تحريم رسم الارواح!

شاكر حمد خلف
2012 / 12 / 28



يوم ضربت طالبان تماثيل البوذيين العملاقة بالقنابل، في خطوة لتأكيد قيم ألإسلام السياسي المتشدد، تذكرت درسا أكاديميا من دروس تأريخ الفن الإسلامي في المرحلة الثانية من أكاديمية الفنون الجميلة ـ القسم التشكيلي ـ في بغداد عام 1962. محور الدرس كان حول تحريم رسم الأرواح في بدايات الفن التشكيلي ألإسلامي. والمقصود بالأرواح رسم الوجوه ألآدمية والأجساد البشرية وتشمل ألحيوانية في المعايير ألإسلاموية ألمتشددة ! . والغريب في صلب هذه ألنظرية أنها تستثني ألرسوم ألنباتية وألمناظر ألطبيعية من التحريم وكأن الطبيعة وما عليها – عدا ألإنسان – لا تدخل ضمن قائمة مخلوقات الله !!. نبهنا الدرس الى ضرورة إعادة قراءة اسباب التحريم سواء في النصوص ألقرآنية أو ألأحاديث النبوية والظروف ألموضوعية ما قبل وما بعد ظهور ألإسلام. فقبل ألإسلام كانت التماثيل والرسوم تٌستورد من بلاد الروم البزنطيين، عن طريق الشام وهي إما أن تكون مسيحية ألطابع والغرض كالتماثيل ألإيقونات ألصغيرة او منتجات حرفية يستوردها التجار العرب من الشام في رحلتهم ألتجارية ألمذكورة في القرآن بإسم ( رحلة الصيف ) أو تٌستورد من أفريقيا والهند عن طريق اليمن وفي رحلة ( الشتاء ) فالقادمة من أفريقيا تحمل خصائص المنشأ في الصنعة أو المضمون وقد تكون للزينة أو العبادة الوثنية كالطواطم و الأحراز والتمائم والرتيمات وأمثالها. أما ألقادمة من الهند فتحمل التنوع ألآسيوي الهندي والصيني والفارسي والبوذي وغيرها وترد مع البضائع المتنوعة كالأقمشة والسيوف والتوابل والبذور وغير ذلك مما ورد ذكره في الثقافة العربية والشعر العربي وبالأخص في المعلقات السبعة. ولابد من التذكير هنا أن ألديانة المسيحية كانت تحرم رسم الأرواح حتى العصر البيزنطي وبدء عصر التبشير ونشر الديانة المسيحية عالميا بعد إعتناق الملك قسطنطين المسيحية دينا رسميا عام 326 للميلاد ونقل العاصمة الى بيزنطة. ولكن الدعوة المسيحية واجهت صعوبات إيصال مبادئها ، ومنها شرح وتوضيح قصة المسيح وعذاباته ، للناس الأميين و للامم الأخرى فتم التبشير بالديانة المسيحية عن طريق الفنون التشكيلية بالدرجة الاولى. و إتخذ الفن الأوربي طابعا دينيا منذ ذلك الزمن حتى أواخر عصر النهضة إبتداء من مدرسة فينيسيا الخلاعية و إنتهاء بالعصرين الركوكو و الباروك في فرنسا و ألأراضي المنخفضة حيث تم استملاك الفن والفنان لخدمة القصور الملكية وتلبية طلبات الاميرات و المحضيات و الامراء في إثارة الشهوات الجسدية ... وبالمقارنة مع اسلوب نشر الدعوة الاسلامية فإن الدين ألإسلامي كان أمام ضرورة التحصين ضد الديانات المنتشرة في الجزيرة العربية و بالاخص العبادات الوثنية وبالتالي ضرورة إلغاء رموزها ومظاهرها التزيينية والتصويرية .... و إنتشر الدين الإسلامي بلغة العرب أولا وبالسيف ثانيا ولم يكن بحاجة الى وسائل أخرى غير لغة القرآن ولغة السيف وكما يقول ابو تمام ( السيف أصدق أنباءا من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب ) ولأن التلقي العربي ، الصحراوي ، كان بعيدا عن الاستجابة الحسية للجماليات التشكيلية وسردياتها، فضلا عن تقاطعها مع فرضيات (الشرك) بالعبادة . إن تسمية المجتمع العربي قبل ألإسلام بالمجتمع الجاهلي تسمية مطابقة لواقع حال من الوعي البدائي الذي يتلقى الخرافة ويتقبلها ويصدق الشعوذة ويتمسك بالعادات والتقاليد القبلية القائمة على الغزو والدماء وتصف لنا المعلقات طبيعة هذا المجتمع وعاداته وتقاليده البدائية واعتزازه بها. ومن الصعوبة تحرير عقل البدوي من الخرافة إذا صدقها وهكذا اتبع الإسلام وسائل شتى لتغيير العادات والتقاليد ألجاهلية منها ما ورد في القرآن ومنها ما ورد في الاحاديث النبوية. وتروى أخبار عديدة ومختلفة عن صورة الكعبة وما كان يعلق على جدرانها ، من الخارج أو الداخل فهي أشبه بالجدار الحر تعلق عليها القصائد الطوال المعروفة لذا سميت بالمعلقات - وإن كان عميد الادب العربي طه حسين لا يؤيد وجود المعلقات في الجاهلية أصلا ويعتقد أن أغلب ما فيها إ نتٌحل في العصر الاٌموي - والظاهر أن الرسوم تعرض في داخلها وتفيد الروايات أن النبي لما دخل الكعبة يوم فتح مكة كان معه عمر بن الخطاب من بين الصحابة الداخلين ، فشاهد رسوما معلقة على جدران الكعبة فقال يا عمر إمح جميع هذه الرسوم إلاَّ ما وقع تحت يدي وكان يضع يده على بعض الرسوم التي كانت تمثل عيسى المسيح ومريم. ونستنتج من هذه الرواية الحقائق التالية: اولا أن التحريم ليس مطلقا إنما يشمل نوعا محددا من الرسوم لا علم لنا بها ولكننا نفترض أنها كانت رديئة مبتذلة وغير لائقة أو كانت وثنية المضمون والغرض . او تمجد اشخاصا او قبائل وربما فيها ما يسئ الى المسلين او شخص محمد خصوصا أنها تمثل الفترة التي تعرض فيها مٌحمد الى الاضطهاد والتشهير والتهجير. و بالتالي فهي نماذج للإعلام الجاهلي. ثانيا لم يشمل التحريم الرسوم المسيحية على الرغم من كونها رسوما عبادية في نفس الوقت جرى تحطيم التماثيل – الاصنام – التي صنعت لكي تٌعْبًد بوصفها آلهة رغم جمادها ورداءة تشكيلها. ثالثا ان اصل فكرة التحريم آت من عبادة رموز تشرك بالله وفي التصورات الجاهلية - البدوية - يمكن تصديق كل عمل فني متقن الصنعة على أنه إلة والآلهة متعددة الأسماء والمراتب كما عند الأمم التي سبقتهم. رابعا لا توجد شواهد على استمرار الاعتقاد بهذه الفكرة الساذجة إلاّ في رؤوس الواعظين الادعياء المتحكمين بالحريات الفردية وسنرى انها ازيلت في اوائل العصر الاموي. لما انتقلت الخلافة إلى معاوية أول خليفة أٌموي جعلها وراثية في السلالة الأموية قيل كل شئ وأتجه إلى ترسيخ مفهوم السلطة القوية بيد الخليفة الحاكم ونبذ اعتقادات السلف ألحاكم الصحراوية ومفهوم ( الخليفة المتقشف ) ( فجعل دمشق عاصمة له. رأى ان ألأمر يتطلب بناء مساجد لا تقل فخامة عن المعابد الوثنية والكنائس المسيحية. وأن تكون له قصور لا تقل روعة عن قصور بيزنطة ) – آرنست كونل – الفن الإسلامي – ترجمة الدكتور أحمد موسى. وإن وقفنا عند بناء ألمساجد نرى أن معاوية و أخلافه من ألأسرتين السفيانية و المروانية قد استولوا على الكنائس وغيروا طابعها المعماري الخارجي وحولوها الى مساجد تكون الصلاة فيها باتجاه الكعبة ( وتلا ذلك تطور بناية المسجد على أساس البازيلكيات المسيحية التي تم تحويل بعضها الى مساجد بعد نقل اتجاهها من الشرق إلى الجنوب بحيث تصبح الساحة الطولية المحاطة بالأعمدة صحنا عريضا . ولا شك أن اتخاذ المحراب في المسجد للدلالة على جهة الكعبة مأخوذ عن حنية الهيكل في صدر الكنيسة)–المصدر السابق-.
إن بناء المساجد يعبر عن مكانة السلطة المادية والمعنوية ، وعظمتها سياسيا وعسكريا وغالبا ما يتجه الخليفة الجديد الى التفوق على سلفه في تعمير المساجد القديمة وتوسيعها وبناء وتشييد أعظم منها وقد روعي فيها أن تستوعب مئآت الواقفين للاستماع لخطبة الخليفة أو خطيب الجمعة ففي ساحاتها تٌعلن سياسة السلطة وأحكام القضاء وتٌضرب ألأعناق بالسيوف أمام ألملأ. وفي هذا العهد تحرر الخلفاء الأٌمويون من فكرة تحريم رسم ألارواح إنسجاما مع طراز العمارة الجديدة القائمة على مبدأ ترف السلطة والبذخ الطائل والتعالي على الناس جميعا . وتعكس الرسوم الجدارية في قصورهم نمط الحياة الداخلية المتهتكة . فقد زينت الجدران الداخلية بالقصص ( وأخذوا يقلدون ألأبنية السورية التي بهرتهم بمواد بنائها كالحجارة المهندمة وألواح الرخام المصقولة ، وسحرتهم بزخارفها سواء كانت مصنوعة من الفسيفساء أو بالألوان المائية وقد تجلى ذلك في القصور التي شيدوها في بادية الشام ومن أشهرها قصير عمرة – 50 – ميل شرقي عمان .......... و إشتهر بصوره الجدارية ذات الموضوعات المتنوعة ومن أبرزها صورة أعداء ألإسلام وصورة الخليفة على عرشه ، وصورة تمثل مراحل عمر الانسان وبعض الحيوانات المختلفة) – زكي محمد حسن – فنون الإسلام - وتذكر المصادر أن حمامات هذا القصر زينت برسوم جدارية – فريسك – تمثل نساء عاريات ومواضيع تدل على الإثارة الجنسية، في الحقيقة أن موجات الغزو والغزو المعاكس قد أنتجت قيما جديدة وتأثيرات جوهرية، باتت معروفة تاريخيا ، في أنماط وأساليب العلاقات الاجتماعية وعلاقات الأسرة بدخول عناصر بشرية جديدة كالعبيد والجواري والغلمان وما نتج عن ذلك من قيم ومتغيرات كتعدد الزوجات وشراء و إمتلاك النساء ، وتغير طبيعة التملك وطراز الحياة ونشوء طبقة الامراء والوكلاء وعمال الخليفة و امتلاك ألإقطاعيات، وبالتالي دخول المجتمعات العربية شرقا وعربا تحت تأثير الحضارات المجاورة . تغيير في الحياة الاجتماعية والثقافية. ودخلت الثقافة العربية تقنيات جديدة في التصوير ومواد الرسم والورق وإرتبط ذلك بصناعة الكتاب وإخراجه تجليدا وتزويقا وتذهيبا وتصويرا خصوصا في العصر العباسي في القرن الثالث للهجرة. وظهر فن المقامات السردية وإلى جانيه تصوير المقامات ، أي إعادة سرد ألمقامة رسما وأشهرها مقامات الهمذاني ومقامات الحريري التي رسما يحيى الواسطي في إثنتين وتسعين تصويرة بالألوان المائية وتٌعتبر من أرقى ما بلغه ألفن الإسلامي في هذا المجال . ومثلها مصورات كليلة ودمنة واف ليلة وليلة .... وتأثر الفنانون العرب والمسلمون بالثقافات المجاورة ففي العراق كان للفنانين الفرس أثرهم الكبير في النقل والتأثير على التصوير العربي في المخطوطات ولهؤلاء ألفنانين تراثهم الغير مقيد بالتعاليم المقدسة والممنوعات وأن للبيئة ونمط الحياة المدنية أثرا في ذلك ( ولديهم تراثهم الشعري والأدبي من إنتاج شعرائهم وأٌدبائهم مثل الشاهنامة للفردوسي – 939– م ورباعيات الخيام لعمر الخيّام المولود في القرن الحادي عشر الميلادي . وبستان الورد للسعدي – 1 129 م . و ديوان الشيرازي – 1389 م. وغيرها ) كونل – الفن الاسلامي. وقد أثرت المدرسة الصفوية وأعلامها الكبار أمثل بهزاد (بهزاد العظيم) ورضا عباس في تصوير المخطوطات والرسوم المصغرة وما عرف بالمرفعات (أي الالبومات) وإنتشر رسم القصص وتطور إلى تصوير مناسبات بعينها ( وأصبح وصف واقع الحياة هو المبدأ الفني السائد في مدرسة اصفهان على يد رضا عباس ألمع شخصياتها ..... على أنه من حيث إختيار موضوعاته وأمانة نقلها في تخطيطات سريعة وصل الى ما وصل اليه أساتذة الفن في هولندة خلال القرن السابع عشر ..) – المصدر السابق - .وكان للسجاد الفارسي وما يحمله من تصاوير قصصية ، الأثر الكبير في نشر المفاهيم الجمالية المتحررة من قيود التحريم فقد صورت على المنسوجات القصص الخرافية والشعبية من صنع خيال الرسامين مثل قصة صراع الاسكندر والتنين ، وزيارة ليلى للمجنون ورسوم جلسات المحبين من الجنسين ، وشاربي الخمر في صفوف متقابلة . ويرى كونل الباحث في الفنون الاسلامية أنه يتعذر الوقوف على شخصية واضحة ومحددة للفن العربي في تلك العصور فهو خليط من مدارس متعددة و مختلفة، فارسية وهندية ومغولية وسلجوقية وتركية .. ويعزو ذلك ، من وجهة نظره إلى تعدد المذاهب ( فقد ظلت ايران منفصلة ثقافيا عن بقية البلاد الاسلامية نتيجة لاعتناقها المبكر للمذهب الشيعي ، وساعد هذا الموقف الديني الخاص على إستمرار تأثير العناصر الوطنية الايرانية في الفن ايضا . وبلغ هذا التأثير أقصاه بعد أن امتد مذهب الشيعة إلى بلاد إسلامية أخرى مثل مصر في عهد الفاطميين ، بعد أن تضاءلت سلطة الخلفاء تدريجيا حتى في الاقاليم المتمسكة بمذهب السنة) – نستطيع أن نقول إن كونل يرى الفن الاسلامي بعين أوربية، أي ما يسمى في المنظور الهندسي نظرة عين الطائر وهي العين التي ترى الكل والاجزاء مرة واحدة ، وتتضمن الصواب . وذلك ان الافكار ، الشديدة التعصب ، إ نما تتمسك بالأصول الكلاسيكية والثوابت وتنطلق من – الخاص – الانعزالي . فالدين الاسلامي بدأ فكريا من رحم القبيلة الصحراوية وتقاليدها وأعرافها وحافظ عليها الجيل الاول من الخلفاء وهي منظومة التشدد – الانعزالي – التي يقوم عليها المذهب السني الحنبلي . والذي ينسجم مع مفهوم دين السلطة القوية فأي تفسير – مدني ديمقراطي – لهذا المفهوم سيؤدي الى إضعاف قوة السلطة . وقد تمسك الخلفاء ، باستثناء واحد أو اثنين ، بهذا المذهب منذ خلافة ابي بكر . ومع ضعف قوة الخلفاء ضعفت عناصر التشدد الكلاسيكية وكان ذلك بفعل العوامل التاريخية الداخلية والصراعات الطبقية والثورات والانتفاضات الشعبية. والعوامل الخارجية التي أطاحت بما تبقى من عروش الخلفاء. أما في الغرب ألإسلامي وشمال أفريقيا فالثقافة فيها تلاقحت مع الغرب الاوربي وبلاد الاندلس ونستطيع أن نستقرئ الفكر المتحرر من – ألآيديوصحراء – في مقدمة ابن خلدون ومؤلفات إبن حزم وفي الشعر العربي الأندلسي . والحديث عن الفن في هذه البلدان ومراحله التأريخية يتطلب بحوثا تفصيلية نأمل أن تكون من إهتمامنا في الوقت المناسب. تذكرت هذا الدرس ومصادره وأنا في السعودية ، مدرسا لمادة التربية الفنية وفي قلب الصحراء والعزلة عن العالم وفي زمن كان فيه الراديو من علائم قيام الساعة ( فكيف الحال مع المشرك غوغل والشيطان تويتر وغيرهما ممن لم يتنبأ بظهوره صعاليك العصر الجاهلي ! ) وكان طبيعيا منع الراديو لولا صوت القرآن والاحاديث النبوية والتفسير . وكانت المفاجأة في الدرس – حصة الفنية للثاني المتوسط - .. شرعت بسرد قصة من الخيال وطلبت تخيلها رسما فسأل أحد الطلاب عن جواز رسم الارواح فأجبت بنعم لأنها ليست ارواح ولا يمكن أن ترتقي الى التشبه ومضاهاة أبسط مخلوقات الله على الارض و إنتهى الدرس بشئ من الارتياب على وجوه طلابي ثم تطور الامر الى قدوم مجموعة من (المطاوعة) – هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر – وسيارتين جيب – وشرطي .. وترأس رئيس الهيئة جلسة التحقيق العلنية أمام المدرسين والإدارة والطلاب ( يتفرجون ) على المشهد ! . ويستمعون الى التهديد والوعيد من قبيل ( نطردك ونرجعك للعراق .. و .. و ) وانتهت الجلسة ! ومرت أيام تعكّر فيها الطقس بهبوب عواصف ترابية.. ويوم السبت التالي اخبرني من حظر صلاة الجمعة أن الخطيب قال أن البلاد ابٌتلًيت بالأجانب والغرباء وما هذه العواصف إلاّ الغضب الرباني... وبالحرف الواحد قال (الذين يطيلون الشوارب ويحلقون اللحى ويعلمون الاولاد رسم الارواح) ! .
شاكر حمد