صدمة الغموض في الشعر العربي الحديث وأزمة الفهم وهاجس التلقي

زكرياء لهلالي
2012 / 12 / 15

عتبة الانطلاق....
هم أي القدماء لماذا لا تقول ما يفهم؟
أبو تمام,, ولمذا لا تفهمون ما يقال؟
مسألة الغموض في الشعر العربي الحديث ليست مسألة رغبة في اخفاء واضح أو جذب قارئ بينما هي مسألة ذاتية خاصة بالشاعرة فالشاعر لا يسمى شاعرا حتى يكتب ما يشعر به كما حدد ذلك الأقدمون . فالقصيدة الواحدة تستدعي من الشاعر لا النظام وقت ليس بالقصير , اذ يعبر فيها عما هو غير واضح في الحياة الانسانية وهو يبحث عن الكشف عن أشياء ليست قابلة للكشف كما حدد ذلك الشاعر الفرنسي المعاصر " رينيه شار "" الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجة الى الكشف" , أو كما قال علي أحمد سعيد ( أدونيس) " الشعر الجديد من هذه الوجهة هو ميتافيزياء الكيان الانساني " ( زمن الشعر) ص 10.
فمسألة الغرابة ليست مقصودة في الشعر الحديث وانما الدافع الذي جعل مصطلح الغموض أن ينفذ اليه هو غالبا ما يكون المتلقي غير قادر على الفهم واستيعاب أسرار الذات الشاعرة , يقول أدونيس ( اذ أن الغرابة هنا هي الجدة , والغريب لا يمكن فهمه بسهولة , هناك أمثلة على الغرابة وصعوبة الفهم حتى في العلم والفلسفة والتصوير , لم يفهم انشتاين رياضيو عصره واستخف الكثيرون بعالم نيتشه ولم يكن أحد يقيم أي وزن للوحات فان غوخ , هنا على وجه الدقة يكمن معنى التجديد) زمن الشعر ص 19.
فليست الغرابة متعلقة بذات الشاعر بل بذات المتلقي , فكل جديد يترامى في أحضان الجديد , وكل قديم ينام في حضن القديم الدافئ فعقل القارئ المغرم بالقديم المتيم بحيتياته قد لايستسيغ الجديد المتمرد يقول أدونيس " الشعر الجديد يتطلب اذن قارئا جديدا هل أنت كقارئ جديد , تقرأ بمقاييس غيرك التي تقدمها لك الكتابة , أم تقرأ بما في ذلك من توهج وأسئلة ؟ بكلمة , هل أنت حي ؟ ) .
وقد يكون هطذا النعت بالغموض في حق الشعر الحديث هو الاعجاب بالقديم والتمسك بأدياله حتى صار الانسان العربي يتباهى بالنص الشعري القديم ولا نسمح أن يطعن فيها , حتى أن أنصاره فئة عريضة التي لا تكاد تصمت حول التشويش على النص الحديث وقد أشار الى ذلك ميخائيل نعيمة في كتابه الغربال ب" نقيق الضفادع ".
يقول " لا شك ان اليوم الذي نطق به أول بشري بكلمة "نعم" بدلا من هز الرأس أو الكتفين أو اشارة سواهما للايجاب كان أشد الأيام سواد في حياة ضفادع الأدب , اذ فيه سقطت أول قنبلة من معسكر العدو في مستنقعهم فهب في الحال زعيمهم الأكبر ووقف فيهم خطيبا تكاد تتمزق حنجرته من الغيظ " واق واق واق وترجمة هذه الخطبة , أيها الضفادع , ان لغتنا الشريفة لفي خطر كبير , تلك اللغة التي تسلمناها نقية من الاباء وقطعنا على أنفسنا ميثاقا أن نسلمها طاهرة الي الأبناء والأحفاد قد قام اليوم من يدنس طهارتها ويمتهن كرامتها ويشوه بلاغتها ....).
نافل القول , فظاهرة الغموض ليس غموضا بقدر ما هي دعوة الى التفكير والتحليل وفك رموز زمان الحياة وكشف الحجب أمام النفس.