اياد صادق 000 والمعرض الاخير

شاكر حمد خلف
2012 / 12 / 16

اياد صادق 000 والمعرض الاخير

شاكر حمد

بعدما سقطت الدكتاتورية في 9-4-2003ومن ثم اتيح للطيور المهاجرة ان تعود الى مواطن ذكرياتها ، لم تكن عودة ايادصادق الى البصرة إعتباطية ،فقد عاش هنا اواخر العقد الستيني حتى نهاية العقد السبعيني 0اسمه اياد صادق البنك على وفق معلومات وتنقيبات اذناب السلطة الذين استشاطوا غضبا على اثر معلومات افادتهم بأن هذا الفنان ينشط في عمَان من خلال رسوم ومنحوتات ، فضلا عن التصريحات والمقالات التي تكتب عنه الامر الذي دعاهم الى تعقب خيوط علاقاته السابقة ومحطات تشرده ، تنقل اياد بين بغداد والديوانية والبصرة ثم بغداد معلما وامتهن اعمالا اخرى في سنوات الضائقة الاقتصادية التي عمت البلاد ، ليهاجر الى عمَان للخلاص وبحثا عن الحرية والتفرغ للرسم والنحت 0وبعدها الى فنلندة والاقامة فيها 0
لااستطيع ان اتأمل تخطيطات اياد ، وهي مجموعة كبيرة ، مالم اشعر بأن هذه التفاصيل الدقيقة انما هي التعبير الحقيقي عن رحلة المعاناة والسيرة – البوهيمية – يوم جاء ليعرضها في البصرة ، والمزحة – النبوءة - التي تحققت ( اريد اقدم آخر معرض قبل ان اموت ) ! وهي مزحة يرددها المسنون والمتقاعدون في متاهات الشوط الاخير من الحياة 0بعد المعرض الذي اقيم في البيت الثقافي في البصرة وضم ما يربو على تسعين تخطيطا ، ليعود الى بغداد وبعدها الى فنلندة – موطنه الاخير ومثواه – 0 كان هاجس الموت يشغل متاهات غربته ، بل كان راصده ورقيبه ، وفي التخطيطات مدونات سرية واعترافات وتأملات و- نزوات- ولجميع الفنانين في التأريخ هذا الميل الاعترافي والهذيان ، كتخطيطات دافنشي ودراساته الورقية ومثلها ( نزوات ) كويا ومحفوراته على الزنك ، وماكس ايرنست في تخطيطاته السريالية مع الكولاج والمعنونة ( حواسي السبعة والعشرين ) وبيكاسو في جميع مراحله يشكل التخطيط والحفر وبكل المواد موسوعته الاعترافية الذاتية الى حد الافتضاح0
كانت الغربة قاسية ، في الداخل ام في الخارج ، وغربة الداخل اشد وطأة باجتماع الفقر والتشرد ومضايقات الامن وتفاهات الروتين الوظيفي ، والسكن البائس 00كان اياد صادق يعاني ثقل الحياة والزمن البطيء 0في هذا المناخ كان يرسم على الورق بالاحبار والقلم الرصاص ، وبالالوان والقماش ، ونحت الخشب 0ويمكن ان اصف تخطيطاته على الورق بأنها – تأملات – للآتي من الايام الغامضة ، وانزياحات عن المحيط القاسي ، في الواقع هي شهادات اغترابية 0 يضمّنها ابعاداً انسانية وتمتزج بعذاباته وحياة الحرمان التي عاشها 0 وفي منحى اخر يوجه انتقاداته للمحيط وقواه السائده 0 وهنا يستحضر العناصر الواقعية المألوفة في التصاميم والشعارات ، الانسان والسنبلة والحمامة والغصن ، الوجوه الانثوية والاجساد العارية ، الضفائر والتموجات 00 ولكن من السذاجة الاعتقاد بأن تجميع هذه الرموز يتم بطريقة ارتجالية مبسطة ، هنا استعارات لمفردات ، مألوفة ظاهريا ، وقد تكون وظيفية الاستخدام والتكرار غير ان اعادة تشكيل عناصر الواقع لايتم تلقائياً مالم يتضمن المشاعر والاحاسيس الوجدانية المعبرة عن روح و – اهواء – الفنان ونزواته – ، وبمعنى آخر التصادمات الروحية والضوضاء 0وتلك الاعادات في التركيب والتوليف توحي عند اياد صادق بالاستقرار الظاهري نفسياُ ، وذلك لان جانباً منها يتصل بالنحت ، قوة في الخطوط ذات طبيعة بنائية تستدعي عمل المخيال النحتي بمادة الحجر تحديداً 0ورغم ان مساحاتها صغيرة وبحدود بضعة سنتمترات الا ان الفنان اعدها لتعبر عن قيمها الخاصة كمادة تشكيلية تعتمد الورق وقيم اللونين الابيض والاسود 0وتجاوز الفنان في اغلبها القيم الخطّيّة – التدرج – وبذلك لجأ الى القطع الحاد كما لو كانت الخطوط محفورة بالسكين0فيقوم التخطيط الورقي بوظيفة النحت البارز والغائر وبالايهام بالاعماق والطبقات المتتابعة المستويات ، في مكان آخر توجد المرونة ورهافة الاشكال والدلالات الضوئية للسطوح وخطوطها الخارجية في مجاورة خطوط العتمة والاعماق الغائرة 0
ويدل تنوع الموضوعات على تباعد ازمنة الرسم ، اما بواطن مضامينها فثمة مشتركات وثوابت تظهر بوضوح هنا وتختفي هناك وبشكل خاص الرموز والدلالات الجنسية وموحيات الشذوذ كالاجساد المتلاصقة والتموجات الغائرة و البارزة في تضليل الاجسام العارية 00
***
يمكننا ان نقسّم تجربة الفنان من خلال هذا المعرض الى مرحلتين الاولى تبدا عام - 5 199 - حيث إقامة الفنان في عمّان وهي مجموعة قليلة نسبياَ بالقياس الى المرحلة الثانية في 2008 ، لكنها ذات اهمية لانها تبين لنا خطوات تطور الفنان وتكشف عن قلق البحث عن مكونات الاسلوب الخاص ، تعود هذه الاعمال الى بدايات هجرة الفنان ، وما زالت الاستقلالية الاسلوبية في بداياتها ، فنلاحظ التآثيرات الانطباعية – التنقيطية – الرقيقة والضبابية ، ولو نفذت هذه التخظيظات بالالوان لظهرت امتدادا لاعمال بيسارو او سيزلي 0 وفي السنوات التالية 2000 – 2001 نرى ان الفنان ما زال يعيش الحنين الى البيئة العراقية ، فالوجوه الريفية للنساء المتعبات والتكوينات القائمة على التضادات الضوئية تقترب من اعمال ماهود احمد والمدرسة الروسية 0وتكرار الانشاء التصويري للشخوص الكبيرة الشاغلة لمساحات مقدمة اللوحة 0ويعزز الفنان عناصره الشخصانية ، اهواءه ونزواته ، بتشتيت مراكز الرؤية بالخطوط والحفريات والفجوات والخراطيم المقطوعة والحراب والسكاكين ، ويشعرنا بالدماء تسيل من الاعلى الى الاسفل 0ويتكرر تقطيع الرسم والاكتفاء بالجزء المميز وإلغاء الباقي منه وربما يتحول الى لوحة اخرى او عمل منفرد مثال ذلك التخطيط المجتزآ من عمل اوسع والمعروض بالرقم - 69 –وفي تخطيطات 1995 نطالع عملا تنقيطياً صغيراً – رقم 34 - لوجه الفنان بالنظارات الشفافة ويتداخل البورتريت مع تموجات الخلفيات الضبابية والمستوحاة من الرسوم التشريحية الطبية اضافة الى الاقواس والاهلّة والتضليلات الشبيهة بالصفائح الزجاجية 0وبنفس الاسلوب نرى شيخاً – ساحراً – رقم 1 - جرى قطعه واعادة لصقه على ورقة سوداء 0في هذه المرحلة جمع الفنان مادته الاساسية من الموروث العراقي والفولكلور والحس الشعبي 00 تكوينات الاجساد النسائية ، الاكف المرفوعة ، الصاعده والنازلة وعليها عيون الحسد ونقوش الوشم والحنّاء ولاينسى الفنان الاسلحة والدماء 0تقترب اهتمامات اياد صادق في هذا الاسلوب من رسوم المنمنمات ، وفيها الخصوصية الحداثوية الجامعة التراث وروح العصر الحديث 0لكنه يواصل البحث والتنقيب في التجارب المعاصرة 000 الانطباعية ، التنقيطية ، السريالية ، التجارب التشكيلية العراقية ، ماهود احمد ، محمد غني حكمت 00تخطيط صغير يذكرنا بمنحوتات محمد غني على الابواب الخشبية البغدادية 0ومثلها رسوم الخيول واعناقها المتراقصة الشبيهة برسوم الواسطي 0تخطيطات تمثل اجساداً عارية ، العمل رقم – 37 – لمحارب جريح ، يصرخ او يستنجد وطائر العنقاء يهبط لافتراسه ، العمل يذكرنا بالمحاربين الرومان ونفذ برؤية سريالية ابتعد الفنان فيها عن الاكتظاظات الخطية والنقوش المنمنمة فظهر العمل اقرب الى النحت 0والعمل الآخر رقم – 30 –وبنفس الاسلوب السريالي يمثل مضاجعة ، الخطوط والحركات العنيفة تعبر عن ذلك وفي الاعلى تهبط ومن كل الاتجاهات طيور العنقاء 0ويظهرالموضوع السريالي اقوى واوضح بالاختزالات والتكثيف لتسليط الضوء والرؤية على الاجساد العارية 0في الواقع يستخدم الفنان الرمز لتأويل دلالات المشهد ، طيور العنقاء تعبر عن الكوابيس والمخاوف ، وعن القوى المجهولة التي تهدد الوجود الانساني 0وبذات الخيال السريالي ، نفذ العمل رقم – 39 – والاقرب الى سلفادور دالي 0
في - 2008 - مجموعة التخطيطات المنفذة في فنلندة 0 نلاحظ التحول الكبير في عمل الفنان اسلوباً وموضوعاً 0 اختفاء الموضوعات المحلية ، ومعها اللمسات الانطباعية الرقيقة والفضاءآت الزجاجية والتنقيط 0 وتحل بدلا عن ذلك الاقنعة الافريقية وتأثير بيكاسو ، ويتحول اسلوب التخطيط الى ثيمة تقليدية بوحدات هندسية وزخرفية متشابهة 00الثيران والقرون وتحويرات الشكل الحيواني ليصبح مخلوقاً خرافياً افريقياً 0ويستخدم الفنان المثلثات الطولية الحادة من الفنون البصرية – اوب ارت – وفي سطور متوازية لخداع البصر 0الملفت في هذه المرحلة من عمل الفنان هو النزوع الى الوحوشية واستعارات من وحوشية بيكاسو الذي استعارها بدوره من الفن الافريقي ومن الاقنعة والمنسوجات واصباغ الوجوه عند القبائل الافريقية 0فالوجوه الجانبية المتعاكسة متأثرة حرفياً بوجه بيكاسو ، و نستطيع ان نلقي الضوء على نماذج محددة بخصوصية – اهواء – الفنان 0ومنها وجوه جانبية ذوات عيون سومرية مواجهة 00افواه مفتوحة ، ممتدة الالسن للخارج 0 خيوط تربط وجهين ، مشهد تعذيب على مدى التأريخ ، كما في العمل – 71 – 0من ظواهر هذه المرحلة التكوينات النصبية الشبيهة بأعمال اسماعيل فتاح واتحاد كريم وتتكون من مجموعة شخوص متراصة امام اطار دائري يشغل اعلى خلفية الرسم 0 اضاف الفنان نقوشاً منمنمه بالاسود والابيض ،فتغدو هياكل الشخوص فنطازية المظهر ومهرجانية 0ويضيف الفنان حمامة واحدة او اكثر في اعلى التكوين 0وبالامكان التعرف على هياكل الشخوص الواقفة بأنها رجال ونساء 00
التخطيط المعروض برقم – 86 – يصور الموضوع الذي طرقه الانسان القديم في الكهوف 00 الصراع مع الحيوان ، ورسمه بيكاسو في تخطيطات ومحفورات مصارعة الثيران ، اعاد اياد رسم هذا الموضوع من وجهة نظره 00والتأمل الدقيق لرسم اياد يكشف لنا علاقة الود الحميمية مع الحيوان في الخطوط المنحنية وتآلف الاطراف كالعناق والاحتضان 0
***


قدم الفنان معرضه بتخطيطات مستنسخه عن الرسوم الاصل ، والاصح ان تعرض الاصول المرسومة كما هي ليتعرف المشاهد على حقيقة الرسم وزمان رسم العمل ومادته ونوع الورق وتوقيع الفنان والتأريخ ، فضلا عن الاشارات والملاحظات ،وسيكون المشاهد على معرفة تامة بهذه التفاصيل وغيرها 0 ففي حالة النسخ الآلي يحق للمشاهد ان يتساءل إن كانت هذه الرسوم بهذه الابعاد ام جرى تصغيرها اوتكبيرها ؟ فالنسخ الآلي اضاع فرص التعرف على هذه الحقائق الاساسية فضلا عن معرفة التقنيات إن كانت بمادة واحدة ام بمواد مختلفة ؟ وهل استخدم الفنان تقنية الكولاج ؟ فقد تكون بعض الاجزاء ملصقة اومقتطعه من اعمال اخرى ناشزة اومستعارة ، ومثل ذلك الاجزاء المحذوفة كالهفوات والاخطاء وآثار المسح والحك وغير ذلك مما تتم معالجتها بالتغطية بالحبر الابيض او بالورق ومن ثم نسخها 0وبالطبع تركت هذه الآلية الطباعية اثرها الغامض على المعرض وعلى منجز الفنان 0اجاب الفنان على هذه التساؤلات بأنه عرضها في اكثر من مكان ، ونشر البعض منها في الصحف ، في صحيفتي – المدى – و- طريق الشعب – وان هذا المعرض انما هو استعادة واستذكار لرحلة طويلة من التجارب والمعاناة في الحياة والفن 0
ومن خلال هذا العرض يستذكر شوط الحياة في البصرة مطلع العقد السبعيني ونشاط مجموعة من الفنانين هم اياد صادق وكاظم خليفة وكريم الاسدي وكاظم صبيح واحمد الجاسم وابا ذر سعودي وملتقيات غاليري - 75 – للمرحوم ناصر الزبيد ي ومنقذ الشريده وكاتب هذه السطور و معارض فرع جمعية التشكيليين وبالاخص معرض مهرجان المربد الاول الذي اقيم في قاعة مبرة البهجة 0
***
عرض الفنان في مدخل قاعة العرض المطويات والمقالات والصور وما نشر عنه واطلعناعلى جانب من حياته في عمان 000لنرى وجوهاً عراقية ، الشاعر حسب الشيخ جعفر الذي كتب قصيدة عن بيت الصفيح – مأوى الفنان في الغربة ، وهنا عبد الوهاب البياتي وهذا الفنان التشكيلي ابراهيم العبدلي وهنا محمد مهر الدين وهنا موجة من الهاربين الباحثين عن ملاذات آمنة 0