الاغنية 000 روح العصر- صوت ام كلثوم اولا

شاكر حمد
2012 / 12 / 23

الاغنية... روح العصر
صوت ام كلثوم اولا

الصوت في بغداد – مقهى ام كلثوم – مقهى ابي نؤاس ، إن لم يكن الصوت منسابا مرفرفا فالمقهى باردة ، كل الاماكن باردة وكئيبة . . لا أتذكر كلاما ولحنا وصوتا يجمع الصحاب والعشاق مثل اغاني أم كلثوم . الادباء والشعراء والسياسيين والأتقياء والصعاليك والمعقدين على السواء تجمعهم ام كلثوم ليصمتوا وينصتوا لها .

يقول الشاعر نزار قباني – في حديث إذاعي بثته إذاعة مونت كارلو قبل سنوات – أنه لما دعي لقراءة شعره في السودان .. سأل وزير الثقافة و الاعلام السوداني عن الجمهور فأجابه الوزير : ستفاجأ بالآلاف تنتظرك ولا أحد ينافسك إلاّ أم كلثوم ! .
في ذلك الزمن المتحرك سرّا في ظلماء السياسة الظالمة. الذاكرة معبأة بأحزان الليالي الستينية الباردة ، ليالي عام 63 ودموعها الحارّة وانكساراتها ... الآمال السياسية ، قل الروح الشبابية المتمردة ، طوال العقد الستيني .. ثم الهزيمة الكبرى في 67 وبعدها موجات الغليان وما يضمره الغرب من تصورات مستقبلية لاحتواء الثورات القادمة على انقاض النظام العربي المتساقط و إستثمار نتائج الهزيمة لصالح أطراف هذا النظام وتطويق القوى المتأهبة للثورات الشعبية وتصفيتها بأساليب جديدة ، ماكرة وخبيثة .. الامر الذي حصل في العراق تحديدا عام 68 .. أي بعد الهزيمة بعام وشهر وإسبوع وبضعة أيام .
هنا يحق للقارئ أن يقاطعني ويقول ذهبت بعيدا عن أصل موضوعك عن صوت أم كلثوم !
اقول كلا فما زلت في محيط ذاكرة الزمان الذي أنتج معجزة هذا الصوت وعلاقته بالمحيط التأريخي المعاصر للنكبات والهزائم والهجرات السكانية والتي عبرت عنها أغاني ام كلثوم بنبرة الغياب والافتراق والحنين واليأس و إنتظار الحبيب الذي يأتي ولا يأتي ، وسأعرض لاحقا لبعض الكلمات والمقاطع المعبرة عن هذا الواقع .
العصر الذي ظهرت فيه أم كلثوم ، عصر إنقسامات كونية ومجتمعية وأسرية وشخصانية ، حروب وهجرات سكانية وهيام في متاهات الارض بحثا عن سبب للبقاء وعن الحب الضائع ووهم اللقاء .

.... تلتقي في الاغنية - مدرسة أم كلثوم - ثلاث مواهب ، لابد من تجانسها على درجة ألارتقاء الابداعي ، موهبة الكلمات الناطقة عن الحب الصادقة وموهبة اللحن الذي ينقل الكلام الى أحاسيس ومشاعر و إهتزازات راقصة تارة وحالمة تارة أخرى ، وكلا الموهبتين تعبران عن روح العصر ففي الكلمات ما كتب شعرا في عصور قديمة وما زالت دلالته الروحية تنبعث وتجد معانيها في كل لحظة من لحظات أيامنا الحاضرة وكأنها كتبت ألآن أو كتبت لتعبر عن حالنا وتلك بالطبع امتيازا للأعمال العبقرية في التأريخ ولأسماء بعينها أمثال شكسبير في الادب العالمي وشوقي وعمر الخيام واحمد رامي وبيرم التونسي ومأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز وعبد الوهاب محمد وغيرهم الذين غنت أم كلثوم كلماتهم والمعلوم أن سيدة الغناء العربي لا تغني الاغنية إلاّ إذا أعجبت بالكلمات أولا واللحن ثانيا ...
( في تحقيق أجراه عبد النور خليل نشرته مجلة المصور عام 1965 – عن ملحق المدى ( كان زمان عدد 2679 )يقول أن سيدة الغناء العربي كانت تحرص على تقاليد في الالتزام مع كلمات أغانيها وألحانها ولا تسمح بنشر كلمات الاغنية و ينطبق ذلك على ألألحان ، علما أن الالحان كانت لعباقرة الموسيقى العربية أمثال الشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي . من هنا نستطيع أن نستقرئ تكافؤ العبقريات المبدعة مع الصوت المعجزة . . ظهرت أم كلثوم في العقود الاولى للقرن الماضي في عصر تحولات المجتمعات العربية ، و بالاخص المجتمع المصري ، من الانتاج الزراعي الى علاقات الانتاج الرأسمالي في التجارة ثم الصناعة واتسمت هذه التحولات بتنامي المؤسسات العسكرية وقوانين التجنيد ألإجباري ودخول الدول الرأسمالية عسكريا في موجات غزو و إحتلال في الحربين العالميتين وما بينهما وبعد ها ظهور النفط في مناطق ودول عربية الامر الذي أجج الصراعات على مراكز الحكم وولادة الدكتاتوريات العسكرية – نمط الضباط الاحرار – وصعود القوى الطبقية الجديدة المتولَدة من رحم المجتمعات الاقطاعية والصحراوية .
لقد تعرَضت المجتمعات العربية إلى موجات من التأثر بهذه العوامل وغيرها وتناقضاتها فأدى ذلل الى تفكك الروابط الاسرية وتمزق العلاقات العاطفية بسبب الهجرات السكانية وضغوط الواقع الاقتصادي العربي . بمعنى آخر إغتراب ألانسان – الفرد – وإستلاب إرادته من قبل قوى غامضة ومجهولة ، فاقد الارادة مهاجر من الريف الى المدينة المزدحمة بسكانها وسماسرتها وتجارها وأخلاقها التجارية .... الاغتراب روح العصر كما يستشعره الغرباء في صوت أم كلثوم

جمعتنا صحبة إغتراب و مهنة التدريس في المملكة العربية السعودية عام 1967 وفي ما وراء الصحراء غليان ما قبل العدوان ... مغتربون من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن ومصر و الاردن والجزائر والسودان واختلافات و انقسامات في الافكار حول الدين والطوائف وحول اليسار واليمين وحول الشرق والغرب تم الاختلاف الجذري حول الجنة والنار . القاسم المٌشتًرًك الوحيد هو الغربة و إنكسار سكانها وصمتهم . وحتى الرواتب والمصاريف لا تعني شيئا أمام الصحراء ورمالها المتحركة ورغم كل ذلك فثمة ما يغمر الذوات المنطوية على صمتها بلحظات أليفة تشبه السعادة ، لحظات إستغراق في ألأحلام مع صوت أم كلثوم تبدأ في الثانية عشرة ليلا ومن إذاعة صوت القاهرة . حينئذ يرحل كل غريب إلى وطنه، إلى اليوم ألأخير قبل التوديع ... إلى حبيب ظلت صورته مرسومة على ضباب الآفاق ، إلى أسرة معدمة تأمل في البقاء بالنقود التي يرسلها المنقذ من ديار الغربة . لا شئ أجمل من صورة الوطن بيت من الطين ونخيل ونهر و ... يكف الجميع عن الجدال العقيم حول تشرشل وستالين وأيهما ألعبقري وغيره ألمجنون .. وتؤجل كتابة الرسائل الى النهار التالي لأمرين الأول هو الإستغراق مع الصوت إلى حد النوم والثاني وهو ألأهم أن الرسائل مع صوت أم كلثوم ستكون حزينة ورومانسية . وكم مرة أستمع لمن يقول كتبت مقاطع من أغنية ألبارحة ( ألأمل ) . حينئذ ننسى لهجاتنا المتنافرة ونبرات بعضها المتعالية ونكون لهجة واحدة أصيلة وأذنا مرهفة موسيقية ومنسجمة مع ألألحان والكلام الجميل. النوم أرتبط بأغنيتها ( سهران لوحدي ) أي أحزان تبعثها الكلمات في ليل الصحراء ... ( نام الوجود من حواليًّ وأنا سهرت بدنيايً أشوف خيالك بعينيً وأسمع كلامك ويايً أتصور حالي أيام وليالي مرت على بالي ) .. اختلطت ألأوراق صبيحة يوم 5 | حزيران | 1967 ونحن مشغولون بامتحانات الطلاب لنهاية العام ونستمع لعبارات التشفي من ذوي القربى وأهل الدار ( ها أستاذ وين الظافر والقاهر والناصر ؟؟؟ ) وتلك الليلة تغير صوت أم كلثوم وتغيرت ’ذاننا ونداآتنا إلى ألأوطان المبعثرة وضاق الوقت المخصص للرسائل واختفت الكلمات الرومانسية كلمات بيرم التونسى ومأمون الشناوي وأحمد رامي وتغيرت الآلحان وأصوات ألآلات وتعالى النقر على الطبول و الابواق و الاصناج والنحاسيات ! إذن هي موسيقى الحرب وصوت أم كلثوم يشبه النحيب وصلاة الغائب على أرواح ألآلاف البريئة في رمال سيناء .. وماذا عن ألأٌسر المعدمة التي خلفوها ؟؟ . ونشد ألرحال للمدن المتناثرة على خارطة الارض ! أجد نفسي في بغداد وفي المقهى التي غنت فيها أم كلثوم ذات يوم ، مدعوة لحفل ملكي منتصف العقد الخمسيني ، مقهى البلدية في الميدان ، و إكتظ المكان بالناس . وأتخيل الحفل والجمهور . ألأغنية ( حلم ) حقيقي والحضور من طلبة الجامعة وعلاقاتهم ومشاكساتهم السياسية . وزمن التناقضات والماركسية والوجودية واليسار ألأٌوربي وأحلام ألحب ونبرة الصوت الملائكية كما يسميها نجيب محفوظ ! ... واليوم أستعيد هذا الزمن الطويل بأصوات جديدة، شابة أسمعها يوميا كصوت آمال ماهر وفيوليت سلامة وغيرهما من شجرة الحب والغناء التي زرعتها أم كلثوم.