الشاعر بين المفكر والفيلسوف وجهان لعملة واحدة

زكرياء لهلالي
2012 / 12 / 15

يقول العقاد .....
"اعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعدها ويحصي أشكالها وألوانها , وأنه ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشئ ماذا يشبه وانما مزيته أن يكشف لك عن لبابه وعن صلة الحياة به".
يعتبر الفكر الديواني من التوجهات التي أثرت في التفكير الرومانسي وبعثث في الشعر العربي نفسا فيزيولوجيا جديدا ساهم في اثراء الخزانة الرومانسية بنصوص ذات صلة بنفسية الشاعر وبحياته وبمحيطه الذي يرتع فيه , وكان من أبرز ما دعوا اليه هو التخلص من ربطة العنق الخانقة التي شدت الذات العربية عن التعبير وخنقت مستوى التفكير , وعجزت لسان الشباب عن الافصاح ويتمت كل جديد منافس لما هو جاري من أوضاع سوسيوثقافية وسياسية وغيرها .
لذلك كان من الضروري والأجدر أن تتخلص الذات الشاعرة من كل قيد يقيدها أو موروث يعود بها سنوات الى الوراء , لذلك كان الهدف الأسمى والغاية العظمى هو اعادة الاعتبار الى الذات الشاعرة التي كادت ان تحطم أو تحنط من لدن الطرف المستبد الراغب في هز أركان الذات المعبرة .
فكان تخلص الشاعر من الموروث نقطة في التعبير عن الواقع الضنك المعاش وعن ما له صلة بالحياة يقول ميخائيل نعيمة في كتابه الغربال " حاجتنا للافصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية من فرح وحزن ولذة وألم وخوف وطمأنينة وفوز واخفاق....." .
ولاغرو في ذلك حيث أن من غايات الشعر هو أن يطاوع الشاعر ما تمليه عليه دواوينه النفسية دون أن يتوقف على شئ لم يراه بل لم يرى احدا رأه كما عبر عن ذلك " نجيب شاهين " وقد انتبه الى هذه المسلمة أدباء العرب الأقدمون حيث حددوا مفهمة الشاعر " الشاعر لا يسمى شاعرا حتى يكتب ما يشعر به " .
أما قول العقاد فغير نابع من فراغ وانما هو تلميح الى بعض الشعراء الذين عاصروه وظلو للماضي عاكفين مستنشقين هواء الشعربأركانه وتفاصيله ونص السابق للعقاد هو رد على " أحمد شوقي " الذي انحصرت قصائده في دوامة" الخليل بن أحمد الفراهيدي " لذلك ظل العقاد يدافع عن التجديد رافعا سلاح التحدي بالتعبير عن كل ما يخطر و لا يحضر ونجده في جل نصوصه يدافع عن ذلك يقول في كتابه -اللغة الشاعرة- " الشاعر نبي وفيلسوف وكاهن " وهذا مما صرح به كبار الفلاسفة " أفلاطون حينما قال في كتابه "الجمهورية" " أينما ذهبت وجدت شاعرا قد سبقني " .
وهذا ليس بالغريب فالشعر هو البيان والافصاح والاشارة وليست مزيته التعبير عن الملحوظ بل أن يتجاوز الشاعر المرئيات والبحث على ما يدفع القارئ للبحث عما وراء الكلام ويضرب له سفحا في البيان كما عبر عن ذلك" جبران خليل جبران " .
فهذا ما ساعد الفكر العقادي والتفكير المازني والخلخلة الشكرية في بناء جماعة سندانية الأصل لا تأبي عن ممارسة الأركيولوجيا على الحاضر والتفتيش في جثت المستقبل التي لم تقع والافصاح بكل أكسيولوجية لا يمنعها من ذلك سوى الغدر او القدر الذي يحول دونما أي سابق انذار أو اشارة انطلاق.