تضافر كائنات الدار المغربية في رواية عزوزة -نموذج- ل الزهرة رميج

محمد طلعت
2012 / 12 / 10

المبدعة المغربية "الزهرة رميج" جاء تعرفى بها من خلال ما قدسه الله وأقسم به وجاء كتابه بلغته ألا وهو الحرف العربي والبيان العربي، لذا لم أستأثر لنفسى بما منحنى هذا اللقاء بنفح الطيب، وسوف أنثر بعض تجلياته على القراء المهتمين بتجلي نظام الأسرة فى أروع ما قدمته الذائقة الإبداعية عند المبدعة"الزهرة رميج" فى روايتها الفارقة فى تاريخ الأدب المغربي الحديث "عزوزة"، التى تتجلى فيها مفردات الأسرة المغربية بأروع صورها فيما اسميه بـ ( تضافر كائنات الدار المغربية) لنخرج من المعني الضيق المقصور على الإنسان أو الأركان بل نلمس الكائنات الأخري من حيوان وطير كنسيج حي له حضوره الدلالى والمشفر فى منظومة الدار المغربية التقليدية.

أرصد هنا بعض من مكونات الأسرة المغربية كنواة محلية لتغزل لنا واقع الأسرة العربية الأشمل المتجانسة بين الخليج والمحيط بتيمات أسرية متشابهة لحد ما فى العاطفة التى تجمع النقائض فى البيت الواحد والأسرة الواحدة التى تولد وتموت تحت سقف مسكن واحد.

تعتني الزهرة رميج بنقل ملاح الأسرة المغربية العريقة فى مكوناتها الحياتية وتطوراتها النفسية من البادية إلى الحضر إلى المدينة مصاحبة مفردات الأسرة ومكوناتها، وما نعنيه من مكونات الأسرة هو البيت.. المسكن.. السكن؛ ليحمل عدة مدلولات إنسانية وأمنية ومعيشية. حياة كاملة ومشتركة بين هذه المكوناته الأسرية سواء الإنسان أو الجدران /البيئة أو الحيوان..

يكمن تكامل هذه المكونات بين الأبطال الثلاثة فى رواية عزوزة (الإنسان / المكان/ الحيوان) بفرض حالة من التعويض مبرمجة فى الشحن التلقائي الذى تفرضه حالة التشابه اللامرئي بين هذه الكيانات الثلاثة سوى إضاءات تأتي على هامش المتن السردى تارة ترمى بها الساردة فى سخرية حين يتم الترابط الوصفى بين شخصية الحمرية/ الإنسانة والحمارة / الحيوان. وجاء التشبيه بينهما فى الحظ العاثر في سوء الهيئة، وتارة أخرى ترمى بها الساردة فى فخر واعتزاز حين يتم الترابط الاستعاري بين أحمد والفرس فى القوة والجمال حتى فى مزاجه الجنسي. فضلا عن الميل الفطري لكل الأسر فى تربية الدجاج والأرانب كما فعلت عزوزة فى اعتنائها بالطيور. مما يؤدى هذا إلى نتيجة واحدة وهى التوحد الذى أدى إلى تناقضية الشخصية برغم غلافها الخارجى فى الكمال؛ ليعطى أول مؤشر لتجانس مكونات الأسرة الواحدة فى البيت العربى ألا وهو علاقة الوفاق التام وإن شابهه بعض التنافر بين الحيوان أو الطير مع الإنسان( أفراد الأسرة الواحدة).

كثيرا فى الأسرة العربية خاصة الريفية تربط بين صفات الحيوان وأحد أفراد الأسرة سخرية أو إعجابا. يتضح هذا فى تعامل أحمد بطل الرواية بين زوجتيه(عزوزة والحمرية) فالأولى يأتى وصفها وكأنها فرسة أصيلة عربية جميلة، والثانية حمارة فى عدم الاعتناء بنفسها ومظهرها الخارجى.

توحدت الحمرية اللاإراديا مع الحمارة. فمصير الحمارة مع فرس أحمد مماثل لمصير الحمرية مع أحمد نفسه، كيف؟ حرص أحمد على عزل فرسه بعيدا عن حمارة أمه حتى لا يتأذى نفسيا - الحصان- من معاشرة الحمارة بدل من فرسة.. فقرر الفصل بينهما وترك الفرس يصهل مع فرسة الجيران بعيدا عن الحمارة.. وهو نفس المصير الذى انتهت فيه علاقة أحمد بالحمرية، فلم يقترب منها جنسيا مشمئزا من إهمالها لنفسها وتزينها، مقارنة بعزوزة واعتنائها الفائق بالتزين والتطيب.

توجد علاقة قوية بين نهايات مكونات الأسرة بين الروح سواء إنسان أو حيوان وبين الجدران الصماء، فالكل قد يتأثر بحالة الأخر فالإنسان قد يتأثر بحزن الحيوان أو بقلع شجرة البيت او ألم طير من طيور البيوت.. وقد يضيف الإنسان البهجة على المكان مثلما فعل أحمد فى بيته الكائن بين البادية والحضر وقد يضيف أركان البيت الصماء نوعا من البرودة والخرس والعجز كما بيت أحمد الجديد بالمدينة.

النهايات المأسوية التى قدمتها الزهرة رميج لنهاية الحيوان فى روايتها داخل الأسرة كانت فاجعة وكأن الحيوان فرد من أفراد الأسرة، حيث يأتى الأدهم (حصان أحمد) الذى انفرد بمشهد مصيرى مفجع فى نهايته، وكأن رحيل الحصان عن الأسرة وذبحه وتقديم لحمه للزبائن نبوءة سوف تحمل نفس النهاية لأحد أفراد الأسرة؛ فحين أراد أحمد أن يستقر فى المدينة بائعا كل ممتلكاته ومنها الحصان. فلم يتحمل الحصان الحياة دون رفيقه، وانتقاله من صاحبه المتوحد(أحمد) إلى صاحب جديد جشع قاده إلى المذبح. نفس المصير الذى لاقاه الأدهم هو نفس المصير الذى اختتم به أحمد حياته بالذبح البطيء. حين انتقل من فضاءاته الواسعة وحريته كتاجر حر لا يقيده مكان إلى دكان صغير فى حارة بالمدينة؛ فكان عجزه وضعفه وموته.

نستنتج من ذلك ثمة مكان وحياة يتوحد فيها البطل الثالث (البهيم) مع قرينه البطل الأول ليتوحد الاثنان فى البطل المكاني ليعطوا لنا تشكيلة أسرية حميمة فى نسيجها الداخلى لتؤسس معنى ومفهوم البيت والأسرة الكاملة حيث الكل يخدم الكل.

أدى هذا الترابط إلي دمج شخصية الحيوان والإنسان فى قالب من المشاركة الحسية الخافية لتتوحد مكونات الأسرة، ليس فى جانبها المنفر بل تعكس الجانب الرائق لمفهوم توحد مكونات الأسرة المغربية ومنها العربية؛ لتقدم لنا قيمة الرحم والسكن النواة الأساسية لتكوين الأسرة.

انعكاسات الأسرة التى ترصدها الأديبة الزهرة رميج تمنحنا بعض من اليقين أن البطل فى واقعنا الحياتى هو "الأسرة" بكل مكوناتها، وما نحن إلا ممثلين على خشبة مسرح بين المحترفين والهواة فلا فرق بين ممثل إنسان/ حيوان/ جدار.!