئي- ويتضمن التصوير. وأيضاً الإتجاه الرمزي .

يروي ألأحداث ساردٌ عليم، ملم بكل التفاصيل والدقائق، وبمنظور خارجي ، يتنقل في زواياه التصويرية، تماما كما تعمل مجموعة كاميرات سينمائية ،فتارةً يكون المنظر الخارجي مكشوفاً أمامناسريع الحركة ، تنقله كامرة محمولة. وتارةً أخرى تقترب الكاميرة من التصوير النصفي المقرّب لنرى التفاصيل والرسوم الحائطية ورسوم السجاد . وأبعد من ذلك دبيب الحياة الى هذه الكائنات. ومحاوراتها وإنسجامها مع الإنفعالات التي تعيشها بطلة القصة. إذن هو السرد التصويري. الفوق واقعي ، التخييلي.
المحورالواقعي هنا يقوم على فكرة- نواة – واقعية ومضمون إجتماعي – أخلاقي، ومن وظائفه الفنية أن لايذهب بعيداً في معادلة العقدة والحل . وأبطال هذا المحور يستيقظون من النوم ويغادرون بيوتهم، ويتجهون الى بيوت كانت تأويهم في الماضي ،أوتمثل تأريخهم كما هي الحال في قصة (المملكة السوداء)وقصة (ألمئذنة) وفي هذه القصة تستيقظ الشابة من قيلولة الظهيرة، في سرداب البيت ولايُعلمنا السارد بإسمها، سوى أن الزوج غائب وترمز لغيابه وسادة الريش ( القلب الناعم) ومن تلك الإشارة يبدأ المحور الواقعي بألإشتغال بالدوافع الجنسية للشابة . وثمة دلالات رمزية في مكونات القصة فالسرداب يعكس مضمون باطن الأرض وشكله المتوازي الأضلاع والمظلم يوحي بالقبروصورته تتكرر في صندوق الشاي الفارغ وفي علبة الكبريت . وهي رموز للموت ،أو النفي ،أوالسجن،أما اليقظة وهي يقظة الطوفان الجنسي المكبوت فتُجسِّد ولادة الحياة .
الشابة في عنفوان الشهوة الجسدية وهي أمام المرآة وأكثر من مرآة تشاركها مشاعرها (ولما كانت تقف في زاوية خزانة الملابس ومنضدة الزينة ذات الرف الواحد فقد إرتسمت في كلا ألمرآتين كجذع مثمر بتفاحات ماسية كثيرة ألهبها النهار العاشق بذراته الشبقة ). وبشئ من الإسهاب، والتكرار، في الوصف التصويري لجسد الشابة وإنعكاساته على الثياب والسجاد(ومن دون أن تغسل وجهها ،أسرعت لغرفتهاوتوقفت أمام مرآتها بعد ان خلعت منامتها وإختارت من خزانة الملابس ثوباً إمتلأ بتفاحات وقد قسمت كل تفاحة بلونين : أبيض وأسود) ينحرف السارد-المصور الى محيط الغرفة. والمخلوقات الصامتة،ليبث الروح فيها، بالحوار السرّي (وعلى جانبي النافذة كانت جواري السجادتين المعلقتين تبارك إشتياق القلب المدمر على مرآة منضدة الزينة، كماأن قطط وغزلان سجادتي جانب الباب كانت تشارك في رقصة التآلف على مرآة الخزانة) .
المرأة الشابة – النواة - داخل السرداب المظلم، كالبويضة داخل الرحم وترمز وسادة الريش(القلب الناعم) الى السوائل المنوية الموعودة . أما ألمرايا فتدل على الطوفان الشهواني. ومثلها الرسوم على السجاد المعلق. (وفي ألأعلى حين تمر بها الأقدام دون إنقطاع فكأنها تسمع ترجيع نبض الوسادة-القلب يشدها لحظور زوجها الخفي.).
يغوص السارد في مخيلة الشابة-الزوجة. وإستذكارات ماضيها، من خلال حركة أقدام الرجال ،وحفيفها عند نافذة السرداب. وتلك الأقدام التي ترتقي السلّم الى غرفتها البنفسجية (مئات من الأقدام كانت تدوس وجهها وشعرها وفخذيها لتحيلها هشيماً في آخر النهار- هشيماً لاتقاوم لذته). نفترض في هذا النقل الحسي أن الفتاة كانت تعيش سعادتها في المبغى ، بعد كل نهار تتحول فيه الى هشيم لاتقاوم لذته.
ثمة سياق بطئ الحركة والأنفاس.. مشروع في تقنيات ذلك الزمن، وفي مخطط القصة التي يكتبها محمد خضيرو، هي أقرب الى مشروع رواية- كما اشرنا - ولأن المخيال التشكيلي يتدخل في الوظيفة السردية ،ويشغلها بألإستطرادت الصورية والخيال الشعري والحوارات الباطنية وبالتالي يتم ذلك على حساب الطفرات الزمنية ، وإحتمالات إلغاء الزمن التقليدي. وقد تخطى الكاتب هذا النمط من التقنيات فيما بعد.
المحور الواقعي الجنسي تنميه ثلاثة مراكز بؤرية هي:
السرداب (الشهوة الجسدية)
الكورنيش(التحرر والحياة ويحاكي التعري)
البيت القديم (الماضي- الدعارة)توديع هذا العالم المظلم.
يطول الوصف لعالم السرداب السرّي، ولكنه يفيض بالشاعرية فتجاوب الإنفعالات يتم بإستنطاق كافة الأشياءالتي يرصدها السارد .ومن هنا تكثرألأصوات الباطنية ويتعرض السارد للضوضاء والهذيان وبزعمي أن الكاتب يستعير في سردياته أساليب النقش على السجاد . وإن أصل الفكرة مستوحى من ألف ليلة وليلة ومن جواري بغداد في العصر العباسي . حين تستغرق المرأة الشابة بالخيال الجنسي (وإذا ماإستمرت السجادات المعلقة تغدق حياتها المعتقة هذه من دون حركة للأمام أو للخلف فهي ستعتقد أنها تنطلق كجارية بغدادية في ساحة صيد واسعة تطارد الشمس والغزلان الرشيقة) تتواصل العلاقة بين الشابة والعالم الخارجي ، علاقة الجسد بالشمس ، التي تتخيل مطاردتها مع الغزلان ، وهي تغادر البيت !( كانت الشمس هنا خافتة وقد إنكمشت في نهايات الاعمدة والجدران والريح الساخنة ، التي تمس بعجلةٍ أوراق ألاشجار على الرصيف ، وتنثني لتنفخ عباءتها وترفعها كشراع مشيعةً حول جسدها الجميل سخونةً جافة) نلتقي هنا بالإستجابة الطبيعية الأولى لجسدها ، إستجابة جنسية ،من قبيل التحرش والملاطفة . وفي وسط الشارع شاهدت سيارة رش الشوارع تقبل نحوها ، تطلق للجانبين شاربيها الفضيين حتى إذا جانبتها قطع السائق أحد الشاربين ثم أطلقه حين إجتازها )
وهنا تتلقى تحية إحترام وتودد في لغة العصر الحديث ! وفي سيارة الرش ترميزات ذكورية –آيروسية- الشاربين الفضيين ووجود السائق - ويواصل السارد – المصور متابعته لبطلته، المرصودة من جميع الزوايا، والتجاوب المشترك بينها وبين عناص الطبيعة ، المياه ورائحة القير، والأبخرة المتصاعدة منه، الأشجاروحفيفها ،الناس ومشيهم ألإستعراضي والجالسين في المقاهي ( فهم دائموا الإلتفات والتعجب وسمعت أحد الرجال الذين مرت بهم يقول " آه " فكأن البعض ما زال يتذكرها فهي الوحيدة التي تسير في الكورنيش .....والمهرجان المتحرك يخصها وحدها : من أجلها تزعق أبواق السيارات ، والأوراق تحتك ، والماء يتلون ، والشمس تهبط ، والآخرون يبتسمون ، ستزهر تفاحاتها ، لكنها قاومت الإغراء المفجع ، ورددت كنسمة النهر الرطبة " كلاّ كلاّ " ..) كانت تمارس البغاء قبل أن ينتشلها رجل ليسكنها في هذا السرداب . وسيعلمنا السارد لاحقاً إنها تركت طفلة ذات سبع سنوات ولم تُعلِم الزوج بذلك ،وإن خروجها عصراً لزيارة الطفلة ، وثمة تداخلات متضاربة في وجهتها – سنأتي عليها ! –
وتدخل الشابة الى الحديقة العامّة. لنلاقي النافورة في وسطها ، إسترجاع للشاربين الفضيين. وإستشعارات لأزمنة الممارسات الجنسية المتكررة حالما يصطدم بصرها بأقواس المياه الصاعدة والنازلة من النافورة، فتتسائل في أعماقها( أتذكرها الأقواس المائية بإلتماعٍ ما؟ بعين طازجة تتفرس عن قرب شديد في عري جسدها؟ أيذكرها سقوط الماء بشئ ما؟ بأقدام صاعدة؟) أقدام رجال تصعد السلم الى غرفتها(البنفسجية) في بيت الدعارة الذي يأوي طفلتها الآن.!وفي ذاكرتها ما يزال وقع الاقدام باعثاً لماضيها الثقيل وقد رصدنا ذلك الوقع في نافذة السرداب. هنا يجد السارد ربطاً صوتياً إيقاعياً بين قطرات الماء وإيقاع الأقدام في مقاربة ضعيفة . العامل الأساسي هنا يتمثل في الشهوة ( المدمرة) وطوفانها الذي إكتسح كافة الإحتمالات الأخلاقية والإنسانية . فلم يخبرنا السارد بوجهة الشابة الحقيقية وفي أعماقها يقظة جنسية وإستعداد للتوجه لمعاودة البغاء،وهي متجهة الى ذلك المكان لولا أن السارد إستدرك فغير وجهتها بإشارتين الاولى أنها خرجت بدون مكياج ، بل أنه جعلها ترتدي ثوبها قبل أن تغسل وجهها! وكل الإشارات تتضمن دلالات جنسية وشهوات انثوية طاغية وقد لانحتاج الى تحليل لغوي للوصول الى غايات الكاتب !ترى لماذا دخلت الحديقة العامة؟ إذاكانت متوجهة لزيارة طفلتها؟ ولم ترد الطفلة ببالها أو ببال السارد؟ وفي الحديقة كانت الأرض تستفزها جنسياً بالإغراء المفجع أيضاً، مندفعةً بالطوفان الجنسي الهادر في خيالها (وحسبت أن العشب الذي يمسك بقدميها وإن قطرات الماء العالقة به قد تحولت لصمغ يلصق حذاءيها،تحولت لمادة لزجة خانقة الرائحة). إحتفالية الشارع أُعدت لمشاكستها، وتحرير قواها الشبقية من الخوف، فالطبيعة مكونة من محيط عظيم من الشهوات، بالرموزوالدلالات الذكورية. ويتحرك المشهد تتابعياً بالمشاكسات والالفاظ والتحايا الصريحة والمبطنة، مثل توقف السيارة لتفسح لها طريق العبوروتعليق أحد الرجال"إنتظري"!. في الواقع يلاحقها ماضيها الثقيل بموزاة شهواتها المندفعة. الطريق تم إشغالهِ بالإحتفالية الشهوانية. في نهاية الكورنيش نلاقي كافة الدلائل المكانية المعروفة، من تفرعات نهرية وساحة "اسد بابل" والجسروالسوق، المحطة التالية لنصل الى المركز الجنسي الأخير( عبرت الجسروكإصبع بامياء محترق، إندست في زحام السوق الرئيسية الجيّاشة ) ونتوقع المزيد من الإحتكاك والتحرش في زحام السوق الجياشة والأكثر صلفاً و إحراجاً ( كانت ترمقها مئآت العدسات الدقيقة ) قبل أن تصل الى ملاذها المفقود، الملجأ المحشور بالقمامة. وسنأتي لاحقاً على وظائف المكان – الملجأ- المتكررفي قصص محمد خضير. وهذا المسارالتقليدي والنفَس البطيء ،التأملي ،هوالسياق المُتسيِّد على التقنية في منظومة السرد لهذه المرحلة من قصص الكاتب. بعد المسار الواقعي – الخيالي من ملجأ تحت الأرض الى ملجأ فوق الأرض محشور بالقمامة... نلاقي البيئة المكان – الزمان، بوصفها كياناً شخصانياً ،حاضراً، في قدمهِ، وتأريخيتهِ، وإندثاراتهِ وواقعيتهِ ،وفي سكونيتهِ. وتدفعنا التفاصيل الإستكشافية للمكان على إغفال الطوفان الجنسى الذى توقف جريانه الآن بعد وصول الشابة الى مأواها الجنسي القديم والذي يمثل حياتها الحقيقية....( منقّرالطابوق ذا فجوات تبرزأحشاؤها من أعشاش العصافير للخارج ) و(كوى دائرية توازيها كأنفاق للهواء وزرقة السماء). البيت من بيوت البصرة القديمة ذات الشناشيل والأبواب الخشبية الضخمة (الثقيلة كأبواب الجحيم). والمكان بارد ومظلم وشبه مهجور. في هذا المكان تركت المرأة طفلتها - من أب مجهول،ولادليل على أبوتها - وسنعلم سبب زيارة الأم لتدفع دينارين لصاحبة البيت عن رعايتها. ذلك هو البعد الأخلاقي الضعيف في الحبكة والنسيج . أما المضمون الفعلي فتدل عليه العلاقة السرية بين صاحبة البيت وهذه الزائرة- يصفها السارد بالزائرة إبتداءً من طرقها باب البيت الى نهاية القصة.-
العلاقة القديمة بينهما مزدوجة ومتداخلة، علاقة جنسية سحاقية يكشفها الحوار المتردد بينها وبين قوّادتها القديمة والتي ينعتها السارد بكتلة اللحاء السوداء، وعلاقة المهنة – بيع الجسد-1 لم ينحرف الكاتب في إستعاراته عن شخوص الواقع ودراسة ملامحها بدقة الرسام.( لإمرأة الظلام عينان بلون الإسمنت، أو هكذا تبدوان حين يغزوهما لهب الشوق المتوحش، تشتعلان كاللعنة وقالت الزائرة، وقد بدأت تعرق:
- كلا . كلا إنتهى ذلك الزمن الأول .) .... ( وتقدمت النار السوداء، تنساح قطرات مسرعة على خدها المتغضن، ولمست كتف الزائرة، ولكن هذه نفضت كفها بذعر:
- إني أمقت رائحتكِ. ليس كالأمر السابق.) نستدل في هذا المقطع على طوفان آخر من الشهوات المكبوتة، بدلالات لغوية مستعارة من النارواللهب والإشتعال والظلام والنار السوداء والشوق المتوحش. وندخل الى بيئة جنسية مظلمة. فالظلام صورة فضائية من صور الجنس المكبوت، وعليه فالرحلة التي قطعتها الفتاة – بطلة القصة- تجتاز أربع محطات مكانية- زمانية ..
(ظلام تحت الأرض- الرحم-
- نهارالعالم الخارجي- الحرية الجنسية -
- ظلام التأريخ ألإنساني!- الدعارة-
– الفضاء المفتوح – رؤية المدينة من السطح).
في المحطة الثالثة تجد الزائرة نفسها وسط تأريخها القديم. وفي مضمون الزيارة شوق مصحوب بالندم. شوق للمكان وذكريات تنطوي على إلفة مع المكان ، المكان الذي أواها أيام تشردها .فلا روابط ولاجذوروستواصل طفلتها حمل عبء التشرد القادم.!(صمتتا وكانت الزائرة متعبة ،كأنها بلغت برحلتها نهاية أيامها، وشاهدت نفايات هرمها، وإستحالت لروح سائلة غير مستقرة. قالت:
- لنصعد الى السطح الأعلى.
– لماذا السطح؟
- وماذا تظنين جئت أفعل؟ أنا أتفقد أمكنتي ولم أقدم من أجل أحد.) كانت تستكشف ،وتتفحص ماضيها وحياتها الخاصة، من خلال الزمن الذي غيّر هذه الأشياء أومحاها. لانعرف حقيقتنا إلاّ بما أحطنا بها من تواريخ وذكريات. إنها تعبر عن حقيقة ذاتية باطنية في قولها ( أنا أتفقد أمكنتي، ولم أقدم من أجل أحد). وماذا عن الطفلة؟ ماالذي يشغل أم عن طفلتها؟ قد نتوصل الى تفسير لهذا الجفاء....إذا إقتربنا مع السارد ومع الفتاة وعمتها من باب غرفة السطح البنفسجية، إبتداءً من الباب والقفل على شكل قلب ( قلب متحجر يحوي طهارة لاتتبدد ولم تلوثها الدماء النازفة من شقوق غشاء الجسد ، غشاء الأعضاء المرضوضة، والرغبات المذبوحة التي تنفجر وتنمو مع نقاط الزمن المتحولة المتسلسلة دون هدوء او عدد: حين فارقتها طهارتها سكنت هذا القفل...) وندخل الغرفة البنفسجية ، الغامقةِ البنفسجية ( كبنفسجية شفاه إحتقنت بالشهوة أو كباطن حبة عنب سوداء) في توصيف الغرفة بهذه الطبقات البنفسيجية، إحاطة رومانسية للزمن الماضي، المؤلف من بنية صورية ، لونية تشمل المكان والشهوة - باطن حبة العنب- ولون الشفاة-شفاه المرأة – النار السوداء- بمعنى آخر يستدرجنا السارد الى مملكة سوداء تسكن في الزمن و التأريخ.وحين تنظرالى سطوح المدينة، من فوق، تكتشف جريان الزمن وإنهدام معالمها القديمة وسطوح البيوت وقد نصبت عليها الناموسيات وترى المئذنة ( في إنحراف قليل عن الغرب إنتصببت مئذنةعالية، تركت الشمس الواهنة على زخارفها المقشطة الأثرية دفقاً من نثارها البرتقالي ) وترى عش اللقلق، وتستذكرزمانها الخاص ،غير أن العش تهدم أيضاً. وبالتالي ترميزات جنسية في المئذنة وفي البنية ألإيحائية للعبارة ( إنتصبت مئذنة عالية) والناموسيات والمضمون الجنسي الكامن فيها، والألوان ، البنفسجي للغرفة والأحمر لستارة النافذة. والدخول والخروج من الغرف المظلمة. كان السارد يتابع حالات البطلة عبر كشوفات مكانية وإمتدادات زمانية الى اصول الأشياء ورموز ودلالات إنعكاساتها.

المحور الواقعي الأخلاقي إتخذ من "مضمون الفكرة"الإنساني مركزاً لتفرعات خيالية وتوالدات صورية تشكيلية الأبعاد والمنظوروزوايا الرؤية كتقريب صور السجاد وإحتفالية العناصر الجامدة وإحيائها لوظائف رموزية. فالمشهد الأخير-رؤية المدينة من السطح- يكشف رمزاً يمثل مصير المدينة في العش المتهدم فوق المئذنة، أشبه مايكون بنصب المدينة أو دلالة الزمن اليومي على حياة المدينة، شروق الشمس وغروبها، حين تستذكره الفتاة ( العش متهدم... ذلك غريب. كان يعود لعشه في مثل هذه الساعة من كل غروب. كنت أرقبه وهو يحط في عشهِ وكنت أحس بإرتياح تام بعد تعب النهار) إذن هو رمز الغياب والإغتراب وتفكك الأسرة والمجتمع.

شاكر حمد
فنان تشكيلي وكاتب
- البصرة-
2013-01-25