خطيئة عقاب صقر

محمد علي مقلد
2012 / 12 / 9

انقسم الرأي العام اللبناني بين مؤيد ومعارض للنائب عقاب صقر ، كما هي العادة في انقسام اللبنانيين عاموديا بني الآذارين. الذين ابتهجوا شعروا أن صقرهم رد الصاع صاعين فكان مفحما وقويا، فند الحجج ودحض " الأكاذيب " ، والمنزعجون رأوا أن مضمون المؤتمرجاء ليؤكد المؤكد ويثبت عليه تهمة التدخل في الشأن السوري وليضيف إليها تهمة التلاعب بالوقائع وبمضمون اتصالاته مع الجيش السوري الحر ، من خلال المونتاج والاقتطاع وغير ذلك من أساليب تزوير الرسائل الصوتية والتخابر . فريق ثالث اكتفى بإدانة الأسلوب.
الحقيقة أن النائب صقر جارى خصومه في ارتكاب خطأ مركّب يكاد يرقى إلى مستوى الخطيئة ، بحق لبنان ، وطنا ودولة ، أو أن الخصوم أوقعوه في شرك أو أنهم جعلوه ينزلق على قشرة موز التراشق الإعلامي الخالي من الضوابط الأخلاقية ومن لغة التخاطب النبيلة .
الوجه الأول من الخطيئة يكمن في كونه شد أنفاس اللبنانيين إلى طرح القضية طرحا مغلوطا ، فصار الجواب على أسئلتها اللبنانية محكوما بالغلط أيضا . جوهر القضية هو هل نكون مع الثورة أو ضدها ، وهل نعضدها أم نعضد النظام ، هل نكون مع الديمقراطية أو مع الاستبداد ، الخ . وكان يكفيه أن يعلن مناصرته الثورة في وجه خصومها ، سوريين ولبنانيين . بعد ذلك يبرز السؤال الأصعب المتعلق بدور اللبنانيين في الثورة السورية ، وفيه غاب عن بال النائب صقر أن اللبنانيين ابتلوا ، من جملة البلايا ، بتدخلات خارجية أججت الخلافات وجعلتها تستعصي على الحل، وكان ينبغي أن نتعلم من التجربة الفلسطينية كيف شكل التدخل الخارجي(وليس المساعدة) وما زال يشكل، الخطر الأساسي على قرارهم المستقل ، ومن التجربة اللبنانية كيف ساعد التدخل الخارجي على تدمير الكيان والدولة والوطن . نعم، النأي بالنفس كان قرارا حكيما، وكان على الجميع الالتزام به ، حرصا على احتمالات وآمال متبقية لدينا لأعادة بناء لبنان وطنا ودولة . أما المتحمسون للمساعدة فبإمكانهم أن يجسدوا حماستهم بما لا يورط لبنان بتداعيات الصراع الدولي حول سوريا ، وأن يتشبثوا بحقيقة ثابتة مفادها أن مصائر الحلول معقودة ، في نهاية التحليل ، على التوازنات الداخلية قبل سواها ، في لبنان كما في سوريا كما في فلسطين .
الوجه الثاني من الخطيئة ، وهو الأخطر ، تمثل في تكريس تقليد رديء كان في أساس التدمير المنهجي الذي جسده عهد الوصاية السورية على لبنان وطال ، من بين ما طال ، السياسية وممارستها ومعانيها وأبعادها ومراميها وأدواتها وأساليبها ، الخ . لقد جهد النظام الأمني على إفراغها من أي معنى ، وكرس المطبلون للنظام الأمني هذا الأمر حين حولوا الدولة اللبنانية ، بمواصفات الحد الأدنى المتوافرة فيها ، إلى وكر للنهب والسرقة وانتهاك القانون ، وأنزلوا السياسة من مقامها السامي في إدارة شؤون البشر إلى دركها الأسفل في التلاعب بمصائرهم ، وأفرغوا اللعبة من مضمونها الديمقراطي كصراع على السلطة ليشحنوها بالمكائد والأفخاخ ، الخ .
غداة خروج النظام السوري لبنان ، حصل سباق محموم بين فريق 14 آذار، الذي ينتمي إليه النائب صقر، وفريق 8 آذار ، وكان ينبغي أن يعمل الفريق الأول على التخلص من بقايا السياسات الأمنية والمخابراتية والمكائدية ، في مواجهة جهد حثيث بذلته أدوات النظام السوري بغية المحافظة على سياساته ونهجه .
كان على عقاب صقر أن يصمد على نهج قوامه الحفاظ على هيبة الدولة وإعادة الأرجحية للعمل السياسي على العمل الأمني ، وللحوار الراقي بدل الشتيمة والسباب ، وللقانون بدل التشبيح ، وللشفافية بدل التخفي ، الخ . وكان ينبغي أن يكون القضاء هو المرجع لحل الخلافات بدل نشر الغسيل الإعلامي بضوابط وبغير ضوابط ، الخ.
قبل هذا وذاك ، كان ينبغي ألا يرمي السجال إلى التأكيد على أن أخطاء الآخرين ذات طابع تقني ، أي أنها متعلقة بالمونتاج والتقطيع والتزوير والحذف والضم والفرز ، أو أنها مجافية للقيم الأخلاقية لكثرة ما فيها من "كذب وتجن وافتراء" . فالسجال الحقيقي هو الذي يمضي إلى الجوهر السياسي للقضية :
أولا : الدفاع عن السيادة الوطنية ، سيادة الدولة والقانون ، واجب الجميع . يبدأ ذلك بالكف عن استدراج الخارج إلى التدخل في الشأن اللبناني ، كما عن حشر الوضع اللبناني في صراعات الخارج . هذا يعني أنه لا مفاضلة بين طريقتين أو أكثر في التفريط بالسيادة .
ثانيا : الفارق بين الحرص على السيادة والتفريط بها لا يبرز خارج الحدود اللبنانية ، لأن الرهان على انتصار الثورة السورية من أجل بناء دولة السيادة والقانون والمؤسسات، يشبه الرهان على انتصار النظام السوري وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء لبعث الاستبداد السياسي أو الديني أو العسكري حيا بعد عصر الربيع العربي.