أصحاب العقول الأحادية فى الفكر الديني

محمد طلعت
2013 / 1 / 3


لا فائدة من أصحاب العقول الأحادية - ذات الهوس المتطرف لسحب الغد إلى أمس سحيق- ولا جدوى من ممارسة الديمقراطية الفكرية معهم لأننا بذلك نضيع الوقت كمن يحرث فى البحر، لأنهم لا يؤمنون بالحوار.ينظرون إلى الديمقراطية كأنها رجس من عمل الشيطان مع أن أسس الديمقراطية قائمة على مبدأ الشورى فى الإسلام.!

يؤمنون فقط بتكفير الآخرين. الآخرون على الشط المقابل من النهر ما هم إلا كفرة وملاحدة وخونة، ووجب استتابتهم حتى لو كانوا علماء من الأزهر.!

مشهد البذاءة والسفه فى خطابهم المنحط وقدح الآخر، لهو من ضمن نصوصهم المقدسة فى آيات أفكهم المسعورة "وهو التمكين" فلا مستغرب عليهم إن قرأت تاريخهم أو شهدت حاضرهم؛ فتجد أعلامهم يسبون ويخوضون فى بحور من القذارة الفكرية والنخاسة الفقهية خروجا عن قواعد الآداب العامة والأخلاق وقوانين الفطرة الإنسانية التى نص عليها القرآن وشريعته وسنه الرسول. بل بكل وقاحة تجدهم يفسرون أقوال الرسول بما يتناسب مع انحطاطهم اللغوي والديني. قائلين وما العيب فى استخدام مفردة ("مومس" رسولك قالها من قبل ؟!".! فهل بهذه الوقاحة اللا دينية قادرون على عودة أمجاد الخلافة الإسلامية؟

هوس تمكين فكرهم وحلمهم جعلهم يشعرون بأنهم وأنهم فقط من يمتلكون صكوك الحياة والآخرة، وفى جرأة وقحة يحددون أيضا من سوف يدخل النار ومن سوف يدخل الجنة. لماذا؟ لأنهم لا فرق بين حلمهم وحلم بنى صهيون فى تكوين مملكة قائمة على أساس ديني فى مصر، ومنها يسيطرون على باقي العالم.

هذا الهوس جعلهم يظهرون ناشطين فى أوقات الانحلال العام للدولة عبر التاريخ- أو بإيعاز من الدولة نفسها لضرب خصومها من المعارضة كما فعل الملك فاروق، والرئيس السادات، ومن قبلهما سلاطين وملوك الإسلام–، كما أنهم ينتشرون وقت تخبط الرأى العام وضحالة فكره فى ظل وجود نخبة متغيبة أو منقطعة عن التواصل مع البسطاء. كل هذه العوامل جعلتهم يتجبرون فى خطابهم المسموم الرافض التكفيري، وكأنه قدر على مصر أن تظهر هذه الحثالة الفكرية فى السنوات الأوائل من كل مائة قرن.

المتتبع لتاريخهم يجدهم يلتفون حول مرشحهم وينادون له بالخلافة. أصحاب البطالة الفكرية - المتطرفة المفتونة بصنمية العبد لا برب العبد- نشطت منذ أن ضاعت هيبة الدين بعد مقتل الإمام على، وتقاتلوا بالسيف فيما بعد على بيعة الخلافة، فلا عجب إذن أن تظهر لنا الاعتصامات والاعتراضات المؤيدة المصرة على لزومية الخلافة وصاحب الشرعية. تلك العلكة الرخيصة التى قتلوا بها الإمام الحسين، واقتحموا بيت الله الحرام وضربوا معسكر ابن الزبير حول الكعبة بالمجانيق، وقتلوا المسلمين وحجاج البيت، فضلا عن سرقة القرامطة الحجر الأسود من الكعبة، وكله بما لا يخالف شرعهم وشرع الخلافة الدنيوية التى يريدونها. فلا عجب أن تظهر الخلافة الأموية فى الأندلس والخلافة العباسية فى بغداد وينشق عنهما ورثة الخلافة الجدد فى الخلافة الفاطمية ثم تأسيس المملكة الأيوبية ومملكة الماليك على أسس دينية من منطلق البقاء للأقوى ولمن يبنى مسجدا أكبر من مسجد الذى قبله. ثم الخلافة العثمانية. والمتتبع لسير هؤلاء يجدهم كما هو الحال الآن، لم يختلفوا كثيرا فى التجارة باسم الدين بنفس الهيئة ونفس اللحية باختلاف أشكالها وأنواعها. لكن يبقى الجوهر وهو رغبة السيطرة على الدنيا، وركوب البشرية مطية باسم الدين الذى فتح باب الحرية للجميع( لكم دينكم ولى دين......)

إن أسلوبهم واحد فلا إبداع ولا ابتكار، فقد ورثوه كما هو من أسلافهم القدماء؛ فالوشاية وتحريف كلم العلماء عند الخليفة والسلطان بأن يدس مثلا:" هذا العالم معترض على حكم مولانا.. والحل إننا نُقلِّب عليه العامة فى المساجد وفى الشوارع.. يضربونه ويحرقون كتبه بل ويسجن ويقتل ويدهس ويسحل بأيادي الهمج من أتباعهم وسط العامة.."، وقد تحقق لهم التنكيل بكل عالم ذي فكر مخالف لبطالة فكرهم. أئمة السنة الأربعة (أبو حنيفة النعمان، مالك بن أنس، محمد بن إدريس الشافعي، أحمد بن حنبل)، فضلا عن كبار الفقهاء والفلاسفة والمفكرين الذين نأخذ منهم جميعا وأضاءوا لنا حضارتنا الإسلامية والإنسانية. لم يسلموا من التعريض فى فكرهم وعقيدتهم والتضيق عليهم. ولعل فى سيرة ابن رشد مثالا واضحا لذلك، وخير دليل على بشاعة حقد أصحاب البطالة الفكرية ودعارة تجارتهم مع السلطان.

ليتكرر نفس المشهد فى بداية القرن الفائت وحتى الآن فى خروجهم على الإمام محمد عبده بفكره المستنير والإصلاحي واتهامه فى دينه وفى عقيدته. بل واتهام كل مفكر وجره إلى قضايا فرعية والتشكيك فى فكره مثل طه حسين والعقاد- إنهم لا ينصحون فى مجالسهم الخاصة لمريدهم بقراءة الكتب الإسلامية التى ألفها الأستاذان-، لذا ليس من المستغرب هجومهم على ابن سينا وتكفير الفارابي. فقتلهم للمفكر فرج فودة ومحاولة اغتيال الأديب العالمي نجيب محفوظ، وشماتتهم فى وفاة المفكر العقلاني نصر حامد أبو زيد الذى فرقوا بينه وبين زوجته، وهجر من مصر قصرا. كلها سيناريوهات غير مبتكرة بل متبعة نفس السيناريو، ونفس السلاح ونفس البطالة ونفس سموم العقل وسواد الصدور، لكل ما هو عاشق للحرية وللحياة وإعمال العقل.

ويتكرر أيضا مشهد الرغبة الجامحة فى هدم الأزهر والسيطرة عليه بإقصاء وعزل شيخه، والسخرية من علمائه، فالخروج على الأزهر ليس وليد اللحظة بل له جذور عبر المائة سنة الماضية على يد هؤلاء، وقد بدأها حسن البنا نفسه حين لم يستطع استقطاب أو اختراق علماء الأزهر، فسعى تشويها وقدحا فى ذمة علمائه، وباتت سنة إخوانية فيما بعد.

قد ابتلينا وابتلت مصر على مر عصورها بهؤلاء أصحاب البطالة الفكرية منذ أن سقطت الخلافة العثمانية وطفح على السطح العربي هوس المهوسين بفكرة بعث الماضي من رماد الخلافة العثمانية الدموية التى لم تنتج للعالم العربي إلا تخلفا وتشتتا وتشرذما وفقرا.

قاد هذا الهوس بعودة الخلافة الإسلامية -أو بالمعنى الأدق الاستيلاء على إرث الخلافة العثمانية- محمد رشيد رضا بإيعاز من آل سعود حينها بعودة الخلافة الإسلامية. وظن آل سعود أن لديهم القدرة بأن يحتلوا العالم بالوعظ الدينى الوهابي، ويرثون الخلافة العثمانية لتنشأ الخلافة السعودية، بعد أن استتب الأمر للمملكة الوليدة التى سرقها آل سعود فى لصوصية تاريخية وقحة فى اختزال اسم بلاد الحجاز كما كان يطلق عليها إلى اسم "السعودية"، على اسم عائلة مليكهم المؤسس، وهم فى ذلك يقلدون "عثمان الأول بن أرطغرل" مؤسس الإمبراطورية الإسلامية فى بلاد الأتراك وسمها بالخلافة العثمانية. هكذا كان الحلم العريض لآل سعود.

وتبدأ قصة الخروج الحديث على مسار الإمام محمد عبده ونهجه المستنير فى الفكر الاصلاحى الدينى والتعليمى لمصر وللبلاد العربية، ويبدأ انتزاع مصر العلوية- نسبة إلى محمد على صاحب نهضتها الحديثة- من التحضر والعلم والمدنية التى أسستها عقول أبنائها من أصحاب التنوير الفكري من الإصلاحيين وقادة التنوير فى مصر آنذاك. ويبدو أنه ثأر قديم لآل سعود فى رد الصفعة صفعتين لمحمد على على حروبه الطويلة ضد الوهابية وحصارها فى بلاد الحجاز. وكانت صفعة آل سعود قوية فى هدم مشروع الدولة العلوية التنويري فى مصر، وقد دان لهم وجه مصر وخربوها بالتلويث الفكري، كيف؟

بدأ "محمد رشيد رضا" الذى كان من أنجب تلاميذ الإمام محمد عبده، وقد كان رشيد رضا من أصحاب الهوس بعودة الخلافة الإسلامية وتعطيل فكره على حقبة معينة من الزمن الماضي، وقد وجد في الدعوة الوهابية السلفية ضالته. نجح رشيد فى تمكين الفكر الوهابى فى عقول تلاميذه، ومن حينها تغلغلت هذه الدعوات فى خفافيش تجار الدين فى مصر، وعليه تأسست الجماعات الإسلامية المتطرفة التى تأخذ من شعار آل سعود" "إعلاء كلمة الله فى الأرض" نبراسا لها، واستماتت هذه الجماعات فى مناصرة فكرة عودة الخلافة وإحيائها من جديد، ولعبت هذه الجماعات على موائد كل الملوك ما بين ملك السعودية وملك الأردن وحتى الملك فاروق فى مصر آنذاك، وعليه تكونت جماعة الإخوان المسلمين.

ومن المعروف أن الشيخ رشيد رضا كان من المقربين من آل سعود، حيث إن الشيخ رشيد رضا كان يؤمن بزعامة الملك عبد العزيز الإسلامية في المحيط السياسي للعالمين العربي والإسلامي، ويؤيد هذه الزعامة ويناصرها، وكان هذا التقارب بين الشيخ والملك على أساس اعتناقهما العقيدة السلفية، فالملك عبد العزيز يعد زعيم أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في عهده، ورشيد رضا أعجب بهذه الدعوة وناصرها وتأثر بها – ويعد أول من زرعها فى مصر- حتى قيل فى وصف الشيخ بأنه (الوهابي الأعظم و زعيم السلفيين)، وكان الشيخ يعد المدافع القوي للسلفية الوهابية آنذاك بل كان يعمل على نشرها من خلال جريده المنار. وكان يعمل على استقطاب المصريين للعمل فى المملكة، ويشرف بنفسه على اختيار المشايخ والمعلمين للعمل فى السعودية.

واقترب حسن البنا أكثر من الشيخ رشيد رضا وتأثر به، وأعجب بأفكاره فى إحياء الفكر السلفي وطالما وصف البنا جماعة الإخوان المسلمين فى بداية نشاطها بأنها جماعة سلفية حتى يستقطب لها المريدين والتبرعات السعودية ورضا الشيخ رشيد، وتوجت هذه العلاقة فى اختراق العقل المصري باختراق العقيدة الوسطية الإسلامية المصرية.

داعبت الوهابية أحلام البنا فى الصحوة الإسلامية السلفية على أساس إمكانية عودة الخلافة من خلالها، بلا شك أن البنا والمملكة قد استفاد من علاقاتهما القائمة باسم الإتجار بالدين، حين كانت العلاقة بينهما قائمة على الاستغلال السياسي المبطن بمعنى أن البنا استغل فيما بعد السعوديين، واستغل السعوديون البنا فى بدايته بمساعدته المالية ظنا منهم إنه بذلك يحيى السلفية الوهابية خدمة للمملكة بينما كان البنا يحيى فكرته هو فى ملك مصر وملك العالم العربي كله تحت إمارته بنزعة شيعية بأن يكون هو الأب الروحي المتحكم أي المرشد العام.

وعلى أية حال قد نجح النموذج الإخوانى وحكم مصر، وأيضا نجحت الوهابية بأموالها النفطية والعقائدية فى شراء الذمم والعقول العاطلة والباطلة حيث وجدوا من السعودية السند المادي والمعنوي، وفى السعودية اشتد عودهم وعنكبت شهرتهم، ولعل مشاهير شيوخ السلف مثل أبو اسحاق الحويني الذى تتلمذ وتعلم على شيوخ الوهابية فى السعودية، وغيره الكثير خير دليل على اختراق مصر.

إن مصر بالنسبة لأي متطرف دينى قلعة حصينة إن تمكن منها سيطر على العالم العربي، وهكذا أُدرِكت قيمة مصر بداية من عمرو بن العاص حين انحرف عن النهج المحمدي والعمري ومال إلى نهج معاوية، ومن بعده جاء أشباه الرجال ليسيطروا على مصر منذ الخلافة الفاطمية إلى يومنا هذا. يتحكمون فى مصر باسم الدين.

إذن هذه هي حالة التشنج والهوس التى نراها على الوجوه الكئيبة التى تطل علينا كل يوم غير مصدقة إنها اقتربت من حلمها فى انتزاع عرش مصر، ودان لها أمر الخلافة، لذا هم يقاتلون ولن يتركوها إلا بالدم أو بصحوة المصريين.