الخائفون من 25 يناير 1

محمد طلعت
2013 / 1 / 10

اسمحوا لى أن أبدأ بالمثل الشعبى المصري الأصيل «اللى مش عارف رأسه من رجليه،يقعد بالمقلوب على الكابينيه»، وحين تنتهون من قراءة كلماتى ستعرفون لماذا اخترت هذا المثل.!

والآن، لماذا دائما يثار الحديث حول جرنا إلى الماضي والتشدق - قولا- بتطبيق الشريعة الإسلامية. تكثر هذه الهرتلة في مصر كلما ضعفت الدولة أو بمعنى أدق كلما ارتفع صوت العوار الأخلاقي وتدهور السمو الإنساني، انتشر وباء الإفلاس الفكري، وسُحِبت العقول على المستوى الفكري والشكلي إلى ماض سحيق لا يتجاوز حدود القرن الثالث الهجري تلك الفترة الزمانية المثالية لدى المفلسين حضاريا.

الفترة المثالية هذه تماما كما المثالية الجنسية حين يختل التوازن الطبيعى والهرموني في جسم الإنسان، ويميل إلى بنى جنسه- تلك العشيرة التى تتعاطى نفس النوع من الممارسة المتقوقعة على الذات والذوات المشابهة فى الفعل المشترك الرذيل الذى يجتمع حوله العشيرة-، والذى يتمتع بعضوية العشيرة هذه، فهو غير قادر على أن يتكيف مع الواقع ومع الغد ومع الآخر الطبيعى. والعيب هنا عيب مرضي يصل إلى عيب خلقى وخلل فى جيناته الوراثية، ومن ناحية أخرى قد يجدها النطع من أنطاع العشيرة فرصة للتسلية والتربح والسيطرة التى تصل إلى السيادة والسيادية ويحول باقى قطيع العشيرة إلى عبيد وخدم وفى هذه الحالة يكون المرض وصل إلى مرحلة خطيرة ليس على العشيرة لأنها لا تدرك خطورة ما تفعل بل تراه حقها الطبيعى فى الحياة وتدافع عنه بالموت بل تكمن الخطورة هنا على المحيطين بهذه العشيرة على المجتمع ككل من انتشار وتفشي هذا الوباء العنصري للسيادة والسادية فى أن تُنصِّب فردا منهم بالملك أما الآخرون فعبيد الملك، وبناء عليه يكون لحس الأعتاب وتقبيل الأيادى والأحذية. والاستمتاع بضرب السياط وما علي الخدم العبيد القطيع إلا التزام السمع والطاعة وإصدار كل ما يبرهن على استمتاعهم فى الترديد شعار الأمعة والعبودية.!

مرض العودة للماضى والسيطرة على الحاضر واستعباده وفرض عليه قوانين العبودية – نعم بمفهوم العصر الحديث عبودية- لهو أيضا مرض نفسي يصل لدرجة الشذوذ الذى لا علاج له غير بتره من المجتمع انطلاقا من القانون الديني وشريعته كقوم لوط.!

والسؤال كيف للطبيعة البشرية أن لا تقبل العلاج، أو بمعنى آخر أن لا ينفع معها العلاج النفسي- كما تردد فى الأنظمة السابقة من قصة المراجعات الفكرية التى تمت فى السجون للتيار المتأسلم وجماعات التكفير والإرهاب- وتأهيله حضاريا وثقافيا للتجاوب مع الآخر والمجتمع.

وفى غيبوبة العقل المصري وأثناء حالة النفاق الثقافى والفكري التى دارت منذ ما يزيد عن 40 سنة أفرز لنا الماضي ثلاث عشائر غريبة الأطوار والأشكال لكن يجمعها الهدف السادي الأوحد وهو اعتلاء الحكم والسيطرة على عرش البلاد. وجر العباد شكلا ومضمونا وقانونا إلى حياة ما قبل المصباح الكهربائي بحجة إنها الحياة المثالية للفهم الضيق لمفهوم الدين والحياة وحق العباد فى اختيار الدين الذي يختارونه بعقولهم.

خرج علينا أثناء تلك الغيبوية ثلاث عشائر. الأولى منها كفرت المجتمع والناس والحياة والخيار والجزر.! والثانية لا تقبل الحياة إلا بشروطها وما تراه وفقا للعصر الأول السلف. مع أن الواقع والعقل والبصيرة تقول كيف أقلد وأتبع وأنا لم أر صورة لهذا الماضي المثالى حتى شكل اللحية غير ثابت بين شيوخهم.! والثالثة جعلت المداهنة والجاسوسية منهجا لها تحت المناداة بمجتمع يقبل كافة الأطياف تحت حكم إسلامي، وفى أول ردة فعل خلال حكمهم تم انشقاق المجتمع بين مسلم ومسيحي وكانت أول كلمة فى خطاب رئيسهم "أهلى وعشيرتي" فكيف أصدق أن المجتمع عندهم حق للجميع.؟!

هذه الخلطة المرضية أفرزت لنا صنفين حكما وتحكما فى المصريين. والآن نعيش بين صنفين كما فكي الكماشة ناحية تهزنا وتستعطفنا باسم الدين، وناحية تهزنا وتستعطفنا باسم البلد وفى المساحة بين الفكين مجموعة ضالة تردد "خربتم البلد".

والصنفان تجار مَهرة يجيدون معسول الكلام وسم الكلام حسب الحالة والطلب، لذا وللأسف وعبر مواقف الصنفين المختلفة التى أوصلتنا إلى هذه التقسيمة: صنف ميئوس منه على الإطلاق، ولا ينفع معه علاج إلا بالخروج عليه فى قلب الميادين، وقلب نظام تكبره واستعلائه. والصنف الثاني جبان متبع كما قطيع الخرفان حين يسود النور وتسطع شمس التعايش وقبول الآخر فى ظل دولة تحترم حقوق الإنسان فسوف يتلون وسوف يجبر نفسه على أن يكون مواطنا متحضرا؛ ليدعو مرة أخرى بطاعة ولى الأمر وعدم الخروج عليه.!

والصنفان الله يكفينا شر فتواهم السياسية والدينية، وخراب المجتمعات التى هبطوا عليها حيث فرضوا حياة أسلافهم فى الدين وفى السياسية وهذا خير دليل على أحاديتهم الفكرية، ولنا فى السودان والصومال وأفغانستان آيات خراب تدل على خراب فكرهم.

25 يناير..

تخرج أو لا تخرج مصر باقية للأبد، وأنت الفاني، لكن قبل ما تبقى رمة فى قبر سكوتك، قبلها ستكون –ربما- محبوسا أو مكبوسا أو موكوسا.!