صور الحسين والشيعية السياسية

محمد علي مقلد
2012 / 11 / 25

حين تستحضر الشعوب صورا من تاريخها فلكي تستعين بها على ما تواجهه في حاضرها ، أو لكي تتباهى بماضيها ، أو لترسم على هديه صورا لأيامها القادمة.
لكل شعب قديسون ، تستحضر صورهم مع صور الشهداء والأدباء والفلاسفة وقادة الدول وقادة الحروب ، وتصنع لهم تماثيل و أيقونات ، ويمجدون بروايات وقصائد ورسوم ترفع على جدران الكاتدرائيات وفي الساحات وعلى قمم الجبال
ربما لسنا وحدنا من نكرم عظماء من التاريخ ، لكننا ، للأسف ، قد نكون الوحيدين الذين نسيئ إلى عظمائنا فيما نحن نتوهم أننا نكرمهم . صورهم طالها التشويه ، الوجوه المشرقة في سيرهم حرفت وعرضت تجاربهم عبر المبالغات والخرافات والبدع ، وبدل أن تكون حياتهم مادة للمعرفة والتثقيف والعلم يحولونها إلى أدواة للتجهيل .
عظماء التاريخ في كل أمة هم عظماء الأمة كلها ، بل هم عظماء الأمم كلها . هكذا صار سقراط وأرسطو مفخرة لا لليونان فحسب بل لأهل الكرة الأرضية ، وهكذا صار ابن رشد العربي وتوما الأكويني جسرين عبرت عليهما الحضارة العربية إلى النهضة في أوروبا ، ولافوازييه وديكارت والخوارزمي ، علماء أفادوا البشرية كلها بعلمهم ، وحمورابي والاسكندر ونابليون ولينين وماوتستونغ وابراهيم لنكولن وديغول وعبد الناصر ...قادة أختلفت شعوبهم على تقدير أدوارهم في أيامهم، لكنهم ، بعد أن ماتوا صاروا محل أجماع أممهم ، جزءا من تراث شعوبهم ، تقام لهم التماثيل وتنظم حفلات التكريم و يقرأهم طلاب المدارس في كتبهم ويكتبونهم على دفاترهم
إلا نحن ، فلم يكف عظماءنا أنهم كانوا موضع خلاف في حياتهم ، والإمام الحسين ليس الوحيد الذي تنازعت أمته على تاريخه ، حتى رحنا ننقل النزاع حولهم من جيل إلى جيل . فهذه هي حال صلاح الدين الأيوبي وهارون الرشيد والخلفاء الراشدين والمئات ممن صنعوا تاريخنا، من القادة والفلاسفة والشعراء والفنانين. أليس لافتا أن يكون معظم هؤلاء قد ماتوا قتلا ، وأولهم الخلفاء الراشدون الثلاثة ومن بعدهم ملوك وأمراء وشعراء وفلاسفة ومصلحون كثيرون؟؟؟
نختلف عليهم بعد مماتهم لأننا نقيسهم بمقاييسنا ، بينما الصحيح أن نقيسهم بمقاييس عصرهم ، لأن المقاييس تتبدل مع العصور ، بل هي في السياسة لا تحتاج إلى عصور لكي تتبدل ، يكفي أن تتبدل المصالح السياسية الآنية لتتبدل المعايير . وبسبب تبدل السياسات والمصالح تشوهت صور الإمام الحسين .
الحسين ثورة على الظلم في مواجهة الظالمين ، أما نحن فجعلنا له من بعده سلالة نقية ولأعدائه سلالة نقية ، ولم تردعنا العلوم وخرائط الجينات عن ارتكاب هذه الخطيئة بحق العلم وبحق الحسين وأهل البيت واستمرينا نرسم خطوط التماس بين جبهتين منذ كربلاء . جاءت شعوب ومضت شعوب ، ماتت أجيال وولدت أجيال ، ووقعت حروب ومجاعات وأبيدت حضارات ، وما زلنا نحن كما نحن ، نمتشق السيف ونمتطي جياد الحرب ونتوسل حجارة السجيل ، حتى لو ركبنا الطائرات وضغطنا على زناد البندقية أو زر الكمبيوتر.
نعم ، بدل أن ننفض الغبار عما لحق بتاريخنا من تشوهات ، ونبرز صورة الحسين ثائراً ومناضلا من أجل قضية شريفة لنسترشد به وبالقضية ضد كل ظالم في أيامنا، نراهم يستحضرون صورة الأعداء إياهم ويستعيدون الأسماء إياها ، وكأن أنظمة الحكم اليوم هي كلها من سلالة بني سفيان والأمويين ، أو كأن الشيعة كلهم اليوم من سلالة آل البيت...وباسم هذه القسمة القديمة يسوغون لأنفسهم ممارسة الظلم على كل من يخالفهم الرأي والعقيدة .
والحسين بطولة وتضحية وشهادة ، لكن تكريمه تحول إلى مناسبة يومية للتحريض الرخيص ولشرذمة الصف والشتيمة ومفاقمة الانقسام وتعزيز المحاصصة . هذا لكم وذاك لنا ، أنتم ونحن ، هذه اللغة الخبيثة التي نقلوها عبر مئات السنين وحولوها إلى حركة مذهبية ضد حركة مذهبية أخرى ، بعد أن كان الحسين جزءا من تراث كل الأمة ، وبعد أن كان اللبنانيون كلهم يحتفلون بذكراه المجيدة ، ويستخلصون من تجربته وسيرته المآثر والبطولات ، راح تجار دم الحسين يوظفون المناسبة في زواريب السياسة اليومية والمصالح الرخيصة .
عاشوراء رمز للتضحية من أجل قضية ، والقضية قضيتان: هي نصرة الدين ووحدة الأمة في مواجهة ما عده الحسين انحرافا عن الدين وتقسيما للأمة . بعد أكثر من ألف عام ، نراهم يحملون راية الحسين لتقسيم الأمة ولتحريف الدين . فما من مرة بلغ فيه الانقسام اللبناني هذا المدى الخطير كما هي الحال اليوم ، إذ لم تعد عاشوراء فرصة لإحياء المناسبة وتكريما للشهداء ، بل مجالا لعرض العضلات والتهويل والتهديد وتكريس الانقسام السني الشيعي الذي لا يهدد وحدة المسلمين فحسب بل وحدة اللبنانيين جميعا ومصير الوطن بأسره .
هذا في السياسة . أما في الدين ، فقد أفرغت المناسبة من مضامينها العميقة وتحولت إلى طقوس مسيئة للدين وللإيمان.ظلت المناسبة الدينية لا السياسية، ظلت على مدى عصور، محطة من محطات النقاش الفقهي المعمق بين المجتهدين والفقهاء ، وكثيرا ما عبرت عن المستوى الفلسفي الرفيع الذي بلغته المساجلات بين أهل الرأي من فقهاء الدين ، غير أن هذا المستوى رزح تحب عبء السياسة فراح يتدنى إلى أن غاب النقاش الفقهي والتبحر في علوم الدين وتفسير القرآن، وتحول المذهب الجعفري على أيدي المتعصبين إلى جماعة يتوجس منها شرا جيرانها في الدين وفي الجغرافيا، ويتجنبها من يختلف معها في الرأي ، وانقطع حبل التواصل الفكري بين المختلفين ...واستقرت مضامين المناسبة على حكايات تكثر فيها الأساطير ويقل فيها الدين ، وغلبت عليها شعارات العنف والدم والقتل وطلاء القرى بالأسود وممارسة الطقوس الدموية الممجوجة التي خالفت فتاوى مرجعيات دينية كبرى كانت قد حرمتها ودعت إلى الكف عن ممارستها ( كما فعل المرحومان الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله)
لم تعد عاشوراء والمجالس الحسينية مناسبة سنوية ، بل تحولت إلى جزء من طقوس الموت اليومية وصارت جزءا من التقاليد والعادات حتى صار مجلس العزاء الحسيني شريكا في كل موت ومادة في كل تأبين ، وتحولت الأيام العشرة الأولى من محرم إلى مجلس عزاء دائم ينتقل من بيت إلى بيت ، وبات التنافس على إقامته مادة صراع على المساجد وعلى النفوذ بين قطبي الشيعية السياسية. على أن الأفدح من ذلك ، بدون شك ، هو ما صارت تثيره المناسبة في نفوس اللبنانيين من قلق على مصير الوطن وخوف من تجدد الحرب الأهلية ، لا سيما عندما تتزامن الطقوس الكربلائية مع لغة التهديد اليومية ، وتقترن خطابات عاشوراء بتهديدات الويل والثبور وعظائم الأمور إذا ما جرت رياح الأحداث بما لا تشتهي سفن الشيعية السياسية .
إن حجم القلق على مصير البلد ليس ناجما اليوم عن مغامرة الشيعية السياسية وحدها ، كما لم يكن بالأمس ناجما عن مغامرة المارونية السياسية وحدها ، بل هو ناجم عن مغامرة تتولى القوى السياسية اللبنانية التناوب على خوضها ، على طريقة سباق البدل ، وهي مغامرة ذات مضمون واحد وأعراض واحدة ، وإن اختلفت أشكالها وتنوعت القوى التي ترتكب حماقة خوضها : هي مغامرة بعضها جهل وبعضها جنون وبعضها عجز و قصور عن الدخول في حضارة العصر.
إنها المغامرة ذاتها، المقامرة ذاتها ، المؤامرة ذاتها: سعي إلى إلغاء لبنان لحساب مشاريع الدول القريبة والبعيدة، الصديقة والشقيقة والعدوة.سياسيو لبنان ، لاسيما الجدد منهم، لا يؤمنون بلبنان وطنا نهائيا . الأحزاب اليسارية والقومية عملت من أجل لبنان العربي القومي الأممي ، والأصوليات المسيحية سعت إلى تحويل لبنان وطنا قوميا للمسيحيين ، والأصوليات الإسلامية عملت وتعمل من أجل قيام الدولة الإسلامية ، والشيعية السياسية اليوم تعمل من أجل قيام دولة ولاية الفقيه...
لبنان الوطن السيد الحر المستقل ، لبنان الدولة الديمقراطية، دولة القانون والحريات والكفاءة وتكافؤ الفرص ، لبنان هذا هو وحده الغائب عن كل مشاريعهم وبرامجهم . غائب عنهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، ولأنه لا يبني الدولة إلا رجال الدولة ، رجال من طراز المؤسسين الأوائل . رحم الله رجال الدولة الذين ماتوا شامخين وأبقوا رأس لبنان شامخا بين الأوطان والدول.
ليست عاشوراء وحدها مناسبة فئوية ، بل إن نهج الشيعية السياسية يهدد بعزل الطائفة كلها عن عن مكونات المجتمع اللبناني ، يساعدها على سياسة العزلة هذه إمعان جميع القوى في تقاسم مقومات الوطن السياسية والثقافية والاقتصادية والجغرافية . إنهم يتقاسمون الوطن باسم الطوائف ، يتحاصصونه باسم الطوائف ، وماذا تجني الطائفة ، أية طائفة ، من رئيس أو وزير أو نائب لا يمثل غير مصالحه الشخصية ولا ينتصر لغير ماسحي الجوخ من الانتهازيين والمتزلفين وبائعي المواقف ، ماذا تجني الطائفة من هؤلاء إن هي ربحت نفسها وخسرت الوطن؟
لم يكف المحاصصين حروب وأثمان باهظة دفعها الوطن نتيجة سياسة المحاصصة . المحاصصة الأولى رجحت صلاحيات رئيس الجمهورية فأفضت إلى حربين أهليتين (58و75) ووضعت الدستور على محك التغيير، ومحاصصة الطائف أنتزعت صلاحيات من الماروني لصالح السني فوضعت مصير الوطن من الأساس ، لا مصير الدستور وحده، أمام خطر الدمار، دمار الوطن والدستور والطوائف والمحاصصين باسم الطوائف، واليوم تسعى الشيعية السياسية إلى محاصصة جديدة ، متذرعة بأنها تدافع عن الطائفة كلها ، وهي تعلم أن قوة الطائفة تكمن في تنوعها وانفتاحها وإصرارها على وحدة الوطن وعلى الانخراط في مشروع الدولة ، وليس قوة لأحد أن تؤخذ الطائفة رهينة في مواجهة الدولة وأن يقضى على التنوع فيها وأن تمارس عليها كل صنوف الاستئثار والقهر والاستبداد السياسي والديني .
أيها المحاصصون باسم الطوائف ، عودوا من محاصصاتكم إلى رحاب الوحدة الوطنية ، إلى رحاب الدولة الوطنية : دولة القانون والمؤسسات والديمقراطية والحريات والكفاءة وتكافؤ الفرص.