من هو اليساري؟

محمد علي مقلد
2012 / 11 / 22


إلى روبير بشعلاني
فتحنا على صفحة التواصل اليساري حوارا بين يساريين، وكانت حفلة التدشين سجالا مع الصديق روبير بشعلاني لإطلاق النقاش، مادته مقطع قصير اقترحته مدخلا، ورد عليه روبير بمطالعة وأعقبها بمقالة " صعلوكية " على موقع إلكتروني آخر، بعنوان " تجاوز الطائفيات القرابية ممكن؟ (سأرفق النصوص الثلاثة كملاحق في آخر البحث). هذا النص هو سجال مع مطالعة روبير ومقالته.
في المدخل الذي اقترحته انطلقت من ضرورة نقد التجربة الغنية التي خاضها اليسار اللبناني خصوصا والعربي عموما لتجاوزها ، ومن تجربتي النقدية بالذات التي " قررت " أن أقوم بها منذ بداية التسعينيات ، أي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية ، والتي " رأيت " فيها أن اليسار ضرورة لهذا العالم ( تأكيدا لفرضية سمير أمين وبناء عليها : الاشتراكية أو الفوضى) ،مع يقيني القاطع بأن التاريخ لن يسخر من نفسه بإعادة إنتاج قديمه ، لكن حواراً بين يساريين قدامى ضرورة من أجل إعادة الاعتبار لفكرة اليسار ، وأن هذا الحوار ينبغي أن يتحرر من قيود التجارب اليسارية السابقة . و" رأيت " أن قراءة غير سوفياتية لواقع الصراعات في العالم من شأنها أن تعيد النظر بكثير من المقولات والمصطلحات والفرضيات ، ومن بينها طبيعة الصراع مع الولايات المتحدة الأميركية التي كان وقوفنا في مواجتها من متطلبات الانتماء الى معسكر يقوده الاتحاد السوفياتي وحلفاؤه في مواجهة المعسكر التي تقوده مع حلفائها . و "رأيت" أن الخطر الأساسي على بلدان الأمتين العربية والإسلامية هو خطر الاستبداد السياسي الذي يحول دون تطور هذه البلدان وتقدمها ، الخ.
أخذ عليّ روبير أنني " قررت ورأيت"، "بدون تحليل الواقع الملموس وتناقضاته الفعلية"... وبهذا أكون قد ارتكبت عملية "تزحيط في الفكر ، لأن الاستبداد لا يمكن أن يكون منبع التناقض الرئيس أو الأساسي في بنية اجتماعية أو في العمران البشري كما يقول عالمنا المنسي خطأ وظلما ، إبن خلدون ".
أوافقه على أن التاريخ ليس قرارا ذاتيا ولا رأيا شخصيا . هذا من البديهيات . أستعين لتأكيد هذه الفكرة بكلام أورده هنري ميشونيك في كتابه الضخم " نقد الإيقاع" ، وهو كتاب في نقد الفن، يقول فيه ما معناه ، لا شيء فردي في ما يصنعه الفرد. وهو يقصد في كلامه هذا الشعر والشاعر ، مع أن الشعرهو المجال الذي يصعب على صاحبه وصانعه أن يتوارى خلفه ،وأن يذوّب ذاته في الموضوع كما هي الحال في العلوم والفلسفة ، أو في الأحزاب الشمولية.
غير أن المدخل إلى نقد تجربتنا اليسارية هي أن يكون واحدنا قادرا على أن " يقرر ويرى" . لقد تعودنا أن نكرر بدل أن نقرر ، وأن يرى سوانا( أن يفكر) نيابة عنا . نعم ، لقد كرر اليسار العالمي المقولات ذاتها التي تمت صياغتها في المشغل السوفياتي . هم قرروا ونحن رأينا بعيونهم .إذن ليس عيبا ، بل فضيلة ، أن يقرر المرء بدل أن يكرر. فكيف إذا كان ما يقرره وما يراه ليس ذاتيا أبدا ، وليس اعتباطيا وليس " من دون تحليل الواقع الملموس وتناقضاته الفعلية" ، بل على العكس تماما . لقد بدأنا نقد التجربة ، غداة الانهيارات الكبرى وعلى ضوئها، في بداية التسعينيات، يوم تفككت المنظومة الاشتراكية وتهاوت حركة التحرر الوطني في العالم العربي وانهزمت الحركة الوطنية اللبنانية ، والحزب الشيوعي أساس فيها ، على يد قوى الممانعة . ألم تكن هذه الهزيمة المثلثة كافية لإعادة النظر ؟
بيد إن إعادة النظر هذه لم تدفع بنا إلى أن نتنكر لفضائل التجربة ولا إلى أن " نعدم كل المعطى السابق وبشكل نهائي وكامل " ، على ما أورده روبير في أحكامه المسبقة التي هي أقرب إلى الشتائم منها إلى التحليل ، لأن كل حكم من غير دليل ولا قرينة هو أقرب إلى الشتيمة، إذ كيف أجاز لنفسه أن ينطق بهذا الحكم المبرم ، فيما نحن وإياه جادون في تأسيس نقاش لا يبغي سوى إعادة الاعتبار للفكر اليساري ؟! هذا فضلا عن أننا أكدنا، في كل ما كتبناه سابقا ، منذ بداية تجربتنا النقدية ،على جملة من " الفضائل" والانجازات التي قدمتها الاشتراكية للبشرية، وواجهنا مع آخرين موجة الارتداد والانهيار الفكري التي جرفت في مجراها كثيرين ممن هالهم السقوط المدوي للاشتراكية ومنظومتها ، كما أكدنا على أن اليسار حاجة لا لليساريين وحدهم بل لتطور البشرية، وعلى أن الماركسية لا تزال حية ولا تزال أكثر راهنية من كل الفلسفات والنظريات الثورية التي عجزت عن تجاوزها ونقضها ، وأن الآفة لم تكن كامنة فيها بل في رواتها ( وما آفة الأخبار إلا رواتها) وفي مؤوليها ومفسريها ، وخصوصا في الذين اختاروا أن يكرروا، لا أن يقرروا، أي في الذين "اجترّوا".
لست أعلم ماذا يقصد روبير بالواقع الملموس ! وهل يريد واقعا ملموسا أكبر من هذا الانهيار المثلث ؟ لقد انهار كل شيء ، لم يبق من عمارتنا المتخيلة ، الدولية والعربية والوطنية ، حجر على حجر .إلا إذا كان روبير يعتقد ، مع من زالوا يعتقدون ، أن ما حصل لم يكن سوى نكسة ، أو هو نتيجة مؤامرة غورباتشيفية إمبريالية ، وبالتالي فلا حاجة للنقد أو لإعادة النظر بالتجربة ، وما علينا إلا الانتظار، وترقب عودة الروح بعد الغيبوبة المؤقتة إلى المثلث الرحمة ، الاشتراكية والتحرر الوطني وأحزاب الاستبداد الشمولية؟
نعم ، انهار البنيان كله، لا بفعل المؤامرة والعوامل الخارجية ، وما من عاقل يمكن أن يتجاهلها، ولكن لأسباب بنيوية في منهج التفكير وفي البرامج وفي تنظيم العمل والانتاج وفي علاقات التحالف وفي إدارة الصراع، الخ . والذي انهار ليس المعسكر الاشتراكي ومنظومته بل الاشتراكية المحققة بالذات ، وبالتالي فإذا كان على اليسار من مهمة ملحة فهي لن تكون شتم الإمبريالية وعملائها ، بل البحث في كيفية إعادة الاعتبار للفكر الاشتراكي الذي تشوه بفعل التجربة المحققة ، انطلاقا من اليقين الماركسي بأن للتاريخ قوانين ، وبأن التاريخ لا تصنعه قدرة قادر ، بل يصنعه الصراع بين البشر، وأقول جوازا ، بل يصنعه البشر، إن أحسنوا قراءة قوانينه ، البشر الذين يقررون لا الذين يكررون. دليلنا على ذلك أن ماركس كان أحد صناع الفكر الحديث ولينين أحد صناع التاريخ الحديث ، وأن بصماتهما على القرن العشرين وكل نتاجه في الفلسفة والشعر والرواية والنحت والرسم وصيغ التضامن الاجتماعي والعمل الجماعي والصيغ الحزبية مطبوعة على جبين كل الحركات الثورية والتيارات الفنية والمدارس الفكرية التي انعقدت تحت لوائهما ، فضلا عن تأثيرهما على سياق التطورالسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المعمورة.
الذي انهار أيضا في مجال التحرر الوطني ليس الحركة ذاتها فحسب ، بل كل المنظومة وكل الأفكار المشتقة منها ، أولاً لأن الظروف التي أدت إلى قيام هذه الحركة في بدايات القرن الماضي لم تعد موجودة ، وثانيا لأن هذه الحركة أنجزت مهمة الاستقلال الوطني والتحرر من الاستعمار، ثم بلغت ، بعد ذلك ، حدودها التاريخية . بل إن الأهم من هذا وذاك هو أن الحركة لم تتمكن من تجديد نفسها، ولم تقبل النقد، فسقطت ، في حين قام الاستعمار بنقد تجربته الاستعمارية فجدد نفسه ، بتجديد أزمته، ( الرأسمالية جددت نفسها أكثر من مرة ، فؤاد مرسي وسمير أمين وسواهما فصلوا في هذا الموضوع). لقد ظلت مهمات حركة التحرر الوطني هي هي ، قرنا بكامله ، فيما لم يبق من الاستعمار القديم المباشرأي أثر . تغير كل شيء وتبدل ، فيما قوى حركة التحرر الوطني كانت تكتفي بتبديل إسمها ،فاستقرت، في نهاية النفق، على إسم الممانعة بدل التحرر الوطني والصمود والتصدي ودول الطوق ، الخ الخ ، ولم تكن الممانعة سوى امتناع عن التجدد والنقد الذاتي وانكفاء لا يستوي إلا مترافقا مع أبشع صنوف الاستبداد السياسي.
والذي انهار ثالثا ليس الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي والأحزاب المنسوخة عنه في العالم كله ، بل صيغة الحزب الشمولي بالذات ، القائمة على المركزية الصارمة وقمع الرأي المختلف وتخوينه وهدر دمه . في بلادنا عاندت الأحزاب " الواقع الملموس" ، وبدل أن تنكب القيادات على دراسة التجربة، حمّلت المسؤولية ، بحسب نظرية المؤامرة، العزيزة على قلوب أعداء النقد الذاتي ، للعدو الخارجي متمثلا بالاستعمار، ولأعداء الداخل ممثلين بأعوانه وأتباعه وأدواته وعملائه. والأفدح من ذلك هو أن أحزاب حركة التحرر الوطني " قررت" أن تقرأ ، فقرأت دروسها بالمقلوب ، فتوهمت الأحزاب الشيوعية وأحزاب الحركة القومية أن مفاعيل الانهيار قد تبقى محصورة داخل حدود المعسكر الاشتراكي ، ظنا منها أن التصدع حصل حيث التجربة مجسدة في سلطات ودول وأنها معفية من التبعات لأنها حركة تحرر( ثورة) ، وتوسعت حدود أوهامها ليتراءى لها أن التجربة ستبقى صامدة في الأطراف في كوبا وفييتنام وكوريا ، ثم علقت آمالها على معارك ناجحة ضد الامبريالية في البرازيل وبعض أميركا اللاتينية ، وعلى الصين بصفتها النقيض المأمول. أما الطامة الكبرى فتمثلت في الاستنتاجات الغبية لدى الأحزاب القومية ، التي لم تنتبه إلى كونها نسخة مشوهة من تجارب الأحزاب الشيوعية ، واستنتجت أن سقوط الشيوعية العالمية دليل على سلامة نهج الحركة القومية ، وأن ذاك السقوط يملي عليها العمل على تنظيم وراثة الأحزاب الشيوعية في العالم العربي.
كارثة الكوارث في هذا الشأن تمثلت في هروب اليسار الشيوعي من النقد والاحتماء بقوى الممانعة والتحالف معها ضد حركات التجديد التي أطلقتها شعوب العالم العربي ضد الاستبداد الذي مارسته الأحزاب القومية واليسارية على حد سواء . وقد كتبنا ، لحظة انطلاقة الثورة العربية في تونس ومصر، موجهين كلامنا للمتظاهرين في لبنان المتضامنين مع الثورة ، قائلين لهم : مهلا أيها المتضامنون ، هذه الثورة قامت ضدكم . نعم هي قامت ضد كل صنوف الاستبداد التي جسدتها أنظمتهم وأحزابهم .
انطلاقا من هذا الواقع الملموس ، " رأينا " ، أن من الضروري وضع تشخيص جديد لأزمة العالم العربي ، بل لأزماته ، لا بل لأمراضه. رحنا نجتهد بحثا عن تشخيص وعن علاج جديدين ، أملا بأجرين إن أصبنا وبواحد على الأقل إن أخطأنا ، بحسب القول المأثور ، فيما أمعنت قيادات الأحزاب تنكيلا بمحاولات الاجتهاد وبأصحابها . حسنا أننا التقينا مع روبير في جبهة اجتهادية لكنه سرعان ما سلم اجتهاده لأصحاب الجمود العقائدي ، فأدخلوه مع اجتهاده في طاحونة السياسة اليومية وفي الخيارات المغلوطة ( سنفصل في ذلك )وأفرغوه من أي احتمال في حصوله على أجرين بل ولا على أجر واحد.
حاول روبير أن ينقض فرضيتي عن الاستبداد ، قائلا ، "لا يمكن أن يكون الاستبداد ، وهو مقولة سياسية ، منبع التناقض الرئيس أو " الأساسي" في بنية اجتماعية أو في العمران البشري ، كما يقول عالمنا المنسي خطأ وظلما ، إبن خلدون". نعم يا روبير أنت أوقعت نفسك متلبسا : من الطبيعي ألا يكون الاستبداد منبع تناقض في البنية الاجتماعية أو العمران البشري لأنه " مقولة سياسية " ، وبالتالي فهو مصطلح يخص هذا الحقل دون سواه . إن الخطأ المنهجي الذي وقعت فيه كل مدارس التحليل الماركسي فهو الخلط بين المصطلحات . لقد أجمع مفسرو الماركسية على أن ماركس أبدع في تحليل البنية الاقتصادية في النظام الرأسمالي ولم يعر كثير اهتمام للبنية السياسية ، فاستسهل الماركسيون استعارة المصطلحات الاقتصادية واستخدموها في السياسة ،تعويضا عن نقص في مصطلحات ماركس في هذا المجال. لكن آليات التناقض ليست هي هي في كل المجالات ، ولا هي كذلك أدوات الصراع . مثلما أن المطرقة أداة الحداد والقلم أداة الكاتب والمجهر أداة الساعاتي ، فللسياسة أدواتها التي لا يصح استخدامها في حقل آخر إلا بعد إخضاعها لعملية تكييف وتعديل وملاءمة . فلا يصح مثلا الحديث عن استبداد اقتصادي أو عن نظام قرابة اقتصادي ، تماما مثلما لا يصح الكلام عن فائض القيمة في الفقه الديني أو عن العرض والطلب في البنية الفنية للقصيدة .
الماركسيون ذهبوا بعيدا في استخدام مصطلحات اقتصادية في تحليلهم السياسي ، بسبب نقص في مصطلحاتهم السياسية ، ذلك أن فكرة الدولة لم تحظ باهتمام ماركس البحثي ، ما أوحى لسمير أمين بالمطالبة باستكمال الانجاز الماركسي الاقتصادي المرموز إليه بشعار ، السلعة صنم ، بشعار سياسي من مثل ، السلطة صنم . وبسبب هذا النقص ، غلب الطابع الاقتصادي على كل تحليل وغابت السياسة . من هنا يبرز السؤال النقدي : إلى أي حد نجح منهج التحليل الاقتصادي في تشخيص الأزمة السياسية؟ الجواب ، أو المفتاح السحري، بسيط ، وهو نفسه الذي يتكرر كاللازمة في كل مناسبة : البنية التحتية هي منبع كل التناقضات . وبما أن تكرار البديهيات هو من معيقات المعرفة العلمية ( باشلار) فإن الهروب إلى التحليل الاقتصادي لتفسير كل الظاهرات الاجتماعية والسياسية والنفسية والفنية ، الخ . هو استظلال شكلي بالهوية الماركسية للتغطية على قصور معرفي في علم السياسة شكونا منه جميعا ، ويصر بعضنا على البقاء من ضحاياه وأسراه . من حقي أن أرد بضاعتك إليك وأقول لك : أخي روبير ، " إنك تفتش بالمكان الخطأ وبالمنهج الخطأ ، فلا تتوقعن التوصل إلى ضالتك"
يقول روبير منتقدا فرضيتي عن الاستبداد : " غاب عن بالك التاريخ والجغرافيا ومنتفعاتهما ، ونسيت أننا في عصر العلوم وتطور التكنولوجيا ووسائل الانتاج الهائلة التطور وفي عصر نشأت فيه الرأسمالية وتغلغلت في بلاد الكون الواسعة وصارت لها تناقضات داخلية تمنعها من تطوير أرباحها إلا بالتوسع افقيا وعاموديا ، وصار هناك تنافس وتزاحم فيما بين دولها جعلها تسعى إلى إيجاد أسواق تصرف فيها منتجاتها وتحقق فيها " فائض إنتاجها" الذي هو فائض نظري ، الخ". أين هذا من الواقع الملموس والتناقضات والتاريخ والجغرافيا ؟ إنها بديهيات وصلت إلينا من ماركس ، ورحنا نستخدمها من دون أي تعديل أو تطوير ، منذ قرنين من الزمن . إنها بديهيات تصح على تحليل الوضع في لبنان على منعطف الألفية الثانية ، وفي الهند أو غواتيمالا أو الموزنبيق أو البلدان السكندينافية في بداية القرن الماض كما في نهايته . يحق للفكر النقدي أن يسأل، أين هي هزيمتنا المثلثة (الواقع الملموس ) في هذا التحليل ؟ كما يحق لنا أن نطرح سؤالا أكثر إحراجا : إذا كان الاكتفاء بهذه البديهية وتحويلها ، من غير تطوير أو تأويل أو تفسير ، إلى منهج وحيد ( البنية التحتية هي العامل المحدد في نهاية المطاف ) وإلى مفتاح سحري صالح لفتح كل الأبواب اليسارية ، فلماذا انتهى اليسار الماركسي إلى هزيمة ، واليسار العربي إلى هزيمة مزدوجة ، واللبناني إلى هزيمة مثلثة من غير أن يشكل له المنهج حصانة ومناعة ضد الخلل والزلل والخطل والخطأ في التحليل والتشخيص؟
نعم ، إن اليسار الجديد في حاجة إلى قراءة نقدية للماضي ، من إجل إعادة الاعتبار للفكر الاشتراكي ، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بإعادة قراءة الماركسية بعيون محلية ، ثم باستكمال الانجاز الاقتصادي الماركسي بإنجاز سياسي يحلل آليات السلطة والدولة في الرأسمالية ، وربما يكون هنا مكمن التحدي أمام اليسار الماركسي : كيف يبني الدولة الرأسمالية لا كيف يهدمها ، تاركا للتاريخ أن يستغني عنها لا أن يقضي عليها ، بالنفي الجدلي( الاضمحلال) لا بالنفي الميكانيكي ( القتل والتدمير). إننا نفترض في هذا المجال أن الدولة في الرأسمالية (الدولة الديمقراطية) هي مرحلة أولى من الاشتراكية على الصعيد السياسي، لأنها وضعت ، لأول مرة في التاريخ، مبدأ المساواة السياسية قيد التنفيذ ( على علات هذا التنفيذ ) ، وهي ليست مساواة حسابية لم يتمكن الخيال الاشتراكي "المبتذل" (نستعير هذا النعت من سمير أمين) من التحليق أبعد منها ، بل هي المساواة ، ولو نظريا ، في الحقوق والواجبات ، أمام القانون. نقيض ذلك هو الاستبداد الذي أمعنت الأصوليات اليسارية والقومية والدينية في استخدامه وأوقفت مسار التطور السياسي في النقطة التي انتهى إليها زمن السلالات والحكم الوراثي ، الزمن الذي كان الحاكم يقدم نفسه فيه بصفته ممثل الله على الأرض.
المسألة إذن مسألة منهج ، وحين حاول روبير أن يجدد في منهجه لم يبحث عن تأويلات للماركسية واجتهادات في فضائها المعرفي ، بل عاد القهقرى وتوسل " العالم المنسي والمظلوم " إبن خلدون ، فأكثر من استخدام مصطلح العمران ، من غير أن ينتبه إلى ما أسماه ماركس الحدود التاريخية التي لا تستطيع الظاهرات الفكرية والاجتماعية والسياسية أن تتجاوزها . لقد كانت نظرية إبن خلدون صالحة في حدودها التاريخية ، مثلما كان للفكر الأسطوري حدوده ومثلما صار للفكر الغيبي حدوده ، الخ .هذا يصح على أجيال العلوم والمخترعات أيضا .
وإذا صح أن نظرية إبن خلدون في العمران لا تزال تحافظ على راهنية معينة في مجتمعاتنا العربية ، فقد وقع روبير في الخطأ مرة ثانية حين استخدم النظرية العمرانية ( السوسيولوجية بالمعنى الحديث للمصطلح ) ليفسر السياسة . فهو يقول في تفصيل ذلك : " نقاط ضعف عمراننا الرئيسية هي سيطرة القرابة عليه، من عائلية إلى قبلية إلى عشائرية إلى طائفية تجعله باستمرار نهبا لنزاعات أهلية- فتن- لا تتيح إنتاج نسيج اجتماعي موحد ولا دولة قانون بالتالي". هذه التفاصيل صحيحة ، لكنها لا تكفي لتشخيص أزمة العالم العربي . ذلك أن نظام القرابة ليس من خصائص عمراننا وحده ، بل هو كان الشكل السائد قبل قيام الرأسمالية ، وفي مركز قيامها ، أي في أوروبا بالذات . عملية الانتقال من القرابة والعائلة والقبيلة والعشيرة والطائفة إلى بنية اجتماعية أرقى يحتاجها الاقتصاد الرأسمالي هي الأساس ، فهي نحجت في المركز وفشلت في أطراف النظام الرأسمالي ، لكنها ،حتى حيث نجحت ، حققت نجاحا نسبيا فحسب ، إذ لا تزال آثار تلك الانقسامات موجودة بصورة من الصور حتى في مركز الرأسمالية.السؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يتم الانتقال من بنية إلى بنية في جميع بلدان العالم العربي بالوتيرة ذاتها ، ولماذا لم تمن هذه البلدان بالفشل ذاته ولم تحظ بالنجاح ذاته ؟ إن العنصر المحدد ( بكسر الدال) لهذا التفاوت في التطور القائم بين بلدان العالم العربي أو بينها وبين بلدان المركز الرأسمالي هو عنصر سياسي، قبل أن يكون اقتصاديا ، ذلك أن البنية السياسية(البنية الفوقية) هي التي لعبت الدور الحاسم في تطور البلدان الغربية وليست البنية التحتية. الثورة الفرنسية( السياسية) هي التي حسمت الأمر لا الثورة الاقتصادية التي كانت هي الأسبق في البلدان المنخفضة وفي بريطانيا. والثورة الأميركية( السياسية) هي التي حسمت أمر الانتقال هذا ، وليس الاقتصاد ، الذي ربما كان قد لعب ، في المرتين ، دورا محدِّدا( بكسر الدال) في نهاية التحليل .
نهض دور السياسة الحاسم على ركنين : القانون والديمقراطية. والقانون الوضعي ( على علات القوانين ومن يسنها) هو الذي حمى الديمقراطية( على علاتها التطبيقية) . يعني ذلك أن انتقال العمران من بنيته القبلية ( المتخلفة) إلى بنيته المواطنية لا يمكن أن يحصل خارج نشوء الوطن بمعناه الحديث . والوطن هو شعب وأرض وسيادة ، والسيادة ليست شيئا آخر غير سيادة القانون. أما الديمقراطية فهي تعني أول ما تعنيه تعايش المختلفين والقبول بالرأي الآخر ، وفي آخر قائمة المواصفات تأتي صندوقة الاقتراع . القانون والديمقراطية هما في أساس الانتقال إلى الدولة-الأمة ، أي الأوطان الحديثة . وفي عالمنا العربي رفضت الطبقات الحاكمة آليات هذا الانتقال على الصعيد السياسي وارتضت به على الصعد الأخرى ، الاقتصادية والثقافية والفنية والإدارية وسواها. من هنا صح القول إن عدو التقدم هو الاستبداد، من غير ان يعني ذلك استبعاد العوائق الأخرى الخارجية المتمثلة عموما بمصالح المراكز الرأسمالية ، وعلى وجه الخصوص بالكيان الصهيوني المغتصب الذي شكل ناطور الإمبريالية في الشرق الأوسط.
غير أن التركيز على العوامل الخارجية كان بمثابة تغطية على دور الاستبداد الداخلي ، كما أن التلطي وراء الصراع مع العدو الصهيوني ، واعتباره سببا رئيسيا لتخلفنا ، شكل ذريعة المستبدين للتمادي في استبدادهم ،والدليل على ذلك هو أن أكثر بلدان العالم العربي تخلفا هي تلك التي لم ينعكس عليها الصراع العربي الإسرائيلي أبدا ( اليمن والصومال) . والدليل الآخر هو أن بلدانا متشابهة في تخلفها لا يد للصهيونية ولا للصراع العربي الاسرائيلي في تخلفها مثل أفغانستان. أما الدليل الأكثر وضوحا فهو أن تخلف العالم العربي سابق على الاستعمار . لقد بدأ انحطاط هذه المنطقة منذ سقوط الخلافة العباسية ونشوء عصر الدويلات وتوالي غزوات المغول والتتار وحكم المماليك والعثمانيين ، كل ذلك قبل أن يكون قد نشأ الاستعمار بعد. فضلا عن كل ذلك ، أليست البلدان الأكثر احتكاكا بالغرب الرأسمالي هي البلدان الأسبق في الدخول إلى عصر النهضة الحديثة في العالم العربي( لبنان ومصر )؟ أولم تكن البلدان ذات الحد الأدنى من الديمقراطية ( مصر ولبنان تونس والمغرب ) هي الأسبق في مجالات التقدم والتطور، في الإعلام ودور النشروالترجمة والجامعات والتعليم العالي؟ كل هذه المجالات كانت تتطور طردا مع نمو الديمقراطية أو تتخلف مع تراجعها.
بديلا عن تفسير التخلف بالاستبداد ، أي بالأسباب السياسية ، اختار روبير المنهج القديم ذاته الذي يعيد كل الأسباب إلى عوامل خارجية وإلى نظرية المؤامرة . المنهج ذاته الذي يحمل الاستعمار مسؤولية الفقر والجهل والمرض والفساد ، الخ. بل هي مسؤولية علاقة التبعية (تحليل الأحزاب الشيوعية، والحل بفك التبعية ، أو بالاستقلال الاقتصادي ، بحسب رأي سمير أمين، أو الاقتصاد المتمحور على الذات). هذا التفسير لم يصمد ، خصوصا بعد انهيار التجربة الاشتراكية . ذلك أن الرأسمالية لم تبلغ حدودها التاريخية بعد ، ولذلك استعصى على البلدان الاشتراكية أن تبني استقلالها الاقتصادي بنجاح.
(يتبع)