عاشوراء طقوس أم سياسة؟

محمد علي مقلد
2012 / 12 / 2

هل طقوس عاشوراء جزء تكويني من الدين؟ أم هي مجرد عادات وتقاليد صنعها البشر وتتبدل مع الزمن؟ سؤال يطرح مع ما طرأ على المناسبة من تعديلات ، لم يعد إحياء المناسبة يقتصر على عشرة أيام ( ومنها اشتق الأسم ، عاشوراء ) بل باتت تمتد على شهر أو أكثر .
المقدس في الأديان السماوية هو الله وحده، ولا شريك له في القداسة إلا آيات أنزلها على أنبيائه المصطفين أو أوحى بها إليهم . كل ما خلا ذلك ليس مقدسا ، لأنه من صنع البشر ، لا من صنع الخالق.
أما في الأديان غير السماوية فهناك قديسون أجسادهم من طينة بني البشر ونفوسهم تسمو فوق نفوس البشر فترفعهم إلى مرتبة القديسين . هكذا هي الحال في ديانات الشرق القديمة ، في البوذية والهندوسية والبراهمانية والكونفوشية ، حيث الله خلق البشر وسلمهم أمانة الوجود وسيرورة الحياة الدنيا ثم توارى خلف حدود الكون، فخرج من بينهم قديسون تساموا في فكرهم وسلوكهم ليبلغوا مرحلة من الكمال تدنيهم من صورة الله ، وصاروا قدوة للمؤمنين يتبعونهم في فكرهم وسلوكهم، بحيث صارت القداسة مباحة ومتاحة لكل من تسامت نفسه وانتهت عن الإثم وتقربت من روح الله .
في الأديان السماوية قيل إن الله خلق الإنسان على صورته . وفي غير السماوية قيل إنه خلقهم وأتاح لهم الفرصة ليكونوا على صورته ، أما في دين الفلاسفة الملحدين فقد قال نيتشه، باسمهم، إن الإنسان هو الذي خلق الله على صورته ، وهو يعني في ذلك أن صورة الله في عقول المؤمنين ليست واحدة لدى جميع المؤمنين ، ولا يمكن أن تكون هي ذاتها في جميع العصور ، ويستحيل أن تكون هي نفسها في كل الأماكن. وبهذا المعنى من الطبيعي أن تتطور صورة الله في عقولنا مع كل تطور يطال عقولنا .
هل هذا الذي نفعله في عاشوراء جزء من الدين ، من أصوله أو فروعه ، أم هو من صنع البشر؟ وهل هذا الذي يصنعه البشر هو جزء من الدين أم أن الدين هو ما يصنعه الله وحده ويقدمه للبشر بالتنزيل أو بالوحي؟ وما هو منسوب القداسة في مناسبة عاشوراء .
الدين ، على اختلاف الديانات السماوية، ثلاثة مستويات : أولها الإيمان . وهو نوع من الحدس ، نوع من النداء الداخلي، نتعلمه بالتربية أو نرثه من أهلنا أو نتلقنه في الحي والمدرسة أو يأتينا عبر مكبرات الصوت ولا ندري به إلا بعد أن يكون قد تسلل إلى عقولنا كما يتسلل النور من شقوق النوافذ والجدران . يقول السيد محمد حسين فضل الله، رحمه الله، لا تنفع وسائل الإقناع العلمي لنثبت بالبراهين الرياضية والعلمية والعقلية وجود الله أو لنثبت عدم وجوده .إذن يمكن القول إن الإيمان شيء رباني، أو هو علاقة فردية محض بين الإنسان والخالق، قد تكون سطحية مبنية على خوف منه أو من يوم الحساب،وقد تكون جزءا من عادات المرء وتقاليده اليومية، كما هي الحال لدى الأغلبية الساحقة من المؤمنين ، وقد تكون عميقة كما هي الحال لدى قلة من أصحاب المخيلات المبدعة ، من الذين تصوروا أن روح الله حلت فيهم ، وأن علاقتهم بالله كعلاقة العاشق بالمعشوق ، يذوب الواحد في الآخر ويفنى فيه ، فصار في إمكانهم أن يقولوا كما قال الحلاج : وما في جبتي إلا الله . لكن هذه المخيلة المتسامية لم تشفع له فكفره جهلة الدين وحاربوه ، لأنهم رفضوا أن يكون الإيمان مجرد علاقة فردية بين الإنسان وربه، وأصروا على مأسسة الإيمان وجعله فعلا جماعيا خاضعا لا للحدس والنداء الرباني الداخلي بل لقرار الجماعة ، إي للسياسة . أي أنهم سيسوه فصار جزءا من آلة الحاكم ، وتحولت موجات الإيمان من المعتزلة إلى الأشعرية ومن الأشعرية إلى المعتزلة تبعا لمشيئة صاحب السلطة ، وتم التنكيل بابن حنبل وكفر جمال الدين الأفغاني ونفي الطهطاوي وقتل الكواكبي ونزعت العمامة عن رأس الشيخ علي عبد الرازق ثم أعيد الاعتبار إليه شيخا في الأزهر، وطلق نصر حامد أبو زيد من زوجته الخ الخ...إلى أن صار في نظرهم للدولة دين ، فلم يعد الإيمان مطهرا من الإثم ولا محلا للتسامي نحو الله ، لأن السياسة جرجرته إلى حضيض مصالحها الدنيوية .

المستوى الثاني هو العقيدة ، وهي عبارة عن مبادئ وأفكار فلسفية موجودة في النصوص المقدسة ، تختلف من دين إلى دين لكن جوهرها واحد ، ومضمونها واحد ، خلاصته قيم أخلاقية واجتماعية تنظم حياة البشر وعلاقاتهم فيما بينهم ، وتدعو إلى الفضيلة والبعد عن الآثام وارتكاب المعاصي . غير أن النص المقدس يبقى مقدسا طالما لم يمسسه بشر . ألم يقل الإمام علي إن القرآن لا ينطق بذاته إنما يحتاج إلى رجال ؟ أولم يقل إيضا إن القرآن حمال أوجه؟ ذلك يعني أن الآيات الموجودة بين دفتي الكتاب المقدس لا تكون مقدسة إلا وهي بين دفتي الكتاب، وحين تخرج من بين الدفتين لتصبح جزءا من تفكير البشر تصير حمالة أوجه، لأنها تخضع للتفسيروالتأويل ومن ثم لاجتهاد العقل البشري.هنا بالضبط نعثر على تفسير الأسباب التي جعلت الدين مذاهب والمذاهب فرقا وشيعا ، ونعرف من أين أتى علم الكلام والفلسفة الدينية والمذاهب الخمسة في الإسلام : نجم ذلك من القراءات المتعددة للنص الديني، أخذا بالاعتبار أن في النص القرآني آيات تنسخ آيات أخرى ، وهذا باب في علوم القرآن واسع إسمه علم الناسخ والمنسوخ .
لم تكتف القراءات المتعددة بتفسير النص المقدس تفسيرات شتى ، بل عملت فيه تحريفا بما يتناسب مع مصالح المفسرين ، وقضية الآية السابعة من سورة آل عمران معروفة لإن تفسيرها المغلوط كان مقصودا لأنه هو الذي يفتح الباب أمام تسييس الدين وتعميم القداسة بالتدريج ، فلم تعد الآيات وحدها مقدسة بل شملت القداسة التفسير والمفسرين والأقوال والأفعال والعادات والتقاليد والطقوس، ومن بينها الطقوس الكربلائية.
" هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنابه ، كل من عند ربنا وما يذّكّر إلا أولوا الألباب"
المستوى الثالث هو الطقوس . وهي ليست جزءا من النص المقدس و لا تنتقص من إيمان الفرد ، مهما تباينت المذاهب والأماكن وفتاوى الأئمة . خصوصا أن الطقوس والعادات والتقاليد الدينية هي حيز عام بين المذاهب والأديان ، وهي في جزء منها تكريس لما كان موجودا قبل الأديان ، فالحج إلى الأماكن المقدسة في مكة كان موجودا قبل الإسلام واستمر بعده ، والرقم 7 مقدس في البوذية قبل أن يتحدث الإسلام عن السماوات السبع والأراضين السبع ، والرقم 40 مقدس في الفرعونية قبل أن تكرسه بعض المذاهب في مناسبات الموت ، والبوذي يصلي خاشعا ساجدا تماما كما المسلم ، مع العلم أن البوذية ظهرت قبل المسيحية بستمئة عام بينما ظهر الإسلام بعدها بستمئة عام ، ألخ. وكل دين أو مذهب يحاول أن ينسب لنفسه خصوصية ليست موجودة لدى سواه ، ومن أهمها خصوصية المذهب الشيعي ، وهي خصوصية تمتد من خلافة الإمام علي حتى المهدي المنتظر.
هذه الخصوصية لا تمنح إيمان الشيعي أفضلية على إيمان سواه ، ولا أفضلية في عقيدته على عقيدة سواه ، فكل صاحب عقيدة يعتز بعقيدته ويعتبرها الأهم والأصح والأصلح . أما المضي في زعم الفرادة فلا يفضي لغير التعصب ، وقد بلغ التعصب أوجه في وطننا حين استولت السياسة على الطقوس والعادات والتقاليد الدينية وحولتها إلى أداة عسكرية وآلة للحرب ، فأطلقت التعصب من القمقم ليخرج المارد الماروني في بداية الحرب الأهلية ، لكن خروجه كان وبالا على المسيحيين عموما وعلى الموارنة على نحو خاص ، وليخرج من بعده مشروع الشيعية السياسية الذي بدأ بتدمير الشيعة في حرب اقليم التفاح ثم استتبعه باستدراج العدوان الاسرائيلي في 2006 وباستدراج المارد السني في السابع من أيار ، ولن تكون مصائر المردة ، كل المردة ، على اختلاف أسمائهم وشعاراتهم ، إلا كمصائر سواهم من المغامرين بوحدة الطائفة ووحدة الشعب اللبناني ووحدة الوطن والدولة .
لم يعد مجديا للشيعة تحويل ذكرى عاشوراء إلى مناسبة للتحريض على أبناء الوطن ، إذ لا معنى لمنطقة غالبية سكانها من الشيعة ، كما لا معنى لسائر المناطق ذات الأغلبيات الأخرى، إن لم تكن جزءا من وطن ، بل لا معنى للوطن كله إن لم يكن جزءا من الربيع العربي الذي فتح صفحة بيضاء من التاريخ العربي ، وطوى صفحة سوداء من الاستبداد الرابض على صدر الأمة منذ مئات السنين. ومن باب أولى ، لا معنى لتمديد مواقيت المناسبة وتحويلها من عشرية إلى عشرينية ، لأن الزمن يمضي في غير اتجاه .