ارهاصات ثورية فى الأدب. مصر في (حواديت عيل موكوس) عند مراد ماهر،هي :-بنت عبيطة وهبلة-!

محمد طلعت
2013 / 1 / 2

استدعاء التراث الشعبي فى الحكى المعاصر ثمة يمتاز بها جيل الشباب من المبدعين المصريين، في محاولة منهم للوقوف على روعة الإبداع العربي الأصيل مع تجديده فى روح عصرية متبكرة. أمتاز بها المبدع المصري " مراد ماهر" فى حواديت عيل موكوس.
كما يعد هذا العمل الفنى من الارهاصات الإبداعية التى طالبت المجتمع بأن يتغير ويتحرك وينتبه ويحترس ويبحث عن ماضي كل ما جاء لهم فى ثوب السيادة والاستعلاء. ولعل هذا فيه اسقاط فنى ادرجه الكاتب، لكل ظهور فج من الرجال مالكون الثروة والسلطة فى المجتمع المصري. ولعله أيضا استشراف للمستقبل لما حدث الآن فى المجتمع المصري الذى لم يتعظ وكالعادة انساق وراء كل من يمتلك السلطة والثروة.
هنا فى هذا العمل ارهاصة استحيائية ثورية ضمن أعمال إبداعية أخرى والتى كتبت قبل مصر يناير 2011، وعلى سبيل المثال وليس الحصر نذكر مها: رواية"قبلة الحياة"للأديب الكبير فؤاد قنديل، ورواية"شاي المسطول" للأديب محمد طلعت. هذه الأعمال الإبداعية تنبأت و طالبت بضرورة ثورة كاملة على المجتمع المصري، ككل قبل أن تكون ثورة على النظام الحاكم حتى يتغير واقع الحال المرير للشعب وللدولة المصرية.
:
المشترك الشعبى بين "حواديت عيل موكوس" والحكايات الشعبية

إن متعة الحكاية الشعبية وكل ما فيها من خرافة وأهوال وتعدد الحكايات متوفرة هنا بشكل ما في "حواديت عيل موكوس" ثاني عمل أدبي بعد مجموعته الأولى"سلك شائك"، لمراد ماهر حكّاي مصري من طراز خاص تراه فى وجوه أصحاب "البقجة" الخضراء يلفون البلاد بالطبل والطار يسردون الحكايات طمعا في رغيف خبز حاف. لكن مراد هنا هو الذي يعطى الرغيف بالغموس لسامعيه رغيفا مغموسا بالأمل والحسرة على زمن الحكايات التى تبلورت فى الحدوتة الوحيدة اليتيمة التي نغنى حولها جميعا وهى حدوتة مصر!
على الرغم من براقة العنوان وخدعته، إنما ستجدون خرافة واقعية حواديت أكثر اتصاقا بواقع مُر معاش تعس يجمع شتات المعذبين و"الموكوسين"، وهذا ما ميز هذا الجنى المسمى مراد ماهر فى حواديته التى تفرد بها .

أي نعم، هو جنى عفريت من عفاريت الجن الشطار الذى اطلع على خبايا بنى الإنسان الموكوسين، وقرر أن يجلس على قارعة الطريق "يقف فى تراسينة - بلكونة الدار القديمة" أو يجوب القرى والمدن يدق على باب كل دار ويدخل فى حكايته مباشرة كاسر العرف التقليدي للحكاية الشعبية التي تبدأ بـ بسم الله والصلاة على النبى وكان كان. يكسر ماهر هنا هذا التابو المقدس فى الحكاية الشعبية ليغزل له ثوبا شعبيا أخر يتناسب مع عقله وشخصيته المتمردة على القوالب الفنية الثابتة وهذا ما يؤكده ماهر سارد الحكايات داخل كتابه الجديد وأيضا هذا ما يؤكده ماهر المؤلف فى مقدمته لكتابه الجديد باسم " حواديت عيل موكوس" الصادر لدار شمس للنشر والتوزيع يونية 2010، مع سى دى بصوت مراد ماهر مؤلف الحكايات يسرد حواديته مصحوبا بموسيقى الدكتور أحمد الحناوى.
ونبدأ مبارزة هذا الجنى عبر هذه السطور ولنر هل أفلح أم ماذا؟

العنوان:
" حواديت عيل موكوس" عنوان براق. ومن خلال تفاصيل العنوان وتقسيماته يتضح أن مراد استغل حب الناس إلى الحكايات وما لها من وقع نفسى محبب للبشر فوضع كلمته الأولى للعنوان حواديت ثم وقع فى مصيدة التوصيف، فلمن هذه الحواديت؟ أو من يقول هذه الحواديت؟ ويتطوع مراد فى الإجابة عن القارئ ويضع له التوصيف( عيل موكوس).!
وعيل فى اللغة كما جاء فى الصحاح تعنى الفقر، ومعاني أخرى كثيرة منها تعنى الصغير الذى يحتاج إلى الإعالة بسبب عجز ما. أما فى المعنى الشعبى فهى كل إنسان لم يبلغ معانى الرجولة بكل معانيها بعد، فيقال فلان عيل بمعنى أنه لم يتحمل المسؤولية بعد وهكذا، فكيف يكون هذا راوٍ حواديت؟
أما موكوس فهى فى اللغة من وكس كما جاء فى الصحاح الوَكْسُ: النقصُ أي الشئ الناقص ، وفى المعنى الشعبي تعنى أن المنعوت بها فرد خائب الذى لا يفلح في أي شئ. ، وهذا حال بطل الحواديت فهل يصلح هذا ليكون بطل الحواديت؟
ولعل مراد لو ترك كلمة "حواديت" كعنوان فقط أو " عيل موكوس" فقط، كان يكون أكثر إيحاء واصطيادا لقارئه إلى فعل القراءة عن عمد لفض لغز هذه الحواديت، لكن مراد وفر على القارئ طرح أسئلة العنوان، وما يقال بعد الحواديت التى سوف تأتى على لسان عيل موكوس.
لكنه العنوان الوحيد المناسب لهذا المنتج الأدبي الثاني لمراد ماهر" حواديت عيل موكوس" عاكسا طبيعة البطل الحاكي - العيل الموكوس، الذي لم يفعل شيئا سوى السرد والحكى. مجرد حكي لحواديته دون تدخل منه ليمنع الحدث من سوداوية المحكي.

الغلاف:
صورة الغلاف أكثر من واقعية، جاءت تعبر عن واقع السطور بداخل الكتاب حيث جاءت بطفل واضع وجه بين كفي يديه يفكر فى شئ ما أو يحاكى جنى الخربات. مطرق النظر فيما يحوم برأسه من وقائع الأمور وصعابها التى تبدو لنا نحن كبار مضحكات. أم بعقله هو غيب وغيم وأمر جلل حيث الإضاءة الخافتة وظلال الأشياء من حوله خاصة المئذنة وبعض هياكل القباب وديار وأسراب الطيور الحائمة فى عتمة ما بين النهار والليل. الغلاف جاء معبرا عن مضمون الحكايات بشكل ما حتى هيأ القارئ لحالة ما أشبه إلى الأسطورة، وفض الطلسم الذي يدور في رأس هذا الطفل الجالس على مصطبة الحكايات. لكن ما يأخذ على الغلاف تعدد صورة المآذن فهناك أكثر من مئذنة ومن المفترض أن هذه القرية قرية ما، وهى القرية التى يدار فيها زمن ومكان الحواديت وبالتالي أو كطبيعة القرية يوجد فقط مئذنة الجامع الكبير وباقي المساجد بلا مئذنة وهذا ما يؤكده "مقامة" بطل الحواديت حين ذكر وجود مئذنة واحدة فى الجامع الكبير للقرية " وف آخر المنظر من فوق بتشوف المادنة العالية بتاعة الجامع، بيقولوا ده أكبر جامع في الدنيا".

كلمة الغلاف الأخيرة:
كشف مراد كل أوراقه في كلمة الغلاف الأخير. وقدم دون وعى أو أدارك كل أسرار حواديته" حكتب كل الحواديت اللي بشوفها واللي حشوفها"،على طبق من ذهب للقارئ !

متن الحواديت:
الافتتاحية الاستهلالية للحواديت:
يرسم الراوى الحكاي تفاصيل وشخصيات الحدوتة الأساسية، وهى الدار المصرية فى إحدى القرى، دار مثلها مثل كل الديار، فيها ما فيها من عصب الحياة، وهو الجد وإدارة الحياة وهى الجدة "الست فهيمة" ، والأب والأم والبنت جرادة والطفل " العيل الموكوس" (مقامة) الذى ينقل العالم لنا، نحن سامعيه بعينه هو، كما يرى هو بلا تدخل أو مبالغة فى الوصف.

الحدوتة الأولى:
يبدأ ماهر بمقولة "المنظر من بلكونة دارنا يجنن يا اخوانا"، وهى مقولة تجبر المتلقى على الانتباه والمتابعة فما هذا الشئ الذى يسلب العقل من البلكونة؟ ويتسع المشهد باتساع الحكايات الفرعية إلى أن يصل إلى قلب الحدوتة وهى حدوتة "فارس" هذا الطفل الرامز إلى حياة الفطرة والحرية على اتساعها لكنهم الغفر بغباء شوهوا هذه الحرية ظنا منهم انه كلب يعوى.!
والمفارقة هنا بكل ما تحمل من رمزية سياسة غاشمة تقتل بداخلنا كل حلم جميل ظنا من هذه الغشومة بأنهم يحمونا أو يحموا الوطن. ويبقى الطفل الشاهد الواقف فى البلكونة الوحيد الذى يحكى الحدوتة بنفسه الذى كان فارس أحلامه هذا الـ" الفارس" ، كم تمنى الطفل الراوى أن يتحقق فى فارس. أن يكون هو فارس، لكن مصير فارس جعله يتردد بعض الشئ، وأن لا يبرح البلكونة ليرى المشهد أمامه أوسع وأدق فى تفاصيله، حتى يقول ويروى فيما بعد.

الحدوتة الثانية:
بعد ضياع الحلم الشخصى بالحرية والانطلاق بضياع وتشويه "فارس" بطل الحدوتة الأولى . يرسخ ماهر فى الحدوتة الثانية ضياع البنت الحلوة " مصر" هكذا اسمها مصر، ومصر عند ماهر هى "بنت عبيطة وهبلة"! على غير عادة الأدباء والرواة والحكايات الشعبية التى رسمت مصر بهية بنت حلوة وصبية، فهى هنا فى الحدوتة الثانية " هبلة" محرومة دوما جعانة دوما تبكى" جعانة يا بابا" لطمة قوية مستبدة على وجهها وجسدها الطفولى الغض من أبيها حين تصرح مصر بجوعها. ويتعاطف معها "مقامة" ويفكر فى حال مصر ويلقى بالتهمة كاملة على أبيها البهلوان بائع الأحلام و"حلى بقك" وبرغم الأحلام والوعود التى يبيعها الأب إلى الأطفال إلا أنه مع ابنته مصر يبيع لها الذل والضرب والإهانة " بس أما بفكر وأفكر، بقول مصر أكيد غلبانة، ذنبها إيه إن أبوها مجوعها، ذنبها إيه انه ذاللها ومبهدلها في بلاد الله، لا نومة مريحة، ولا هدمة نضيفة، ولا أم تريحها". يقرر "مقامة" الزواج من مصر أو الهروب بها" طيب.. أهرب بيها ؟يا عيني يا مصر". لكن يقف عاجزا أمام فكرة الخلاص التى يقدمها لمصر أمام سخرية أبوه" كنت تجيب نص ابتدائية" وهى سخرية كل أب أو أسرة عندما يحلم ابنهم أو يخرج فى مظاهرة حقيقية من أجل مصر البلدة، فدوما تعلق الأسرة" خدت شهادتك الأول يافالح أو يافاشل.. أو على حسب ثقافته الأسرة فتقول بلا خيبة يعنى أنت اللى هتحرر القدس يامعفور اتلم وخد كتاب ذاكر احسن"، أو بهكذا دائما تأتي ردود الأهل أمام كل ثائر يحلم من أجل مصر. وبهذه الصورة الرمزية التى يكتب بها ماهر حدوته وكأنه يؤرخ، كيف مصر ضاعت وكيف شبابها ضاع.؟!
مرة أخرى يضفر ماهر حكايته هنا على منوال الحلم القروي الساذج بكل ما هو مصرى بكل ما هو من المدينة خاصة المولد الذى دوما يأتي بحكايات وراقصات تضيف إلى حلمه الساذج الأكبر والحلم الأكثر عبطا فى الصندوق رقم عشرة فى لعبة عم فاروق السحرية ويقرر مقامة بطل الحكاية أن يفوز بالعشرة وحين يخسر" بس أنا رأيي إن فلوس الدنيا تهون لجل الحلم النايم جوه الصندوق المجنون " يكرر المحاولة لإيمانه الساذج بالوصول إلى الحلم المحال. و، و...
وبدون افتعال بطولة وهمية ثورية يختم ماهر حدوته بأن مقامة لن يستطيع أن يفعل شئ سوى سماع الحكايات، والاكتفاء باستمرارية لعبة عم فاروق أبو مصر" مش حقدر أساعدك، وكمان م الآخر مش حقدر أبعد عن أبوكي، لازم أكسب، لازمن ولا بد ألمس بإيديا العشرة"، برغم انه اكتشف سر اللعبة ورأى الجائزة الكبرى الواهمة الجاذبة البراقة الخداعة الكرتونة العاشرة، وجد أن"عم فاروق كان كاتب جوة الصندوق بحروف بهتانة كلمة " مصر "". وكأنه مرة أخرى ينسف ماهر بطولات الحكايات الشعبية والتبشير بمولد بطل يأتي مع الغد ينصر المظلومين ويحقق العدل يعيد البسمة لمصر.

الحدوتة الثالثة:
كنتيجة منطقية لضياع حلم الطفل في الحرية في الحدوتة الأولى كان ضياع البنت مصر فى الحدوتة الثانية واستبداد أبوها وتجويعه لها كان حتما أن تأتي الحدوتة الثالثة بغياب الشمس وشيوع الظلمة التى يرويها بطل الحدوتة الثالثة مقامة عن النكسة وحزن الناس و"تنحى جمال أبو مصر" ولكنه (العبط التاريخى) يتكرر مرة أخرى كما صار مع مقامة فى الحدوتة الثانية الذى قرر الاستمرار فى لعبة عم فاروق برغم اكتشاف زيفه وتعذيبه لابنته مصر.. وهو نفس الحال فى القرار الجمعى من أهل قرية مقامة في الالتفاف وراء عبدالناصر برغم النكسة وموت العيال على رمل سينا.!

الحدوتة الرابعة:
يبتعد مراد هنا فى الحدوتة الرابعة عن الترابط المنطقى للأحداث كما بدأها فى الحدوتة الأولى وصولا إلى الحدوتة الثالثة مؤرخا أدبيا (على الغرار التأريخ الشعبى) فيهن ما أصاب الفرد والمجموعة والبلدة ، لكنه هنا فى الحدوتة الرابعة يتخذ منحى أخر مغاير أقرب إلى الخرافة التي تضع المستمع فى قلب الحدث بلا مقدمات ولا أسباب، ويخرج المستمع أيضا من الحدث دون علم بما صار سوى قمة الحدث فقط، وهو في الحدوتة الرابعة" الولعة" الحريق الذى أتي على كل شئ فى القرية سوى المئذنة و قبة القصر.. لكنه مراد المتمرد على نفسه لم يترك مساحة لراوي يستقل بنفسه، فتدخل ماهر ووضع جملة يعبر فيها عن وجوده داخل الحدوتة ولعل فقرة "ريحة بكرة المتفحم والعمر المحروق". هي الفقرة الوحيدة التي تتفق مع طبيعة الحدوتة الأولى والثانية والثالثة.!

الحدوتة الخامسة:
اتصالا للحدوتة الرابعة وحواديت الغيبيات تأتي الحدوتة الخامسة تحكى عن نكتة الترهيب الذي طالما ينادى بها أهل الدين لترهيب الناس وتخويفهم بأن القيامة سوف تقام غدا.. وبالفطرة تجد الرعب بدأ يدب فى كل النفوس، والناس تبكى وتستغفر وتبدو أكثر طيبة عن ذى قبل، لكنها التوبة الكاذبة فيشرق الغد مع صباح جديد كله حيوية ونشاط فتعود الحياة بكل أرزالها وحساناتها . لتستمر الحياة كما هى حياة.. وهنا يخرج ماهر عن المألوف أو الوعظ الشعبى الغارق فى التدين الكاذب المنتشر فى الحكايات الشعبية عن أهوال يوم القيامة وحكايات العباد والزهاد والباكين والتائبين حتى يتعظ الناس ويقبلون على الآخرة كارهين الدنيا، لكن حدوتة ماهر هنا تعطى للدنيا النصيب الأكبر من الحياة الأولى التى لا حياة أخرى لها إلا فيما امن.

الحدوتة السادسة:
برغم طرافة الحدوتة السادسة والحس الفكاهى للحدوتة" الريس مات" يرصد الراوي هنا حالة الجموع البسيطة من أهل القرية الطيبة عندما يتقبلون أمر جلل أو مصيبة. حكاية فيها ما فيها من طرافة الحدوتة الشعبية ذات الحس الشعبى الخالص.!

الحدوتة السابعة:
يأتى الموت كطقس شعائرى يميز جماعة القرى ويشكل وجدان مقامة بطل وراوي الحواديت الذى تبدو معرفته للموت معرفة سطحية" طول عمري وأنا عايش وسط الناس اللي في بيتنا بشوف الموت من حتة بعيدة." من خلال المشهد الجنائزى المصاحب للموت من صراخ ولطم ولبس السواد وتجمع أهل القرية كلهم فى غرفة المتوفى وكلا يهمس ويفتى بحديث هامس على سبب الموت لكن كلها تصب فى نهاية بالدعاء وقراءة القرآن للميت. ويختلط الحدث- الموت فى الحدوتة هنا مابين موت معزة الجدة فهيمة، وموت الجدة نفسها، وكأن مراد يسجل قيمة أو معنى الموت عند أهل الريف الذى لا يختلف عنده موت كائن حي سواء حيوان أو إنسان، ربما هو نفس الحزن.! وأمام جسد الجدة فهيمة يقف الطفل أمام عالم الموت عن قرب ولا يدرى، ماذا يفعل؟ غير إحساس نما بداخله"ولأول مرة ف عمر الدنيا بعيط من كتر الحب".، والإنسان الفطرى ذو قلب ناصع يبكى وكأنه لم يبك من قبل أمام موت عزيز ويحوله هذا الموت من إنسان حزين إلى إنسان عاشق محب مخلص في سرد الحكايات عن هذا الفقيد الراحل!

الحدوتة الثامنة:
ترصد حالة وعى يقوم بها مقامة المغامر بحواديته ويقرر أن يرشح نفسه أمام محمد بك الراجح البطل المتضاد الخفى فى الحواديت صاحب العز والجاه والكرامات، وبرغم ما يشوب الراجح من أقوال الراوي عن سيرته غير النقية على استحياء طوال الحواديت السابقة إلا أنه هنا يقرر فى الحدوتة الثامنة أظهار الوجه الحقيقى للراجح، وهو يحمل رمزية عصا السلطة وجزرتها. الجزرة التى دائما يقدمها لأهل القرية ، أهل القرية الذين وقفوا ضد مقامة وقرروا تأديبه بالموت، ويستغل الراجحى الموقف بالعفو عنه ليحمله أهل القرية فوق الأكتاف هاتفين بكرمه وسمعته الطيبة، وتضيع رغبة الفرد في الإصلاح أمام استكانة الجموع من أهل القرية.

الحدوتة التاسعة:
بعد أن قرر الراجحى ترك القرية وبيع القصر ومقام جدته والخرابة من أجل أن يسافر إلى أولاده " فى بلاد بره"، وبعد أن بكته الناس وهتفت له بالا يتركهم، هتفت " للبيه" الجديد "محروس بيه" الذى اشترى الأرض والبشر من الراجحى بيه" أصل الناس في بلدنا غلابة بيتباركوا بالمجانين وأصحاب العمة وأصحاب المال؛ حتى لو كانوا من غير ذمة"، وفى الهتاف الناس لم تسأل حتى مجرد السؤال عن ما من هو" محروس بيه" المالك الجديد للأرض والخلق، ما فى غير مقامة افندى هو الوحيد الذى تسال وجاءت الإجابة من فم محروس نفسه بانه ذاك الطفل" ارجع يا مقامه لعيل كان بيمسي يوماتي عليك بالضحكة،عيل شفته من فوق بلكونة داركوا هربان من غفرا النقطه ال"مالهم قلب"، هربان من نبابيت عميانة بتساوي بينه وبين الكلب". انه فارس البطل الأول فى حياة مقامة الرامز له بالحرية، فماذا حدث لفارس ليصبح بك؟ هذا ما تركته الحدوتة للتصور والخيال!

الحدوتة العاشرة:
" الناس في بلدنا كانت لما تعدي بأي ركوبة من قدام قصر البيه أو دوار العمدة تنزل من فوقها وتجري وراها وهي بتزغر لها بالبصة المكتومة وتقول:" شييييييييه، متبصيش حواليكى، يلعن صاحبِك ". هكذا هو حال الناس فى بلادنا، يضعها مراد بلا خجل أو تجميل إنما يصفها بكل قسوة؛ لعل الناس تفهم وتقدر تختار " مين راح يبقى عليكم عمدة ؟ "
وتزداد المفارقة تعقيدا عندما يمنح للناس حق الاختيار فيما يتولى أمرهم، ويأتي دور رجل الدين وكأنه دور عمر مكرم، ويكرر مراد نفس السيناريو:" " محدش علمهالنا ف الأزهر يا أخوانا، وغلاوة سيدنا الراجح ما أعرف تتكتب إزاي كلمة عمودية ". ويأتي دور الناس فى المحروسة- القرية على من يكون لهم العمدة" والناس من تاني بتتلفت حواليها.. بتدور على حد يوافق."!

الخاتمة:
بعد سحر الحواديت والألغاز التى فتحتها شخصيات الحدوتة، والمتعة السمعية والنفس المتلاحق وراء قراءة العامية المصرية فى الحواديت التى فتحت أفقا جديدا لحد ما فى الكتابة الروائية" رغم تحفظنا عليها، اقصد العامية" إلا أن مراد لم يوفق في الخاتمة التى جاءت فاضحة لحد التهور الذى يصل إلى فضح المشاعر وتعريتها بلا فائدة.. يطول الحديث كمناجاة بين الراوي ومصر. نعم مصر تلك البلد الأمين وليس الشخصية التى أثارت الدهشة فى الحدوتة (الثانية) تلك الفتاة ابنه عم فاروق. الخاتمة لم تخدم الحدوتة، إنما جنت على لحظة أبداع مجنونة قادها مراد عبر حواديته العشر بجداره. فكان الأجدر بالراوي أن يوفر لقاء متخيل بين مقامة افندى والبنت مصر، كما لقاء فارس بمقامة، وتكون هذه المناجاة بين مصر الفتاة وليس البلد؛ لكانت أوقع وتكون أقرب إلى المنطق الروائي السردي، وليس داخلة أو مقحمة على الحواديت عنوة.

اللغة:
يفرض مراد ذوقه الخاص أو ولعه بالتغير وكسر الثوابت فى استخدام مفردات وتراكيب العامية المصرية القحة، ولكن للحق عامية يفهمها أهل مصر جميعا فليس فيها صعوبة على القارئ المصرى، لكن القارئ العربى أين من حواديت عيل موكوس؟
طرح هذا التساؤل يفتح لنا أفق الصراع الذى بدأ فى منتصف القرن الماضي نحو تأصيل أدب عامى فى الرواية أو القصة أو الشعر، حيث تبلورت في خضم هذه الأحداث اتجاهات متصارعة بدأت حول الشعر العربي الحديث بين أنصار الأدب الفصيح أو الاتجاه المحافظ وأنصار الدعوة إلى الأدب العامي أو الاتجاه التمردي الداعي إلى (التجاوز والتخطي)، فاحتدم الصراع بين الفريقين وظهر في شكل معارك أدبية اتخذت من مصر ولبنان موطنين لها.
في تلك الظروف أيضاً عرف شعر العامية في هذين البلدين تطوراً كبيراً، فبصدور ديوان (كلمة سلام) للشاعر المصري صلاح جاهين، كانت العامية بما تسلحت به من تراث ابن عروس وبيرم التونسي قد قطعت شوطاً لا يستهان به، استطاعت من خلاله أن تلبي احتياجات السليقة الفنية عند الشعراء، بحيث اتخذت لنفسها أشكالاً ساذجة تدور حول العمود الخليلي تارة، ومقتحمة إياه تارة أخرى بأنغام جديدة وموضوعات شعبية عامة تدور حول الحياة العادية البسيطة، أو حول الحكايات والأساطير.
وقد تمكن فؤاد حداد ـ الأب الشرعي للحركة الشعرية العامية في مصر الحديثة ـ من تخليص شعر العامية من خصائص النشيد القومي والأغنية المذاعة، وينتهي به إلى ما يمكن تسميته بالمضمون الفني الذي يعالج التجربة الإنسانية في أبعد حدودها، فاكتسب هذا الشعر على يديه قيمته الفنية الخاصة، والتي كانت بدورها من روافد التجربة الشعرية العربية المعاصرة.ومن هنا استقر تيار العامية عند الشعر وتجدد على أيدي شعراء أقل ما يقال عنهم عباقرة منهم صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي على سبيل المثال. أما الحال فى الرواية أو القصة فلم تكن عاميتها محظوظة كما عامية الشعر. لعدة أسباب منها أن روح السرد الروائي والقصصي قالب حافظ على نفسه من أي تمرد عامى، وإن نجح فلم يكتب له التواصل أو التجديد النابع من بنية المضمون نفسه وليس من بنية الشكل المفرداتى للعامية. وقد استمرت كوكبة أخرى من الشعراء والأدباء تؤسس لهذا الاتجاه وتعمل على تزكيته وتطويره من أمثال المازني وإلياس أبو شبكة وأحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه ولطفي السيد وعبد العزيز فهمي وسلامة موسى. لكن الاتجاه العامى فى الرواية أو القصة لم يجد صدى فتارة يعلو ويخفض والتجربة فى حد ذاتها مازالت قيد التجارب القليلة التى لا يمكن أن تكون ظاهرة ويعتبرها الباحث نواة للدراسة.
مع الرغم أنى من مؤيدى التغيير وكسر التابو المقدس فى القوالب الأدبية إلا أنني لا أميل إلى استخدام العامية بالكامل أي كتابة نص أو رواية أو قصة بالعامية كاملة خاصة وإن كان النص هذا يقترب فى الشمولية والديمومة والخلود لذا الضامن الوحيد لديمومة النص ووصوله لكل البشر إن كان بحق بلسان عربى فصيح.
فكان خيرا لمراد إن كتب حواديته بلغة وسطى كما ناد بها توفيق الحكيم أو مزج لغته الفصحى بالعامية الفصيحة حتى يسهل على قارئه العربي المتابعة.

المشترك بين الحواديت العشر وحكايات التراث الشعبي:-
المشترك الأولى:
يفتتح مراد حواديته فى (الحدوتة الأولى فقط) بالجملة الاستهلالية لشد انتباه مستمعيه أو قارئه على عادة الراوى الشعبى القديم فى حكايته ، لكن مراد كالعادة يغير كما يشاء؛ فيغير جملة الاستهلال من يا سادة إلى يا أخوانا.
والفارق هنا فى حواديت مراد نبرة الاستعلاء على جمهوره فهو ليس بالخادم الأمين الذى يقدم كل طريف حتى يعجب به القوم متواضعا فى مقولة يا سادة. فهو هنا يختلف عن الراوي الشعبي إذ هو ند للمستمع. فهم ليسوا بسادة وهو ليس أدنى منهم بل هو أخ لهم مساو لهم. وكأنى بمراد حين كان يكتب "يا اخوانا" على الورق كان يردد بين نفسه" ياعبيدى" !!!

المشترك الثانى:
إيقاع السجع الخفى الرابط بين الحروف المتشابه بين حواديت مراد والحكايات الشعبية القديمة، مما تعطى جرس موسيقى يسهل حفظ الحواديت وقد نجح مراد هنا فى العزف بمهارة شديدة على ربابة الحكى فخرج النغم موزون، ولعل هذا ما أغرى الأستاذ أحمد الحناوى بعزف الحواديت ووضع مقطوعات موسيقية مؤلفة من وحى هذه الحواديت.

المشترك الثالث:
تعدد الحكايات فى الحدوتة الواحدة وهى عادة متأصلة فى الأدب الشعبى هناك حكاية أُم ثم يخرج منها حكايات فرعية أخرى كثيرة تخدم على الفكرة الأساسية بهدف الاستمتاع والترويح على المستمع- القارئ، ومرة أخرى يتفوق مراد هنا على نفسه فى سرد كم كبير من الحواديت التى لم تنته من جعبته الفنية وإحساسه الشعبي العالي بالناس، وبماذا يريد الناس من أن يسمعوا.

المشترك الرابع:
البطل عند ماهر بطل سلبي اكتفى بمتابعة الأحداث وسرد الحكايات، وعندما أراد أن يكون مؤثرا في الأحداث حيث تغييرها إلى الأفضل لم يستمر، وفشل بفشل المجموع حوله واستسلامه لهذا المجموع التابع لثقافة الخنوع، وكأن بطل مراد هنا يقول لنفسه بلسان حال الحواديت ( وأنا ما لي تتحرق على رأسهم). إنما البطل في الحكاية الشعبية بطل ايجابي مشارك في الأحداث بل يقلب الأحداث رأسا على عقب حتى تتحقق النبوءة والغد الأفضل والعدل وإرجاع الحقوق لأصحابها.

ويبقى كلمة أخيرة. إن ماهر برغم سلبية بطله في حدوتته إلا أنه ابن بار لهذه المرحلة لم ينسب لنفسه بطولة مزعومة أو يبيع الوهم للواهمين.
ولعلى اتفق معه.!