تعديل على الاستقلال المقبل

محمد علي مقلد
2012 / 11 / 25


المعنى الأول الذي تنطوي عليه فكرة الاستقلال هو التحرر من قوة أجنبية احتلت وطنا واقتطعت جزءا من تاريخه ، وتأمين إدارة ذاتية لشؤون البلاد ، والتخلص من كل سيطرة خارجية أو رعاية أو وصاية أو انتداب.
قامت هذه الفكرة ، في لبنان ، على خطأ فادح في قراءة التاريخ والوقائع المحيطة بمرحلة نشوء الأوطان الحديثة ولم تكن فترة سبعين عاما كافية لوقف تداعياته. ذلك أن تاريخ لبنان الحديث بدأ في العام 1920 ، يوم إعلان لبنان الكبير، أو عام 1926، يوم إعلان الدستور، ولم يكن دور الاحتلال الأجنبي (الانتداب الفرنسي في حالة لبنان) تقطيعا لتاريخ هذا البلد، لأنه لا البلد كان موجودا قبل تلك الفترة ولا كان له قبل ذلك تاريخ . ذلك أن فكرة الوطن ذاتها لم تكن معروفة أو متداولة في العالم ، خارج القارة الأوروبية. ما كان موجودا في العالم العربي آنذاك هو ولايات أو إمارات تابعة للسلطنة العثمانية ، تضيق حدودها أو تتسع تبعا لقوة النفوذ التي يتمتع بها الأمير أو الحاكم أو الوالي المحلي .
ترتب على خطأ الاعتقاد بوجود تاريخ قديم لبلد إسمه لبنان جملة من الأخطاء المتناسلة ، أولها أن اللبنانيين الذين انضووا في الوطن الجديد ، راحوا يكتبون التاريخ كل بمنظاره ، فصار لكل "ولاية" من الولايات التي تشكل منها لبنان تاريخها ، وتنافرت التواريخ بين من ذهب بعيدا في البحث عن البداية ، ورأى في الفينيقيين أول التاريخ، ومن اكتفى بالتوقف عند الفتح العربي ، فنشأ أول تناقض بين العروبة والفينيقية ، ما لبث أن انفجر بين أنصارهما ، وتراكبت على هذا التناقض صراعات طائفية وإقليمية ودولية ، وجدت تربتها الخصبة في تنوع الولايات اللبنانية ، وتجسدت حربا أهلية أولى عام 1958 وثانية لم تزل متواصلة منذ عام 1975
ثانيها أن من يرى التاريخ متواصلا منذ الفينيقيين، بدت العروبة ، في نظره ، كأنها هي التي قطعت هذا التواصل، ومن يراه متواصلا منذ الفتح العربي ، كانت سايكس بيكو هي التي قطعته. وفي الحالتين صار لبنان الوطن بمثابة اعتداء على الصورة المتخيلة للبنان لدى كل من الفريقين . والأخطر من ذلك أن الاختلاف على تاريخ الولايات ، في ظل ضغوط الحركات القومية، أضعف احتمالات تجسد الوحدة الوطنية في دولة وشعب وسيادة، وتأجلت ، بفعل المشاريع المافوق وطنية والمادون وطنية ، فكرة الوطن النهائي، ما جعل لبنان كيانا سائبا تنتهك سيادته قوى سياسية داخلية،اعتمادا على ما سمي سياسة الاستدراج والاستقواء ، وصارت أبواب التدخل مشرعة أمام كل القوى الخارجية ذات المطامع .
ثالثها تحول الاختلاف في وجهات النظر إلى خلافات حادة ، حالت دون كتابة تاريخ موحد للبنان ، وصعبت عملية التنشئة الوطنية وأرجأت الانصهار وجعلت الأجيال الجديدة بعد " الاستقلال " تستسهل اختيار انتماءات أخرى غير الانتماء الوطني ، كالانتماء إلى المشروع الطائفي أو المذهبي أو الاشتراكي أو القومي العربي والإسلامي والمسيحي.
رابع الأخطاء الكارثية التأسيس لأنظمة استبدادية في طول الوطن العربي وعرضه تعتمد التعبئة ضد عدو خارجي هو الاستعمار والرأسمالية والغرب ، وتبرر الشوفينية وكره الآخر قريبا أو غريبا من أجل إحكام القبضة على السلطة . كان من نتائج ذلك رؤية الوجه الاستعماري فحسب من الحضارة الرأسمالية لتبرير الحرب على أنجازاتها ، ولا سيما في ما يتعلق بالديمقراطية والحريات وحقوق الانسان.
إذا كان هذا هو التشخيص ، فما هو الحل ؟
1- جعل الاحتفال بمناسبة الاستقلال الحالية مقتصرا على تكريم الذين نكرمهم في كل عام ، مع تجديد مضمون هذا التكريم بما يليق بتضحياتهم ويمنحها بعدها الحقيقي.
2- استحداث مناسبة وطنية سنوية بديلة عن مناسبة الاستقلال، يتحدد تاريخها بيوم الإعلان عن لبنان الكبير أو الإعلان عن الدستور ، وتسمى العيد الوطني اللبناني أو عيد الدستور .
3- يكتب تاريخ لبنان الموحد منذ هذين التاريخين ، على أن يبقى ما قبلهما تاريخا للولايات التي خضعت للسلطنة العثمانية وقبلها لسلطة المماليك والأمبراطورية العربية أيام الخلافة الإسلامية وصولا إلى الحضارات القديمة .