شاي المسطول.. و كُوَةُ جُدْرَانِ الخِزْيِ

محمد طلعت
2012 / 12 / 31

فصل من رواية"شاي المسطول" كتبت ضد النظام المصري السابق، ولم يتغير الحال مع النظام الحالي. فالاثنين لهم نفس الشيوخ الذين يبررون أخطاء النظام باسم الدين.! والنظامين لهم نفس الشعب المضحون فى تراب الهم والفقر. يحتفلون على القمامة ومابقى من ورث السادة الأثرياء.. الحال لم يتغير بل زاد حال الشعب فقرا وضنكا.. وماتبقى إلا حلم هارب فى عيون المصريين بأنهم ذات يوم ينتصر أمام نفسه وأمام زوجته وأمام عياله..!


.....................................................

جاء في الكتاب المسطور المهجور

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ السَّيدِ وَوَلَدِهِ الرَّجِيِم
﴿ م ص ر☻تَلَكَ الْبَلَدُ الأَمِينُ التَّى نَطَّ عَلَيْهَا كُلُّ مِنْ هَبَّ وَدَبَّ☻ وسَرَّاقٌ لَئِيمٌ☻ وَالدَّابَـةُ المَرْبُـوطَـةَ...☻ ﴾
مَسطورة (81 )
بعد الألف والتسعين

و كُوَةُ جُدْرَانِ الخِزْيِ
.........................................

مرت الأيام والسنوات ثقيلة، و...
الليلة.. كانت ليلة العيد.
اتفقنا أن نشترى بعض الملابس الشفافة لنسائنا لزوم الفرفشة، واستعدت النساء كل واحدة لفحلها الجسور بالاستحمام وتمشيط الشعور وقضم الأظافر، ونتف بعض الشعيرات المتفرقة فى أنحاء أجسادهن.. وافترشن السطوح عرايا... ومع جذب الشعيرات الشيطانية المنتشرة فى ربوع أجسادهن بدأن فى وصلات الصراخ، التى تزداد كلما بلت إحداهن إصبعيها بالماء وغمستهما فى كومة رماد الفحم المخلوط بحبات الرمال... وتجذب الشعيرة وتخرج الصرخة من أعماق أجسادهن الفقيرة...
بين آهات الحسرات، والرغبات، والصرخات تقول زوجة الزميل فوزى:
" أين أيام الحلاوة؟".
ترد عليها زوجتى:
" وهل وجدناها طعاما حتى ننتف بها؟!".
وأردفت ردها بضحكة ساخرة ومريرة فى نفس الوقت.
لم تترك كعادتها زوجة زميلنا الطويل فرصة التدخل فى أى كلام حتى تدلو بلسانها الطويل فى كل شئ، وقالت مفندة متفاصحة:
" أنتن بلهاوات أجمع. أتعرفن بكم سعر كيلو السكر ؟.. أتعرفن إلى كم وصل سعر الليمونة الواحدة؟.. احمدن ربكن أنكن تجدن التراب".
قالت زوجتى مقلدة زوجة الزميل الطويل :
" حقا أنى سمعت أن الحكومة تعد قانونا لبيع التراب وتنتظر عرضه على مجلس الشعب لأخذ الموافقة!"...
رحن جميعا فى نوبات الشد وفرك الشعيرات من فوق الأفخاذ...
كنا نسمع نحن الفحول الزملاء آهات زوجاتنا تليها بعض الصرخات التى تخرج شبة مكتومة وأخرى تخرج أشد هياجا لانتظار الليلة الموعودة... وكنا نقول فى سرنا:
" يارب انفخ فى صورتنا وارفع راياتنا، ولا تخذلنا هذه المرة أمام نسائنا".
ومن صدق حرارة الدعاء نطقنا جهرا:
" آمين!".
استعد كل فحل لهذه الليلة بشم ما لذ وطاب من الأدخنة المتصاعدة من نوافذ أدوار علية القوم من ساكنى البناية التى نعشش فوق سطوحها... وإذ بالزميل الطويل يفاجئنا بما لم يحدث على الإطلاق منذ سنوات وسنوات... دخل علينا حاملا لفة قمامة بها بضعة من قطع هياكل عظام لدجاج مشوى، وزجاجات بيرة فارغة إلا من بعض قطرات قليلة جدا آثرت أن تبقى فى قعر الزجاجة لعابر ظمآن.. وقال مهللا:
" السهرة الليلة ستبقى حتى الصبح.. كلوا واشربوا وضاجعوا نساءكم".
قال الزميل فوزى متسائلا بعد أن دخل الشك فى قلبه :
" أسرقت يا زميل، أم اختلست.. فمن أين لك بهذا؟".
فرد الطويل مدافعا عن شرفه مازحا:
" لا هذا ولا ذاك، أيها الزميل فوزى.. فقط اشتريت عمر أفندى".
الدهشة ألجمتنا جميعا فقلت له:
" كفى مزاحا. صحيح نحن فقراء ولكننا زملاء فى الفقر الشريف العفيف.. وعليك الآن أن تخبرنا قمامة من هذه؟".
رد الزميل:
" أتعرفون الثرى النفطى الذى اشترى شقة عمر افندى؟.. الآن هو اشترى أجمل وأكبر طابق فى البناية. اشتراه بالكامل".
هنا نظر الزميل فوزى بشهية قلب يملأه حلم العروبة والوحدة العربية إلى الفتات الذى تركه البدوى متنهدا:
" على أية حال هم إخواننا فى العروبة. هم أفضل من الأجانب الذين اشترونا وعما قريب يشترون البناية بالكامل".
اعترض الزميل الطويل على فتات الحلم العربى الذى يتشدق به الزميل فوزى:
"نعم؟!.. العربى الذى يضاجع نساءنا سرا وعلانية من شدة فقرنا، ويبيع لحمهن فى أسواق النخاسة، ودعارة الشبكة العنكبوتية... ويشترى أمهاتنا للخدم وأعمال عبيد الجاهلية... أهذا هو الذى تنتظر منه أن يجمل لنا البناية؟... أراهنك أنه بعض قليل سينضم إلى قافلة لصوص البناية!".
اشتد الحوار واحتدم، ولم ينقذ رقبة الزميل فوزى من يد الزميل الطويل إلا دعوة نسائنا للفراش.
أما عن زميلنا حامد مبارك فهو أصغرنا سنا، وُلِد فى ليلة نحس كما يحلو لأمه أن تذكره دائما بليلة مولده:
" من ساعة ما اتولدت والخميرة انقطعت من البيت.. كانت ليلتك والليلة كلها نحس يا ابن مبارك.. داهية تأخذك وتأخذ أبوك".
وتنظر خلفها إلى صورة معلقة على الجدار وتبصق.. وتبصق دائما على هذه الصورة كلما رأت الزميل حامد، وتذكرت ليلة مولده... تلك الليلة التى انتقلت فيها ملكية البناية إلى السيد الطحان إثر مقتل مالكها السابق فى حادث اغتيال مروع.
كبر الزميل حامد وكبرت أيام وسنوات البطالة، وقلة الرزق والشذوذ فى الاستكانة والمهانة والصمت، وتغيرت ملامح البناية إلى ملامح بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
مسخ ضاع فيه الولد، وتعرت فيه البنت، وتجمد فيه الأب، وخدمت فيه الأم... ومازالت الصورة التى تبصق عليها أم حامد معلقة فى كل عشة، وعلى البناية بالكامل.
بعد هذا الوجع لم يبال الزميل حامد بكلمات أمه إليه، فهو قد اعتاد عليها منذ أن وطأت صراخاته أرض البناية... وراح يدندن:
" الليلة عيد.. الليلة".
كان استعداد الزميل حامد لهذه الليلة مختلفا، ولكنه كان أروع، حين اعتاد أن يقضى ليلته هذه مع أكثر من "مُوزة" على حد تعبيره. متجرعا أقداح الشاى.. وقد كانت "المُوزز" مستعدات على السطوح حيث الفضاء الواسع بلا حدود، وأقداح الشاى مرصوصة أمامه على السور... فقط استعد بفيلم جنسى طويل مدته ثلاث ساعات.
كان الزميل حامد فى واقع الأمر أكثرنا فرحا واستعدادا فى تجهيز سهرته لقضاء ليلة العيد، لأنه كما يقول:
"أكتفى فقط بجرعة مزدوجة السحب من قدح الشاى ليزداد التخيل والفرجة، فلا زوجة تقول لى اعطنى، ولا تقول لى يا خيبتك حينما أفشل فى أداء مهامى الأساسية فى الفراش".
والحق كان معه.
فزعقت زوجتى:
"يا خيبتك ياقرموط البرك الذى يراك يقول عليك سبع، وأنت ياحسرة!!!... هيا اخرج انصرف"، وبالطبع اصطحبت جملتها الأخيرة قذيفة من يدها اليسرى القوية فردة قبقابها الخشبى، ولولا ستر الله لجاءت فى رأسى؛ فكانت من نصيب الباب الذى تصدع أثر القديفة. فما كان منى إلا الركون إلى الحكمة فى ألتزام الصمت وخرجت إلى فضاء السطوح.
أما زوجة زملينا الطويل فكانت أشد قسوة صارخة فيه:
" أصوت وألم عليك الناس يا معفن بقى لك 28 سنة ماعرفت وحدك أين الخرم ؟!.. وعندما أدخله ينام يا واطى يامرتخى.. وحياة أمك لأذهب إلى شباب الفكر الجديد من سكان البناية يمكن أحدهم – ولا مانع إن كان كلهم- يكيفنى قدام عينك يمكن تتلحح وتعرف ...".
وصمتت فجأة كمن تفكر فى الأمر بجدية، أو كمن راقت لها الفكرة وتابعت كمن تكلم نفسها:
" واحد فقط؟!.. لا والله؛ لأفضحنه فضحيته بجلاجل، وياحبذا لو عرفوا مكان الخرم فلن أمانع إن جاءوا عليه مستقلين أو أحزاب!".
لم يجد الزميل الطويل مفرا أمامه إلا الجلوس بجوارى على حصير السطوح وأخذ يصب له قدح من الشاى الملغى، وتلاقت نظرة عيوننا مع صوت شفطة الشاى فى صمت الحملان.
أما الوضع فكان مختلفا قليلا مع زميلنا فوزى الذى رأيناه جالسا مع الزميل حامد يتجرع قدح الشاى فى صمت، وحين سألناه ماذا حدث معك؟.
فأجاب الزميل حامد: "الزميل فوزى فضل السلامة، وجلس معى من بداية الليلة".
فتذكرنا جميعا مأساته الأليمة حينما خرج في إحدى المظاهرات، وأصيب فى أعز ما يملك الرجال بإحدى ضربات عصيان الأمن المركزى، وبعدها اكتفى الزميل بالمشاهدة فقط حتى زوجته هى الأخرى أدمنت المشاهدة فقط، لكن والحق يقال إنها امرأة فاضلة تجلس على استحياء فى أحد أركان السطح بعيدة، وتشاهد من بعيد آهات النساء وتستمنى حسرة فحلها وحسرة شبابها، مع إيمانها الشديد فى عودة الوعى يوما لزوجها فوزى العزيز.
هنا ضحك الزميل حامد على المشهد الذى جمعنا، نحن الفحول مرتخى الرؤس، نشاهد الفيلم الجنسى... غير مصدقين ما نرى.. أمعقول.؟!
أهذا يحدث فى القلعة.؟
وأين المدرعات وعصا عسكر الأمن المركزى.؟!
وداخل أسوار الجامعة..؟
ونفق العروبة..؟
وأيضا عند سفح الهرم..؟
وفوق ظهر أبو الهول.؟
أجاب الزميل حامد على كل تساؤلاتنا:
" هذا أحدث فيلم أمريكى تم تصويره فى الطوابق المشهورة فى البناية".
لكن الفتاة التى ينكحها الرجل الأمريكى فتاة... نعم هى ابنة جارنا فتح الباب البواب، الذى يسكن هناك فى آخر عشش الدجاج على يمين السور، جار عم نبيل صاحب قدرة الفول، وعم تادرس الصرماتى، وعم محمود عامل المصعد، وعم بهاء بائع غزل البنات.
نعم هى... وقد فاتك وأنت بداخل العشة مرتخيا مكسوفا أمام زوجتك الكثير من المشاهد الصارخة.. ما كنت أظن أن الفتاة تمتلك كل هذه المواهب الساخنة.. ترقص وتغنى وتتعرى.. كل شئ تجيده الفتاة إلا عدم مقاومتها للقضيب الأمريكى.!
نعم هذا صحيح. وفى هذا الفيلم الكثير... لكن أشد مشهدا... مشهد الفتاة الإسرائيلية تلحس وتمص الفتاة المصرية، وتثيرها بعنف وتدخل فى فرجها قضيبا خشبى تمهيدا لدخول قضيب هذا الأمريكى.
من شدة الحسرة والرغبة المبتورة نطقت زوجة الزميل فوزى على استحياء:
"شفتم القضيب مرفوع الرأس كيف؟ منتفخ الأوداج كيف؟".
وهنا خرجت نساؤنا على صوت كلمة القضيب متلهفات متمنيات أن القدر لعب لعبته معنا، وأعاد علينا انتصاب قامتنا من جديد.. وحين شهدن المشهد فزعن صارخات رافعات القباقب.
نطقنا كلنا فى صوت واحد:
"هذا الشريط يخص حامد وليس لنا فيه يد".
فقررن على الفور أن يخترن زوجة لحامد الذى قفز من فوق سور البناية بعد أن قال كلمته:
"لماذا تردن زواجى؟ لأبقى مثل رجالكم مرتخى الرأس!".
نطق الزملاء فى صوت واحد إثر كلمة الزميل حامد:
"واخجلتاااااا".
وتركنا الفيلم الجنسى والرجل الأمريكى يلتهم فتاة البناية المحروسة.. ووقعت أعيننا على عدة كلمات أسفل الفيلم (شكرا للسادة المسئولين الذين سمحوا لنا بالتصوير فى هذه الطوابق مؤمنين بالترويج السياحى للبناية).
بعد أن انتهت الليلة بكل مافيها...
فى الصباح خرجنا لصلاة العيد...
اصطف في الأمام جميع عجائز حكماء الحرس القديم للبناية، وبجوارهم يتثاءب ويتنطع عيال الفكر الجديد أصحاب "الواد" ابن السيد الطحان صاحب البناية، وفى الصدارة تربع "الواد"، وخرج علينا السيد الطحان صاحب البناية، دائسا فوق الأكتاف وعلى الرقاب معتليا المنبر خاطبا بكلمات لم نفهم منها أى شيء، غير أن آذاننا التقطت من فاه ويده:
" يجب تطوير وتحديث سطح البناية وإزالة العشش وهذا من أجل الترويج السياحى للبناية!!!!!!!!!!!".
وعندما سمعنا هذه الكلمات غرقنا فى الضحكات.. مما اعتبرنا حكماء ولى الأمر من المختلين عقليا:
" اخرس ياواطى منك له، شكلكم من عيال المظاهرات الفاضين...".
وأمروا بخروجنا... وأفتوا في الحال أن صلاتنا غير شرعية وإذ أطلق ولى الأمر علينا كلابه، وذئاب الجوع والفقر والبطالة، ومتنا فلسنا بشهداء، ويد ولى أمرنا في حل من دمائنا.
وإلا كيف نجرأ على التفوه أثناء خطبة السيد الأب فخامة ولى الأمر.