منظر الافتتاح في (قافلة الضياع) للسياب

شاكر حمد خلف
2013 / 1 / 7



لا نستطيع مبدئيا حصر الصور الشعرية المتوالية الظهور في هذه القصيدة المطوَلة والتي تتكون من مناظر ومقاطع سردية متوالية وأهمها المنظر -البانورامي– الافتتاحي ولابد من التذكير بأن السياب يستحضر في مخياله الشعري تقاليد القصيدة العربية ألكلاسيكية، كالاستطراد المطول في المعلقات، والصورالشعرية عند المتنبي وتحديداً في مطالع القصائد. ولأن تقاليد القصيدة العربية الكلاسيكية تتكون من مفتتح تزييني، غزلي، ينثر العطر على السامعين قبل إشهار سيوف الحماسة وعاطفة القبيلة والذي اتبعه المتنبي لجماليته الفنية، وتخطاه فنياً في مدائحه ، فإن السياب حافظ على هذا النمط الشعري - تقنية المفتتح التزييني -أحياناً كما في (إنشودة المطر) لا بوصفه تقليدا إنما بوصفه إستلهاماً – تراثياً – في إعادة بناء القصيدة العربية الحديثة !. واعتقد ان وجه القرابة الفنية بين السياب والمتنبي يتمثل في أهم عناصر البناء الجمالي للقصيدة العربية المكونة من مفتتح كالمقدمة الموسيقية يليه عالم القصيدة او فضاء الشعر .

يتكون المنظر الافتتاحي في ( قافلة الضياع ) من فضاء صاخب وارض تحترق ونيران تركض كالخيول تطارد الجموع المشتتة الممزقة الهاربة من القذائف و النيران، الفضاء غير موصوف وغير مؤشر علنا، ولكنه محسوس في ما يمكن أن نطلق عليه (مناخ النص) وهو الذي تكشفه النبرات الصوتية وطبيعة الحوارات و الاسئلة وتصادماتها وحراك المجموعات البشرية الهاربة من قدر مفاجئ يحيلها الى أشلاء ورماد ... هو مناخ النكبة والليل والظلام.

يستدعي الشاعرالعناصر الاساسية في ترسيم المشهد الافتتاحي وهي:

1-الاسطورة – وبنيتها الرمزية
2-القضية –ودلالاتها الانسانية -
3 - الذات – انا الشاعر – وإنكساراته وامراضه
ويجعلنا غير قادرين على فصل هذه العناصر او تفكيكها وذلك للترابط العضوي المحكم بينها . فالبعد الاسطوري يتخذ من قصة قابيل وهابيل محوراً أساسياً لديمومة الاحداث التالية ومركز المأساة – النكبة – موت هابيل الذي يحمل مأساة الشاعر – مرضه بالسل – والجوع الذي عاناه وصار رمزا لكل الجياع منذ آدم . أما القضية – ليلة النكبة - فهي العنصرالرابط الوسيط ومركز دوران الكون.
يشتغل الإبلاغ الصوري معتمداً وسائل ٌتقارب البث السينمائي تقنيةً وهي :
الحوار المباشر
والحوارالإسترجاعي – تسمية باختين عن حوارات ابطال دستويفسكي الباطنية –
والسرد العام – الشبيه بالتعليق ووجوده يتخلل المقاطع المرئية ويفكك البانوراما الى مشاهد أجزاء منقولة عبر إنتقالات زمانية – مكانية . وفي الطبقات الصوتية رواة تتباين نبراتهم وسرعة أصواتهم وتباعد المسافات بين مقاطعها وفيهم
الراوي المباشر- راوي المشاهد الحكائية والوصفية –
والراوي الضمني - صوت الشاعر في أصوات قابيل وهابيل والنازحين ! – وهو صوت القدر .!
والوصف الشامل للمناظر والاحداث الكامن في الحوارات – وصفاً ضمنياً -

في الاصوات الحوارية نبرتان وطبقتان تعود الاولى لصوت القدر ونخطئ إذا حسبناه صوت الشاعر وهذا الصوت إسترجاعي ومضطرب ويائس لذلك فهو مسموع بوضوح . وهو من قبيل المونولوج واحلام اليقظة.....
(أرأيت قافلة الضياع ؟ أما رأيت النازحين) تكشف نبرة السؤال حيرة السائل وحيرة قابيل و الفضاء الموحش والدمار الهائل والضياع . ويؤكد السائل تعريفه لقافلة الضياع، قافلة النازحين!
(الحاملين على الكواهل من مجاعات السنين
آثام كل الخاطئين) ونقترب من صورة الشاعر بين هؤلاء في محنة الجوع ويستطرد في تجسيم صورة القافلة ، البشرية النازحة من الحروب والجوع والتخلف ( النازفين بلا دماء السائرين الى الوراء كي يدفنوا هابيل وهو على الصليب ركام طين ) وإذ يستطرد الصوت القدري في التعريف بالقافلة الانسانية الضائعة نطل على مشاهد رمزية كالصليب وهابيل المتحول الى ركام طين والتعريف السريالي للصورة وكما يقول بريتون ان الصورة في الشعر هي الصورة السريالية. وفي الاستطرادات التالية نتعرف على السياب في جسد هابيل. يبث الشاعر نبرة البكاء والعويل في تكرار السؤال (قابيل أين أخوك أين أخوك) وهكذا يكتمل المشهد العام دونما إشارة لوصف من الخارج أو من الاعلى وقد تجسم لنا المشهد ... ضوضاء واضطراب وتشتت وغموض في الرؤية وظلام. فالكون يتعرض لعاصفة هوجاء ولم يرد قابيل الذي لم يقتل هابيل في هذا المصير المشترك إنما يحمل له الدواء ليشفيه من السل ! . فيأتي جوابه من أعماق صوت حزين ويائس ...
( يرقد في خيام اللاجئين
السل يوهن ساعديه وجئته انا بالدواء
الجوع لعنة آدم الاولى وإرث الهالكين
ساواه والحيوان ثم رماه أسفل سافلين) المنظر الافتتاحي ثلاثي الابعاد البعد الاول الاسطورة وإذا وضعنا عناصرها في الزمان والمكان فالزمان هو الابدية والمكان هو الكون وفي البعد الثاني القضية لابد من ترميز دلالات الزمان والمكان الواقعيان وكلاهما حدثيان بمجرد الإشارة الى مفردة -النازحين – ونستدل منها على مكان النكبة فلسطين وزمانها عام 1948 وللبعد الثالث – الشاعر – طغيان في الحظور المباشر وغير المباشر فالسياب كتب القصيدة عن نفسه ، مرضه وجوعه وجوع شعبه ومصير الجياع والمسحوقين والمشردين في كل مكان في الارض . والشاعر موجود في إستعاراته من البيئه – ركام طين – وغالباً ما ينظر السياب الى عالم شعره من خلال بيئة ابي الخصيب أو جيكور والبعد الرابع للصورة السيابية تتمثل في الحزن العميق واليأس وصورة الصليب الرمز الذي تكرر في صور شعرية خالقة وفي قصائده عن الحروب وعن نفسه . ويمثل الشاعر حظوره في مفردات الموت والقبور والهلاك والحفر والصخور والجدران والظلام والنهايات وكل ما يتصل بسيمياء الموت. (الجوع لعنة آدم الاولى وإرث الهالكين) وبعدما يرتفع صوت قابيل بالحياة والثورة (و رفعته انا بالرغيف من الحضيض الى العلاء) يظهر صوت السارد ليروي مشهد الغزو الليلي لحيفا
(الليل يجهض والسفائن مثقلات بالغزاة بالفاتحين من اليهود
يلقيَن في حيفا مراسيهن كابوس تراه
تحت التراب محاجر الموتى فتجحظ في اللحود) تتعدد الاصوات في شعر السياب وتختلط بتعدد الرواة من خارج النص او من داخله – الراوي الضمني – و فوق الضمائر و الاصوات ضمير الشاعر وصوته . وكأن الشاعر يقف على منصة أو مشنقة ويرى العالم منذ بدء الخليقة الى لحظة موته، لحظة ولادة القصيدة . وفي السياق التصويري يتعالى الإبلاغ الشعري الى ارقى مراتب الخيال ويمكن التخيل أن موهبة السياب تكمن في قدرته على خلق الصور الشعرية المتتاليه و يوظف هذه الموهبة في الافتتاحيات ذات الطبيعة السريالية - الرمزية الممتدة نحو التاريخ البعيد والجذور الاسطورية . وبعدها يتحول المشهد الخيالي السريالي الى نمط الاستطراد السردي بإيقاع مغاير... وقد يوقف الشاعر إيقاع الوزن – التفعيلة – الى وزن آخر او يتعمد زعزعة الوزن تطويعاً للصوت السردي الجديد . ويتركنا نترقب الصوت الجديد وقد يكون مألوفاً أو مباشراً.... لكنها لغة الشعر .

شاكر حمد
فنان تشكيلي وكاتب